أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عصابات الخطف كحلّ أمنيّ (2)... ماهر شرف الدين*

الحفرة التي خلَّفها التفجير الذي أودى بحياة الشيخ وحيد البلعوس سنة 2015.


كان أهالي السويداء قد بدأوا يمنعون أبناءَهم من الالتحاق بالخدمة العسكرية، ولكن من دون أن يستطيعوا حمايتهم من الاعتقال. وكانت أسماء بعض المعتقلين الذين قُتِلوا تحت التعذيب قد بدأت تتسرَّب، ولكن بجرعاتٍ قليلة ومتباعدة لا تكفي لخلق ردّ فعل شعبيّ انتقاميّ.

"النظرية" الشعبية لدى عموم أهل الجبل كانت "الحياد"، قدر الإمكان، باعتبار ما يجري في سوريا "صراعاً بين الطوائف". لكنَّ ما افتقدته فكرة الحياد تلك، لكي تتحوَّل إلى موقف صلب، ومفهوم لدى السوريين الذين ينتظرون من السويداء أن تحسم خيارها، هو وجود الحامل السياسي لها، والأهمّ وجود الحامل العسكري.

الحامل السياسي تمَّ تعويض غيابه – في ظلّ الفشل المستحكم في محاولات بناء أي تيَّار أو أي حزب سياسي جدّي يمثّل الجبل – بنشاطٍ إعلاميٍّ محمومٍ من قبل إعلاميي السويداء وناشطيها المعارضين لشرح الموقف العام للجبل، وأحياناً تقديم المبرّرات له.

أمَّا الحامل العسكري فقد أمَّنه ظهورُ الحركة المسلَّحة التي أسَّسها وقادها الشيخ وحيد البلعوس.

لقد صنع الشيخ البلعوس، منذ ظهوره، فارقاً جوهرياً في المشهد برمَّته حين أعلن حمايته لكلّ شابّ يرفض الالتحاق بالجيش، لأنه بذلك حوَّل فكرة الحياد من مجرَّد وجهة نظرٍ مدعومة برغبة عامَّة إلى موقفٍ عموميّ يحميه سلاحٌ أهليٌّ خفيفٌ، ولكنْ خطير جداً بالنسبة إلى النظام لأنه، ببساطةٍ، سلاحٌ لا تمكن مواجهته بالصواريخ والبراميل.

وإذا سُمِحَ لي بأن أُدليَ بشهادةٍ شخصيةٍ تخصُّ تلك المرحلة أقول بأنَّ الشيخ البلعوس كان حريصاً جداً على ألا يتمّ تقديم حركته، إعلامياً، باعتبارها "فصيلاً ثورياً" ضمن نسق الثورة السورية، بل كحركةٍ أهليةٍ تعارض النظام ضمن حدود السياسة وبما يحمي موقف "الحياد" الذي تبنَّاه أهل الجبل. وهذه النقطة تحديداً أولاها البلعوس أهميةً كبرى لإدراكه الشديد بأنها تشكِّل الأرض النظرية الصلبة التي يقف عليها هو وحركته.

محاولة النظام استخدام مشيخة العقل ضدَّ البلعوس أتت بمفاعيل عكسية، حيث أدَّت إلى التفاف شعبيّ أكبر حوله. فبينما كانت وسائل إعلام النظام تُذيع بياناً لمشيخة عقل الموحّدين الدروز في سوريا، يحمل أختام المشايخ الثلاثة، ويقضي بـ"توجيه البعد الديني إلى وحيد البلعوس وأتباعه"، كان الأخير يقوم بتقديم الرصاص لضيوفه -بدل الحلويات- كأسلوبٍ رمزيٍّ لبعث روح المواجهة في نفوس الناس.

ومثل ذلك كان مصير محاولة النظام اتهام الرجل بالعمالة لإسرائيل، مستغلَّاً – أي النظام - تصريح البلعوس بأنَّ سلاحه قد اشتراه بالمال الذي وصله من دروز الجليل الأعلى في فلسطين.

كانت أعداد الشبَّان الدروز الرافضين للخدمة العسكرية قد تجاوزت الأربعين ألفاً، وكان الشيخ يطوف على القرى والبلدات كاسباً الآلاف من الأتباع والمؤيّدين لحركته.

وهكذا تحوَّلت السويداء، بالنسبة إلى النظام، من خزَّان بشري يأمل بأن يمتلك مفاتيحه لضخّ عشرات آلاف الشبَّان المقاتلين في جيشه المتهالك، إلى بؤرة متفاقمة أربكت المشهد السوري الذي دأب على تصديره، عالمياً، باعتباره حرب وجود لحماية الأقلّيات في سوريا.

ولم يكد شهر أيلول من سنة 2015 يخطو أيَّامه الأُولى، حتى اغتال نظام الأسد الشيخ وحيد البلعوس وعشرات من رفاقه في عملية اغتيال مُحكمة جاءت على شكل تفجيرَيْن كبيرَيْن متتاليَيْن: تفجير أوَّل على الطريق الذي كان يسلكه الشيخ ورفاقه يومذاك، ثمَّ تفجير ثانٍ في "المستشفى الوطني" لضمان عدم نجاتهم بعد إسعافهم إلى المستشفى.

لقد كانت أكبر عملية اغتيال سياسي في تاريخ المحافظة الجنوبية، وقد أنهت أوَّل محاولة جدّية لبناء زعامة شعبية في جبل الدروز منذ وفاة سلطان الأطرش، وكذلك أنهت المرحلة القديمة في السويداء، لتفتتح مرحلةً جديدةً أكثر تعقيداً.
(يتبع)

*شاعر وكاتب سوري
(44)    هل أعجبتك المقالة (34)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي