أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

هكذا عاد "غريشام" إلى شمال غرب سوريا

هل تلعب الليرة السورية دور العملة الرديئة وتطرد الليرة التركية؟

إن أحد العوامل الهامة إلى جانب العديد من العوامل الأخرى التي ساعدت النظام السوري على الاستمرار، على الرغم من مرور ما يقرب من عقد من الزمن من الثورة وتحولها إلى حرب أهلية وتدخل دولي، هو فساد مؤسسات المعارضة السورية، الموجودة في المهاجر أو على الأرض في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وعدم قدرتها على طرح بديل بأداء أفضل يساعد على التفاف عامة الناس حولها أو اجتذاب الدعم الدولي.

بل إن ذلك الفساد تحول إلى وسيلة لتلميع صورة النظام في أعين الجميع. ومؤخرا قررت السلطات الموجودة في شمال غرب سوريا إحلال الليرة التركية محل الليرة السورية نظرا للتدهور المتسارع لقيمة هذه الأخيرة بسبب التدهور الاقتصادي على مدى سنوات الأزمة والعقوبات المفروضة على سوريا.

وكانت المبادرة كما قيل تهدف إلى حماية الناس من نتائج تقلب قيمة الليرة وتضخم الأسعار.

هل يمكن أن تتحول عملية الاستبدال إلى فرصة لدعم الليرة السورية وتوفير قطع اجنبي للنظام بدلا من التخلص من الليرة السورية والضغط على النظام اقتصاديا؟.

تتواتر الأخبار بأن الليرة السورية تراجعت في التداول قليلا في بداية عملية الاستبدال، وبعدها عادت بقوة لعملية التداول. وهذا يطرح سؤال ما الذي حدث؟ هل عادة قانون "غريشام" إلى الحياة؟

ينص قانون "غريشام" أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، هل تلعب الليرة السورية دور العملة الرديئة وتطرد الليرة التركية في دور العملة الجيدة من التداول؟ أم أن هناك أمور أخرى تحدث؟.

تعود تسمية قانون "غريشام" إلى الاقتصادي الاسكتلندي "هنري دونينج ماكلويد" (1821-1902) في عام 1860، الذي نسب القانون للسير توماس غريشام (1519-1579)، وهو تاجر وممول إنجليزي عمل كمستشار مالي للملوك البريطانيين إدوارد السادس وماري الأول وإليزابيث الأولى.

وقد أشار "غريشام" إلى القانون في رسالة كتبها إلى اليزابيث بين فيه كيفية عمله.

خلاصة القانون أنه عندما تكون هناك عملتان بقيمة اسمية رسمية موحدة لكن أحدهما قيمتها الحقيقية أقل من الاسمية (رديئة) والثانية قيمتها الحقيقية أعلى من الاسمية (جيدة) فإن الأولى ستطرد الثانية من السوق. وتفسير ذلك أنه في عصر غريشام كان العملات معدنية ومسكوكة بمحتويات معينة من المعادن الثمينة وبأكثر من نسخة. وبعض الملوك ولكي لا يفرضوا ضرائب جديدة قاموا بسك نسخ جديدة من العملة تعادل العملة القديمة من حيث القيمة الاسمية لكن بمحتوي أقل من المعدن الثمين.

وعادة ما يكتشف المتعاملون هذه المسألة، وباعتبار أن العملة تستمد قيمتها الأساسية من المحتوى من المعدن الثمين ومع تساوي القيمة الاسمية، فإنهم وبشكل طبيعي يدفعون قيمة مشترياتهم بذات المحتوى الأقل، ويحتفظون بذات المحتوى الأكبر في الخزائن أو يسيلونها للاستفادة من المحتوى المعدني. نتيجة ذلك مع الزمن اختفت النسخ القديمة الجيدة (ذات المحتوى الأكبر من المعدن الثمين) وبقيت النسخ الجديدة الرديئة (ذات المحتوى الأقل من المعدن الثمين) في التداول.

الشروط الأساسية لعمل قانون غريشام هي وجود عملتين معدنيتين في نفس التوقيت في التداول وأن تكون العملتان مقبولتين كوسيط للتداول وأن تكونا معتمدتين رسميا كعملة (كمبريء قانوني) وبقيمة اسمية معينة. لكن مع اختفاء النقود المعدنية وحلول النقود الورقية محلها اختفى قانون غريشام. بل إنه مع زيادة الانفتاح الاقتصادي والعولمة أصبح القانون يعمل بالعكس بحيث أنه في بعض الدول التي تعاني من تدهور شديد في قيمة عملتها تحدث عمليات لإحلال عملات اجنبية قوية محلها. في العديد من الدول حيث تم الهرب من العملة المحلية إلى استخدام الدولار وأصبحت هناك ظاهرة تسمى "الدولرة".

بحسب الصيغة الجديدة (العكسية، العملية الجيدة تطرد العملة الرديئة) من قانون غريشام المتوقع أن تكون عملية الإحلال تلقائية وتحدث بالأساس بدون تدخلات رسمية، بل إن تدخل الحكومة المصدرة للعملة المحلية غالبا ما يكون بغرض قمعها. و قد حدثت فعلا بشكل عمليات دولرة (أو عملات أخرى) جزئية وبدرجة كبيرة في مجمل سوريا عموما وفي شمال سوريا خصوصا. وأتي التدخل سلطات الشمال الغربي لكي يسرع العملية أكثر ويسهلها كمان أعلن.

لكن ما حدث في الواقع هو أن ذلك التدخل لم يأتِ بالنتائج المطلوبة بل تبدو النتائج الأولية عكسية. وهو ما قد يبرر القول بعودة قانون غريشام في نسخته الأصلية (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة).

هناك العديد من الأسباب التي يمكن أن تفسر ما حدث، لكنها كلها تصب في خانة مسألة الاهمية الحاسمة للمصداقية في أي عمل أو مبادرة في المجال النقدي. باعتبار النقد في العصر الحديث هو بالأساس ورقي ليس له قيمة بحد ذاته بل يستمد قيمته من المصداقية السياسية والقوة الاقتصادية للجهة المصدرة. لكن في حالة الشمال السوري ليس هناك نقد جديد مصدر لكي نبحث في مصداقية الجهة المصدرة بل هو نقد أجنبي. يبقى أمامنا أن نطرح الاحتمالات التالية، مع الإشارة إلى أن تلك الاحتمالات قد تكون لعبت الدور سوية:
أولا، إن العملة التي طرحت كبديل لليرة السورية لا تتمتع بالاستقرار الكافي، ومن ثم المصداقية الكافية، بحيث تحسم الكفة لمصلحتها تماما في السوق السورية. و هذا الاحتمال مبررا باعتبار أن الليرة التركية قد شهدت مؤخرا بالكثير من التقلبات، وهذا يخفف من مصداقيتها وقوتها كبديل كامل لليرة السورية. ربما كان من الافضل لمن تبنوا الاستبدال بشكل رسمي اختيار عملة أخرى، دولار أو يورو رغم الصعوبات الفنية واللوجستية.

ثانيا، ضعف المصداقية السياسية للجهة، أو الجهات، التي تبنت عملية الاستبدال. وهذا الاحتمال مبرر أيضا نظرا لغياب المرجعية الموحدة للقرار السياسي والإداري لتلك الجهات والنزاعات المميتة على الأرض بين رموز سلطتها وفسادها الإداري والمالي. ومن ثم هي في حالة لا تبث إلا الشك بأي إجراء نقدي تتخذه.

ثالثا، إن النقود بالمعنى العام قسمان: العملة الورقية والمعدنية وهي القسم الأصغر,،والنقود الائتمانية (الودائع المصرفية وبعض المشتقات المالية الأخرى) وهي القسم الأكبر من النقود. وجود هذا القسم الأخير يعتمد على وجود البنية المصرفية وهي غير موجودة في الشمال السوري. لذلك هناك حاجة إلى كميات ضخمة من العملة المعدنية والورقية لتلبية حاجة التعامل. وهنا لعب عدم توفر العملة البديلة بالوحدات والكميات الكافية جعل الناس يتخلون عن التداول بها ويعودون للعملة الأصلية.

رابعا، النقود بالأساس أداة لتسهيل التعاملات الاقتصادية. وهذا يعتمد على الثقة والملائمة. والملائمة تعني توفر العملة بالكميات والوحدات المناسبة. كان يفترض في مثل هذه الحالة أن تفتح الجهة المتبنية للعملية مكاتب لتوفير العملة (لنقل مكاتب صرافة) في كل التجمعات السكانية الكبيرة. تقوم هذه المكاتب بتوفير العملة بالكميات والوحدات المناسبة وبشكل دائم وبأسعار معلنة. لكن ذلك لم يحدث.

خامسا، باعتبار أن هناك ازدواج تسعير بمعنى التسعير بعمليتن فإنه من الطبيعي , نظرا للعوامل النقدية من حيث وفرة العملة الاصلية والثقافية من حيث التعود عليها، أن يميل الكثير من الناس للتعامل بالعملة الأصلية وليست البديلة.

سادسا، الوجود القوي والمؤثر (وربما الموحد) لبارونات اقتصاد الحرب في كل مناطق سوريا وتبادلهم الوثيق للمصالح يمكن أن يكون عنصر عرقلة للاستبدال, طبعا إن أخذنا في الاعتبار ضعف السيطرة على خطوط الفصل والتهريب المتبادل. بالإضافة لذلك هناك أرباح كبيرة يمكن أن تحققها الجهات المتحكمة بعمليات الصرف من الصرف المتكرر للعملات بحيث قد يضطر المواطن لدفع عمولات الصرف عدة مرات خلال التصرف بدخله.

وفي النهاية هل عاد قانون غريشام.....على ما يبدو أن لدينا نسخة ثالثة من قانون غريشام هي النسخة السورية أو نسخة الدولرة العكسية: العملة الرديئة يمكن أن تطرد العملة الجيدة إن أعلنتها سلطة رديئة عنها مبرئا قانونيا (العملة الرسمية). أو أن الدولرة تتحول إلى دولرة عكسية إن تبنتها سلطة فاسدة.

وربما كانت حقيقة ما يحدث على الأرض أن عملية الاستبدال قد ولدت ردة فعل عكسية للناس من حيث التمسك بالليرة السورية، وهو ما يعزز قيمتها (وربما كان ارتفاع قيمة الليرة السورية في إدلب أكثر من المناطق الأخرى على عكس الفترة السابقة للاستبدال دالا هنا).

ونتيجة ذلك في العمق النقدي فإن العملة الأجنبية التي تضخ في السوق ستنتهي في جيوب النظام، فكل عمليات تحويل للعملة الأجنبية إلى العملة المحلية يعني الخطوة الأولى في مسيرة تلك العملة الأجنبية باتجاه مخازن النظام.

د. مسلم عبد طالاس- كلية الاقتصاد- جامعة ماردين
(32)    هل أعجبتك المقالة (17)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي