أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

التوحُّش المحض... ماهر شرف الدين*

يُقدّم الطيَّار مجد بركات (ريف القرداحة) نموذجاً فذَّاً للتوحُّش

من على متن طائرته الحربية، يقوم الطيَّار مجد بركات بعرض إعلان تجاري (بهارات وحبوب) قبيل قيامه بالقصف.

يُقدّم هذا الطيَّار، الذي ينحدر من ريف القرداحة مسقط رأس مؤسّس النظام، نموذجاً فذَّاً للتوحُّش.

إنه، عن سبق إصرار، يريد لقصف المدنيين أن يكون "نكتة مهضومة". يريد لقتل الناس أن يكون فكاهة لغيرهم. يريد لصرخات المذعورين على الأرض أن تتحوَّل إلى ضحكات للذين يشاهدون الفيديو الذي سجَّله بهاتفه النقَّال.

***

تأخذ المأساة منحىً آخر حين يُراد لها أن تكون ملهاةً. الجريمة كذلك تكفُّ عن كونها جريمةً عاديةً حين يُراد لها أن تكون منصَّةً لدعاية تجارية.

إنَّ التوحُّش في هذه الحالة يغدو توحُّشاً صافياً محضاً، بمعنى أنه لا يحتوي في مركَّباته على ما يُبرّره.

فالتوحُّش هاهنا ليس ردّ فعل. وأيضاً، ليس فيه عنصر الغضب لنقول إنه انتقام وثأر. كما أنه لا يستند إلى نظرية فاشية تقوم بدعمه وتبريره.
إنْ هوَ إلا توحُّشٌ بغرض التوحُّش.

فعلى سبيل المثال، كان الأمر سيبدو مختلفاً لو أنَّ ما حمله الطيَّار في يده وقام بتصويره كان صورة زميل له (أو صديق أو قريب) قد قُتِلَ، ويريد الطيَّار الثأر له ممن يعتبرهم مسؤولين عن مقتله. فالتوحُّش في هذه الحالة سيحمل في عناصره ما يُبرّره، أو بالأحرى ما يُفسّره.

وكان الأمر سيبدو مختلفاً لو أنَّ ما حمله الطيَّار في يده كان عَلَماً أو رمزاً يقاتل تحت لوائه، أو عبارة أيديولوجية متطرّفة، سياسية أو دينية على السواء، تُبيح قتل الذين أقلعت الطائرة لقصفهم.

لكنَّ أياً من تلك الافتراضات لم يكن موجوداً. وما كان موجوداً فقط هو التوحُّش المحض... أو التوحُّش الصافي إلى درجة أنك، ولشدَّة صفائه، تستطيع أن ترى من خلاله قعرَ الإنسان.

**معارض وكاتب سوري - من كتاب زمان الوصل
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي