أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عصابات الخطف كحلّ أمنيّ (1)... ماهر شرف الدين*

تمثال حافظ الأسد بعد تحطيمه في السويداء

"الحلّ الأمني" الذي اعتمده نظام الأسد في مختلف المناطق السورية بعد اندلاع الثورة، كانت حصَّة السويداء منه فريدةً من حيث الأسلوب: عصابات الخطف.

وبينما كان الحلّ الأمني صريحاً في وحشيته ضدّ المناطق الثائرة (تدمير الحواضر، تهجير السكان، تغيير الديموغرافيا...)، جاء في السويداء – غير الثائرة ولكنْ غير الموالية في الوقت ذاته - التفافياً وغير مباشر ومن الأبواب الخلفية.

فرادة الأسلوب الشرير هذا، فرضتها فرادة موقع السويداء في المعادلة الطائفية التي بنى عليها النظام حساباته.

فالسويداء، كمنطقة أقلّيات، لا يمكن إعادتها إلى الحظيرة بالطريقة العنفيَّة المباشرة ذاتها التي تمَّ بها إعادة بقية المناطق. بمعنى أنَّ العنف المباشر ضدّ منطقة أقلّيات سيُقوِّض النظرية الأيديولوجية الأساسية التي اتَّخذها النظام "غطاءً شرعياً" له في معركته: حماية الأقلّيات.

***

مع الاعتصام الأوَّل الذي نفَّذه محامو السويداء بتاريخ 28 آذار 2011، تضامناً مع جيرانهم في درعا، ومن ثمَّ المظاهرات الأُولى التي حشدت حوالى 600 متظاهر، تكشَّف جلياً اختلاف التعامل الأمني مع ملفّ السويداء.

ففي الوقت الذي لم تُطلَق فيه أيُّ رصاصة ضدّ أي متظاهر في هذه المحافظة، مع الاكتفاء بإفلات بعض الشبّيحة الأمنيين لمضايقة المتظاهرين، كان الرصاص ينهمر، بوضعية "الرشّ"، من بنادق العناصر الأمنية ضدّ المتظاهرين في درعا.

هذا التعامل "المتسامح" مع معارضي السويداء، لم يؤثّر فقط في تقليل زخم التظاهرات الأولى وتقليل فرصتها في التحوُّل إلى حراك حقيقي، بل إنه أيضاً أعاد إنتاج صورة النظام، بشكل مصلحيّ، في عقول شريحة غير قليلة من الرماديين السُّذَّج الذين حسبوا في استمرار النظام استمراراً لأمنهم (الطائفي).

ولم يعد يخفى على أحدٍ الجهد الكبير الذي أظهره النظام لاستعراض هذا التغيُّر المفاجئ تجاه أهل السويداء، والذين سبق أن ارتكب بهم مذبحةً سنة 2000 م، ذهبَ ضحيتها عشرات القتلى ومئات الجرحى والمعتقلين.

صارت حواجز النظام على طريق دمشق – السويداء تتفنَّن في تقديم هذا الاستعراض، حتى أن عناصر تلك الحواجز راحوا يُكرّرون على مسامع الركَّاب، أثناء تفتيش السيَّارات، جملةً واحدةً تقريباً مع تغيير بسيط في اسم المزروع: "سنفلح لكم درعا لكي تزرعوا فيها هذا البصل" (في حال وجدوا كيس بصل في السيَّارة، وإذا وجدوا بطاطا بدَّلوا الكلمة، وهكذا).

وقد بلغ هذا الاستعراض أوجَهُ في حديث بعض رموز النظام وقادته الأمنيين مع مشايخ ووجهاء من الجبل، في أواخر 2011، عن أنَّ "ما كان لدرعا سيكون لكم" (المقصود الامتيازات الكبيرة التي كانت تحظى بها محافظة درعا)، كنوع من الرشوة لكي يتخذ الجبل موقفاً شعبياً قوياً داعماً للنظام.

***

حتَّى ذلك الحين لم يكن قد تبلور موقف حاسم وواضح للسويداء، التي تمثَّل الموقف المركزي لدروز سوريا المنتشرين في محافظات دمشق وريفها والقنيطرة وإدلب.

ففي مقابل كتلتَيْن صغيرتَيْن نسبياً، للمعارضة والموالاة، كان ثمَّة كتلة كبرى من الحائرين غير المطمئنين للحراك الثوري، خصوصاً بعد الفيديو المبكر والشهير للشيخ السلفي عبد السلام الخليلي والذي شتم فيه الدروز كطائفةٍ وتناول نساءَهم بالإساءة على الملأ وفي أحد المساجد في حوران (اشتُبه آنذاك بوجود صلات مخابراتية قوية للخليلي). ولكنهم في المقابل، يعرفون أيضاً، وجيّداً، تاريخ النظام الأسود مع محافظتهم التي عمل على تفريغها من الشباب من خلال سياسة إفقار لا مثيل لها في أي محافظة سوريَّة، تسبَّبت بهجرةٍ محمومةٍ سجَّلتْ نسبةً غير مسبوقة قاربت ثلث عدد سكَّان المحافظة (إلى فنزويلا في الدرجة الأولى، مع دول أُخرى في قارة أميركا الجنوبية، ثمَّ دول الخليج وأوروبا وأميركا وكندا وأُستراليا، وحتى بعض الدول الإفريقية...).

كما أنَّ هؤلاء يعرفون، أيضاً، تاريخ النظام الأسود مع طائفتهم التي قام بتصفية حضورها السابق، والوازن، في مختلف المؤسَّسات، وخصوصاً في المؤسَّسة العسكرية التي كان الضبَّاط الدروز قد تسنَّموا فيها أعلى الرتب والمراتب، بما في ذلك قيادة الجيش ورئاسة الأركان، ناهيك عن تقلُّدهم منصب وزارة الدفاع لخمس مرَّات، قبل أن يقوم الثنائي (العلوي) صلاح جديد – حافظ الأسد بإنهاء ذلك الحضور بالضربة القاضية، من خلال تسريح مئات الضبَّاط الدروز دفعةً واحدة سنة 1966، ومن ثمَّ إعدام سليم حاطوم بطريقة وحشية قصدت بثّ الرعب في نفوس الدروز الذين كانوا ما زالوا يفكّرون باستعادة مكانتهم في الجيش.

***

الوثبة التي أنجزها صعودُ الشيخ وحيد البلعوس، وحركته المسلَّحة، كانت وبالاً على خطَّة النظام الذي كان ما يزال يأمل بجرّ الدروز إلى صفّه.

(يتبع)

*شاعر وكاتب سوري - من كتاب "زمان الوصل"
(41)    هل أعجبتك المقالة (28)

محمد بن قايد

2020-04-10

موقف الدروز حياد الايجابي.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي