أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الأوبئة الحقَّة والانقراض الحضاري... ماهر شرف الدين*

كاريكاتور للفنان مؤيد حسين

ككلّ شعوب الأرض، تنشغل الشعوب العربية بأخبار الأوبئة البيولوجية. تنشغل بأخبار الأوبئة التي مهما امتدَّ بها العمرُ سيُقاس بالشهور، لا بالعقود والقرون. تنشغل بالأوبئة الزائلة لتغفل عن الأوبئة المقيمة.

إنَّ مقارنة وباء موسميّ ابتُليَ به العالم، كفايروس "كورونا" الحالي، بوباء حقيقيّ ابتُليتْ به أُمَّتنا، يجعل من الأوَّل مجرَّد غيمةَ صيفٍ.
وإنَّ أضعاف أضعاف هذا الوباء البيولوجي الذي حجرَ على الناس في البيوت لأسابيع، ليس بوسعه أن يفعل ما فعلته بقيَّة الأوبئة التي حجرتْ علينا في الكهوف لقرون.

فالإبادة العَدَدية التي يتسبَّب بها وباء "كورونا" اليوم في بعض المناطق والدول، تكاد أن تكون لا شيء أمام الإبادة الحضارية التي تسبَّبت بها أوبئتنا الراسخة في بلادنا المتهالكة:

وباء التمسُّك بالاستبداد كخيار سياسيّ إنقاذيّ،
وباء فهم التكفير الديني كشكلٍ من أشكال الحرّية،
وباء تقبُّل الفساد كصيغة اجتماعية،
وباء شيطنة المصطلحات الضرورية لقيام الدول الحديثة،
وباء اعتبار الصيغة الحرفيَّة للماضي طريقاً أوحدَ لبلوغ المستقبل،
وباء انتصار النقل على العقل،
وباء رفض الحداثة باعتبارها غزواً حضارياً،
... إلى آخره..

فأيُّ وباءٍ يستحقُّ تسميته بعد هذه الأوبئة كلّها؟!

لقد وصلت مساهمتنا الحضارية، كعربٍ، في العصور الحديثة إلى الدرجة صفر. أي إلى النقطة التي وجب علينا عندها تسريح الماضي السجين في عقولنا، وتسريح أطراف عباءات أجدادنا من أيدينا للالتفات إلى صنع عباءتنا بأنفسنا.

فحتى في أزمة الوباء الحالي، يكاد لا يوجد شخصٌ عاقلٌ على وجه البسيطة يرنو ببصره نحونا راجياً مساهمتنا في إيجاد لقاح أو دواء.
فلسنا في نظر غيرنا من الشعوب سوى تجمُّعات بشرية كبيرة محكومة بمفهومَي الاستهلاك والاستبداد.

والحقَّ أنَّ تعريف "الانقراض" لا يجب أن يتوقَّف عند المنطق العَدَدي للأشياء، لأنه يمكن أن يتمَّ على المستوى الحضاري. فهذا "الانقراض الحضاري" في وسعه الحدوث مع وجود أعداد هائلة من الناس، تتجاوز الثلاثمئة مليون إنسان، كما هو حاصلٌ مع أُمَّتنا بالذات.

وفي هذه الحال يغدو الوباء البيولوجي الناتج عن أكل الخفافيش، أهون بما لا يُقاس من الوباء الحضاري الناتج عن العيش في كهوفٍ تحكمها تلك الخفافيش.

*شاعر وكاتب سوري
(25)    هل أعجبتك المقالة (24)

Ibrahim

2020-04-01

درر.


فراس

2020-04-01

كنت أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي مع الأسف.


التعليقات (2)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي