أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أجراس العودة*

أرشيف

الحروب والنزاعات لعنة الحياة منذ الأزل، فقد دمّرت بُنية الاستقرار في الحياة عامّة، وألجأت البشر إلى الهجرة والتهجير القسريّ عن أوطانهم، وفي نيّتهم الرّجوع إلى بيوتهم وسابق حياتهم، بعد أن حطّت الحرب أوزارها.

من هنا نشأ مُصطلح حقّ العودة المعترف به كمبدأ، وحقّ مُكتسب في القانون الدُّوليّ، مُدوّن في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، والميثاق الدوليّ حول الحقوق المدنيّة والسياسيّة، وهو يعطي أيّ شخص حقّ العودة، والدّخول إلى بلده الأصليّ، والارتباط الروحيّ للعرب والمسلمين بفلسطين، والقدس، والخليل، وبيت لحم على الأخصّ، جعلها قضيّة مركزية تَنادى لها العالم الإسلاميّ قبل العربيّ.

ومع ما حصل في عام ألف وتسعمئة وثمان وأربعين، وما قبله بسنوات من قتل وطرد وتهجير قسريّ للفلسطينيّين من ديارهم. نشأ واقع جديد في جوارهم العربيّ مخيّمات لاجئين، أقيمت على عجل برعاية الأمم المتّحدة، ومنظّماتها من خلال (أونروا - يونيسيف).

وعندما غنّت فيروز: (الآن الآن.. وليس غدًا.. أجراس العودة فلتقرع).

ردّ عليها الشاعر نزار قباني بقصيدة طويلة جريحة عصماء مليئة بالغضب على واقع الهزيمة، ورؤية الشّاعر واثقة بما استندت إليه من قراءة الواقع بمعطياته الواضحة:

(غنّت فيروز مُغـرّدة // وجميع الناس لها تسمع. عـفواً فـيروزُ ومعـذرةً // أجراسُ العَـودة لن تـُقـرَع.

خازوقٌ دُقَّ بأسـفـلنا // من شَرَم الشّيخ إلى سَعْسَع).

و(شرم الشيخ) مدينة مصريّة مُطلّة على البحر الأحمر، و(سعسع) قرية سوريّة في هضبة الجولان المحتلّة، وهو ترميز لحدود فلسطين الجنوبيّة والشماليّة.

هذه النتائج قادت إلى إنشاء مؤسّسة "عائدون".. التي تناضل على جميع المستويات من خلال المنابر العربيّة والدوليّة، مُنادية بحقّ العودة للّاجئين الفلسطينيّين، لكي يعود إلى وعيه ويصحو مَن نسي أو تراخت همّته.

وعيادة المريض سُنّة محببة بين النّاس، ومن زاره، فقد عاده للسّؤال والمواساة وللعلاج، ولا بد من أن يعود أدراجه قافلًا من حيث أتى، ومن عاد إلى رشده فإنّه اهتدى للصواب.

والعيادات الخارجيّة في المستشفيات أوّل مرحلة لدخول المريض، تعمل الكشف الطبيّ السّريع، وتأخذ قرارها بشأن حالته.

وعَدَا الغزال جرى وركض، وعدا الماء جرى، وعدا الشّخص اعتدي وتجاوز، وعَدا عليه وثب، وعدا اللّصوص على أمواله: سرقوها، وأخذوها عُنوة بغير حقّ، وعوّد الرّجل أو الحيوانَ الشيءَ، جعله يعتاد حتّى صار عادة له.

وعوّاد الجمع عاديات وعَوادٍ والعوادي، هي غوائل الدّهر. والعادة كلّ ما اُعتيد حتّى صار يُفعَل من غير جهد، والعادة تتكرّر على نهج واحد، وأمر خارق للعادة: مُجاوز لقدرة العبد أو لطبيعة المخلوقات، كالمُعجزة والكرامة للأنبياء والأولياء الأتقياء الأخفياء.

جرَت العادة على كذا، صار من المُعتاد والمألوف، وقيل في المثل (اقطع عادة ولا تُجرّيها)، و(زوْج صالح أعوَدُ عليكِ من زوْج ذي مالٍ). وعادٍ، العاديُ العدوّ الظّالم، وعاد عليهم الدّهر: أتى عليهم.

والعادات والتقاليد تراث الشّعوب على اختلافها، وفيها تمييز وتمايز ما بين شعب وآخر، وهي مما اعتادوه من جيل إلى آخر، من عقائد وأديان ولباس وطعام ومسكن وأعياد وأفراح ومآتم، وجميع نشاطاتهم الاجتماعية والاقتصاديّة، وهذه مرجعيّة يُعاد ويرجع إليها لمعرفة طرائق التفكير والسّلوك والعيش، بما يخلق المُبرّرات لدى الباحث في هذه المجالات.

جرت العادة على اتّخاذ أسماء للأشخاص من هذه المعاني: (عايد - عُويّد- عيد- عيّاد- عوّاد- عودة - عايدة- عيدة).

وفي دول الخليج نسمع قولهم: (يا معوّد..)، وفي مصر: (متعوّدة..) وفي كلا الحالتيْن يمدّونها بطريقة النّطق ليستقيم المعنى المُراد منها. وفي الأمثال الشعبيّة ورد العديد منها على سبيل المثال: (عِدْ رجالك وأرِد المَيْ) يورد هذا المثل لحسم المواقف، لبلوغ الماء، وهي المقصودة في المعارك والحروب التي كانت.

وفي الأعياد: (إن شاء الله من عوّادينه..)، وللأمر السيّئ الطّالع: (يِنْذَكر وما ينعاد) أي لا يعود إلّا فقط من خلال ذكره على اللّسان، (عُدتَ و العوْد أحمَدُ) أي أفضل وأحسن على كلّ الأوجه. و(عادت المياه إلى مجاريها) مثلُ يُضرب لأمر صلُح بعد فساده، وزوال سوء تفاهم.

ممّا تقدّم، نشأت فكرة جمعيّة (العاديات) في مدينة حلب السّوريّة القديمة تأسّست عام 1924، بهدف حماية قلعة حلب، ومن ثمّ استمرّت كجمعية هدفها الأساسيّ هو المحافظة على التراث السّوريّ الماديّ وغير الماديّ المتخصّص. ولها فروع في مختلف المحافظات، وليس لها أيّ تدخّل في الشّؤون السّياسيّة والدّينيّة.

وردت الآية الكريمة من القرآن: (وأولئك هم العادون) المُعتدون المُتجاوزون لحدود الله أو القوانين والأعراف، وهي من اسم (عاد) وجمعها (عادون) و(عُداة)، وتؤنّث على (عادية).

والآية: (والعاديات ضبحًا) قيل هي الخيل تعدو في سبيل الله، يُعتبر الصحابيّ (المقداد بن عمرو) أوّل من عدا (جرى) به فرسه في سبيل الله، حيث كان ذلك في معركة بدر، والفرس الثانية للصحابيّ (الزّبير بين العوّام).

ومنه العدو الجري الرّكض السّريع، والعدّاؤون في الماراثونات والمباريات والمسابقات الرياضيّة، وأشهر العدّائين كان على مستوى العالم المغربي (سعيد بوعيْطة).

وعادّ الشي فلانًا: فاعل من عدّ – عاددتُ، وأعادُّ، عادِد، مصدر مُعادّةٌ، عِداد، ومنها عادّ رفيقه أي فاخره في العدد، ومن عادّه المرض يكون قد تركه ثمّ عاوده، وفي الحديث الشّريف: (ما زالت أكلةُ خيْبر تُعادّني) أي تُعاودني، ومن عادّ خصومه فقد قاومهم في الحرب. وإذا عادّ الأولاد الإرث، إنّا تقاسموه فيما بينهم بالتّساوي، وكلٌّ حسب حقّه الشرعيّ المفروض.

وفي دول العالم عامّة صارت الحماية الجُمركيّة للمحافظة على الإنتاج الصناعي والتّجاريّ، وفرض ضرائب على المُستوردات، لتُشكّل هذه الرّسوم الجُمركيّة من عوائد الدّخل للميزانيّات، لعمل توازن ما بين الاستيراد والتّصدير.

والعائدات مصدر دخل ما يعود بالنّفع على المصلحة العامّة، ومن عادت له الحياة فقد بُعث من جديد، وجًدّد الاهتمام به، ومن لم يعُد باستطاعته السّيْر: لم يبق، وعاد إلى وعيه صحا، ومن عاد إلى رشده صحا، وإذا عاد الأمر إلى نصابه يكون قد تولّاه من يُحسن التّدبير، أو رجع الحقّ إلى أهله، وعاد القهقرى تراجع، ومن رجع عاد بالذّاكرة إلى الوراء، الآية الكريمة: (لو رُدّوا لعادوا لما نُهُوا عنه)، ومن عادَ أَدْرَاجَهُ: رَجَعَ، وَلَّى مِنْ حَيْثُ أَتَى.

جرت العادة على كذا: درجت العادة على كذا، وصارت من المعتاد والمألوف، وسفير فوق العادة: دُبلوماسيٌّ له أكثر من صلاحيّات السّفير غير المُعتادة، ومن كان على عادته حسبما تعوّد، وفَطَمَهُ من العادة قطعه عنها، والعادة الشّهريّة حيضُ المرأة، والعادة السّرّية هي ما يُعرف (بِجَلْدِ عُمَيْرة)، أي الاستمناء باليدّ.

أختمُ مُلفّقتي بمثل عربيّ قديم شهير (عادت حليمة إلى عادتها القديمة) ما زالت الألسنة تتداوله إلى هذا الوقت، ويُضرب للشخص الذي يعود إلى عمل بعد أن قرّر التوقّف عنه.

وفي الرّجوع إلى هامش (كتاب ثمرات الأوراق- لابن حجّة الحمويّ) للتعرّف على القصّة الحقيقية لهذا المثل، فقد ورد فيه أنّ: [حليمة هذه هي حليمة الزناريّة، بغيٌّ عاشت في قاهرة المُعزّ إبّان العصر الأيّوبيّ، وكان الجند والفلّاحين وصغار الكَسَبة، يأتونها للفاحشة، ثمّ تاب الله عليها، فلبست الصّوف، وتسلّحت بمِسْبَحة أمّ تسع وتسعين حبّة، من أجل الوِرْدِ والأذكار بين قيام اللّيل ونوافل النّهار، بعد أن كسرت الطّنبور والبُربُط وآلة النبيذ.

ويبدو أن توبة حليمة وتقاها لم يدوما طويلاً، ففي أحد أيّام الرّبيع الجميلة تحرّك عِرْقُ الدِّمَن في تلك الخضراء، فتجمّرت، وتعطّرت وتبخّرت، ولبست أفخر ثيابها، ثم أسفَرَت، لتعود للجلوس إلى شِلّة جلد عميرة، كما كانت تفعل أيّام عِزّها، فقال النّاس: رجعت حليمه لعادتها القديمة].

وقيل إنّه قيل عن حليمة زوجة حاتم الطّائي، وكان يُعرف عنها البّخل، وهو ما لا يتّفق مع سيرة زوجها، الذي حاول مرارًا أن يُعلّمها، لكنّها كانت تعود لطبع البخل المتأصّل فيها.

والعودة إلى الله غاية لا بدّ منها في النّهاية لكلّ شخص مهما تاهت الدّروب به، لراحة القلب والضّمير، غالبًا ما يأتي عند الغالبيّة في نهاية مسيرهم، ليلقوا الله بقلب سليم.

*محمد فتحي المقداد - مساهمة لـ"زمان الوصل"
(26)    هل أعجبتك المقالة (27)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي