أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

كفر المحللون والكتبة.. وإن اعتاشوا... عدنان عبد الرزاق*

ربما نتفق ومنذ البداية، أن عرض الظهور الإعلاني والكتابة، مقالات وآراء على نحو خاص، يفوق عشرات المرات، الطلب عليها.
وليس المقصود بالطلب، حاجة الوسائل الإعلامية أو حتى الدكاكين الممولة من دول أو منظمات دولية لغايات أو أدوار وظيفية محددة، فتلك مطاحن يومية.

ومنها -مواقع وتلفزات- مطاحن آنية، بمعنى أنها تحتاج لملء الفراغ واستمرار البث، أو تسويد الصفحات البيضاء بكلمات وجمل، وقد لا تعير انتباهاً واهتماماً، لفحوى ومضمون وغايات تلك المسوّدات.

إذ الغاية في معظم الأحايين، الاستمرار بالبث أو الصدور، وذلك من منظور الممول أو الموظفين القائمين على عمل المطاحن، فوز عظيم.
بل رمينا بالطلب، إلى لهاث القارئ أو الساعي إلى المعرفة، إلى تلك الوسائل طائعاً، ليكوّن ولو ملامح رأي أو يرفد معرفته بجديد، يقيه استمرار الحيرة والضياع، في زمن تاه فيه الحلماء.

وهنا، ربما ليستوي الطرح، لابد من ملاحظتين.

الأولى، أن ثمة كتابا ومقدمي برامج ومحللين، يتلقف طلاب المعرفة ما يقولون أو ينشرون، ولو تسمّروا أمام الكاميرا طيلة اليوم، أو خطوا عشرات المقالات والتحليلات كل أسبوع.

طبعاً إن فعلوا، إذ على الأرجح، لا يمكن لأي مهني، أن يجعل من الكتابة أو تقديم البرامج والتحليل والمواقف، شغلاَ يعتاش عليه، أو يقبل أن يزيد تشتت المتلقي والإيغال بضياعه والتغرير به.

ببساطة، لأنه يحترم نفسه ويحترم جمهوره ويعي أن مجد الكتابة أو حتى السبق، ليوم أو لحظة، في حين السقطة تبقى لصيقة سيرته طيلة الحياة.

أما الملحوظة الثانية، فهي ضرورة التفريق بين الأنواع الصحافية، ففي حين تصفعنا مئات المقالات، أو ما يمكن تسميتها مقالات مجازاً، لا نقرأ تحقيقاً كل شهر، أو تحليلاً مكتمل الشروط يضع القارئ في أبعاد القضية وما وصلت إليه وإلى أين يمكن أن تؤول أحداثها، مع ربط زماني ومكاني، بطريقة ولغة، بعيدتين عن الغائية والرغبوية وإطلاق الأحكام.

وأما لماذا تفشت ظاهرة، أو مرض سهولة استسهال الكتابة، على نحو أوصل جمهور وسائل التواصل الاجتماعي على سبيل المثال، إلى الطلب من الأصدقاء الافتراضيين بعدم إرسال روابط مقالات، تحت طائلة إلغاء الصداقة أو الحظر، أو تراجع مؤشرات التفاعل مع المواد المنشورة بالوسيلة إلى الحدود الصفرية، وذلك ليس خفياً على المشتغلين والقائمين عليها.

باعتقادنا، ثمة أسباب وكثيرة، منها أن الكتابة باتت مصدر رزق، بواقع تكاثر وكثرة الوسائل الإعلامية، خاصة بواقع سعي قطبيّ تمويل الإعلام بالخليج "قطر والسعودية" لزيادة عدد الوسائل الإعلامية ومحاولات استقطاب كل من له علاقة بالكتابة، أو ليس له علاقة، على مبدأ، كي لا أخسره ويكسبه المعسكر العدو.

ولأن اللقاء المالي، في بعض الوسائل الإعلامية خاصة، مرتفعاً، تفرّغ من له علاقة بالكتابة ومن ليس له علاقة، فترك المهندس منشأته والمحامي مرافعته، وسعوا مع سواهم من أصحاب المهن، برفقة النشطاء وصحافيي الغفلة، لحجز أماكنهم على خارطة صاحبة الجلالة، بزمن باتت دابة قصيرة يمتطيها من يشاء.

فأن يظهر محلل استراتيجي على شاشة لمدة خمسين ثانية أو دقيقة، ليقول ما يريد مما "غوغله" أو قرأه على وسائل التواصل، وهو في طريقه للاستوديو، ويتلقى مئة دولار، فهذا يغنيه عن الوقوف بسوق العمل والتعبير عن مهنيته، بواقع منافسة أعرج، أو هكذا يتعذر.
وأن يخط "كاتب" نحو 400 كلمة "مما قرأ وسمع وشاهد" على قول "ياسر العظمة"، ويتقاضى أجرها مئة دولار، فذاك أكثر عائدية وربحاً من العمل بأي مهنة، فضلاً عن الشهرة والتوصيف الجديد. إذ ما إن يكتب صاحبنا مقالة، ولو بوسيلة إعلامية مغمورة، حتى يعرّف بنفسه كاتب ومحلل، ويروج سوقه لدى القنوات الفضائية، فيبدأ بالتحليل والتحريم، بصرف النظر عمّا يلحق أبويه من شتم وسباب، ألم يقل عليه السلام "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ".

كما من الأسباب على ما نحسب، أن بعض القائمين على المنابر الإعلامية، إنما وصلوا، بالطريقة ذاتها التي وصل خلالها الكتاب، فهم أبعد ما يكونوا عن المهنية ومعاييرها، بل من السهولة البالغة تمرير كوارث عليهم، سواء بالمعلومة أو ببنية المادة، وجربوا إن شئتم، أن تغيروا عنوان وبعض كلمات بمادة منشورة لأي كاتب، وأرسلوها لهؤلاء الأساتذة، وسترونها باليوم التالي منشورة وربما بمكان بارز وحجم ونوع عنوان مميزيّن...وهذا ليس ضرباً من اتهام، بل حقيقة نراها يومياً، خاصة ما يتعلق بالخبر والتقرير الصحفي.

نهاية القول بقضية طويلة وموجعة، أمران: الأول، ثمة إحجام وانكفاء، من صحافيين وكتاب رائعين، لعنوا الصحافة ومهنة القلم، بعد انتشار الفطريات وفجور الممولين والدول الداعمة، فاختاروا، كما بعض الساسة، الانزواء، تاركين المجال بهذا الزمن الرديء، للهواة ومرضى الشهرة والساعين للعيش عبر التضليل، مكتفين بتاريخهم وشرف أنهم ليسوا أداة يستعملها صاحب المال بالتضليل والانزياح، حتى بتهديم أحلامهم وتطلعات الشعوب.

وأما الأمر الآخر، ففيه شيء من الذاتية وأتمنى المعذرة لذكره، إذ كنت وأصدقاء بنقاش حول هذه المشكلة، وكيف يؤثر الكتبة والمحللون على المتلقي، إن لجهة تشتيته أو تيئيسه أو حتى تشويه ذائقته، بل ويمدون وإن بغير دراية، المتربصين ومن يهمهم الأمر، بمبررات لأفعال كارثية ويقدمون الذريعة لجرائم وتدخلات، نراها اليوم وسنراها قريباً.

فانبرى أحد الأصدقاء بالقول: وهل أنت وصي على المهنة أو قاض لتحدد من يحلل أو لماذا يكتب..دع الناس تكتب وتقول يا أخي، نحن بزمن الحرية وتعدد الآراء والمتلقي يحكم ويقرر ويفرز..

قلت له وأعيد لكم، دعنا نتجاوز -رغم الأهمية البالغة- ضرورة التفريق بين أثر الفعل على الفاعل فقط أو أثره على من حوله ومصائرهم.
أكيد لست وصياً ولست من شيوخ الكار الذين يحددون من يدخل حمى هذه المهنة الراقية التي تتطلب القيمية والأخلاق، ربما كما تتطلب المهنية وأكثر. بل أشير أن ثمة شبابا، منهم من أتى من خلفية "ناشط" مطلع الثورة ومنهم الأكاديمي المتخصص، إنما فاقوا كل الأجيال السابقة، وأنا شخصياً، أقف أمامهم باستعداد وأطلب استشارتهم وأتعلم منهم يومياً.

كما ثمة أقلام غابت فيما مضى، منهم السجناء السياسيون، إنما يكتبون اليوم، بطرائق وأساليب ولغة ساحرة، ويؤرّخون التاريخ على نحو سردي بديع، لا يخلو من إسقاطات على الواقع ومؤشرات إلى ما يمكن أن يؤول إليه الحال.

ولكن -سألت صديقي- لماذا لا نرى ناشطا طبيا أو ناشطا هندسيا، في حين أعمى عيوننا النشطاء الإعلاميون والسياسيون، فإن كان أثر وتأثير الموقع أو المئة دولار، مرحليا ومؤقتا، فإن العقابيل كفر دائم سيسجله التاريخ وتدفع أثمانه الأجيال، ولكم بصنائع هؤلاء خلال مسيرة الثورة ومجريات الأرض، أدلة إن كنتم لا تعلمون.

*من كتاب "زمان الوصل"
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي