أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عن "القادة" و"الفضائل الوطنية".. ماهر شرف الدين*

تحت شعار "الواقعية السياسية" غيَّرت الحرباءُ لونها مئة مرَّة

في 14 آب 1793، ردَّ روبسبيير على فكرة التعبئة الجماهيرية وتسليح الشعب لحماية الثورة الفرنسية التي كانت في قلب العاصفة، حيث الغزو الخارجي قد بدأ بتحالف دول الحكم الملكي في أوروبا، وحيث الثورة المضادَّة بدأت تكتسح في مناطق عديدة في فرنسا: "نحن لا ينقصنا الرجال إنما تنقصنا الفضائل الوطنية في جنرالاتنا".
***
والحقّ أننا إذا أردنا إسقاط هذه الشذرة التاريخية على واقعنا الحالي، نستطيع القول بأن الثورة السورية لم ينقصها الرجال يوماً، بقدر ما نقصتها "الفضائل الوطنية" في أغلب الذين تصدّوا لمهمَّة القيادة فيها.

فقد قدَّمت الثورة السورية من الرجال ما لم تتَّسع القبورُ لاحتضان جثامينهم. وقدَّمت من الرجال ما قدَّمته الأمَّهات للأبناء.

لكنها مع ذلك، بل وبعد كلّ ذلك، عجزت عن تقديم قادة حقيقيين يأخذون على عاتقهم حمل هذه الأمانة الكبيرة، من الدماء والأحلام ومستقبل القادم من الأجيال.

لقد ابتُليتْ الثورة في سوريا بـ"قيادةٍ" ارتجلتْها مصالحُ الدول المتدخّلة، لا مصلحة الشعب الثائر لاستعادة حقوقه وصوته. وكلّ مجلسٍ أو ائتلافٍ أو هيئةٍ تمَّ تشكيلها لم تكن أكثر من مرايا عاكسةٍ لنفوذ تلك الدول. حتى صحَّ أن نُسمّيَ ما أُنتِجَ من مؤسَّساتٍ للمعارضة بـ"برلمان مصالح الدول في سوريا".

الأكثر انحناءً كان الأكثر قبولاً لدى السفراء الحاكمين. والأكثر تلوُّناً مع سياسة الدولة التي يقيم فيها، أو يتواصل معها، كان صاحب الفرصة الأكبر لتصدُّر المشهد. 

صار لكلّ دولةٍ ممثّلها (قُلْ: "ممثّلوها") في مؤسَّسات المعارضة، والحصَّة الأصغر من التمثيل كانت – ويا للمفارقة – من نصيب الشعب السوري الذي ادَّعت تلك المؤسَّسات تمثيله. وقد تقلَّصت تلك الحصَّة، يوماً بعد آخر، وتشكيلاً تلوَ تشكيلٍ، حتى قاربت المرحلة الصفرية في الفترة الأخيرة.

وتحت شعار "الواقعية السياسية" غيَّرت الحرباءُ لونها مئة مرَّة تماشياً مع مصلحة الدولة التي تعمل بإمرتها وتتقاضى الرواتب والأُعطيات منها. وأثناء ذلك تمَّ إفساد المشهد السياسي الثوري برمَّته عبر هؤلاء الأُجَراء الذين امتلأت جيوبهم بالمال لشراء الذمم. وقد طاولَ هذا الإفساد الممنهج مختلف القطاعات الثورية؛ العسكرية والإعلامية والإغاثية... إلى آخره..

وحتى الذين أنهت الدول خدماتهم – بعد ضمور توجُّهها المصلحيّ في سوريا – أصرّوا على البقاء في المشهد بأيّ ثمن، ولم يدَّخروا أسلوباً إلا واستعملوه لأجل ذلك. حتى وصل الحال بأحدهم أن قال جهاراً نهاراً، على محطَّة تلفزيونية شهيرة، بأنه يرفض الاستقالة لأنه إذا استقال سيجلس في البيت وسيأتون بشخصٍ غيره ليأخذ منصبه!

إنَّ الخطأ الكبير الذي اقتُرف في بداية الثورة هو أنَّ النخبة السورية المعارِضة لم تقم، آنذاك، بأخذ زمام المبادرة عبر التنسيق بين مختلف أجنحتها. كان يمكن للتواصل الجدّي بين النخبة السياسية المعارضة والنخبة الاقتصادية المعارضة أن يتكفَّل ببلورة المؤسَّسة الوطنية المرجوَّة، الجامعة والمستقلَّة عن أجندات الدول. فقد كان لدى الثورة منذ انطلاقها مجموعة وازنة من رجال الأعمال الذين يستطيعون ضمان استقلال العمل السياسي المعارض عبر تأمين مصاريف المؤتمرات والتجمُّعات السياسية ورواتب الشخصيات القيادية بما يكفل استقلاليتها وتفرُّغها التامّ للعمل الثوري.

إنَّ تلك الفرصة الضائعة لم تكن متاحةً إلى الأبد، ولو حدث أن اغتنمتها النخبة المعارِضة في بداية الثورة لما استطاعت الدول إتمام كلّ هذا التلاعب بمسار الثورة عبر تفصيل تشكيلةٍ من "معارَضات" غير وطنية وغير ثورية ولم تسمع يوماً بالفضائل الوطنية.

*شاعر وكاتب سوري - من كتاب "زمان الوصل"
(44)    هل أعجبتك المقالة (38)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي