أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

السينما بوصفها أداة حرب.. هل خانت الكاميرا طلال ديركي؟

مقالات وآراء | 2019-03-08 17:29:34
السينما بوصفها أداة حرب.. هل خانت الكاميرا طلال ديركي؟
   من فيلم "عن الآباء والأبناء"
فاديا أبو زيد - زمان الوصل

في أساس التمييز والتصنيف، تدخل كلمة (مصداقية) لتكون العلامة المميزة للفيلم الوثائقي. وهل إذا سقطت المصداقية، يسقط الفيلم؟


لم يخف المخرج طلال ديركي هدفه منذ البداية وهذا حقه الكامل، في أنه سيصور الجهادية السلفية في المناطق الساخنة في سوريا واختار: إدلب، ليجعلها لوكيشن قصته "الحقيقية". لكنه أيضا لم يخف بأنه كي يحقق ذلك ويصل إلى الجهاديين، ارتكب سلسلة كبيرة من "الكذب" والخداع، والاحتيال، بدأت قبل سنتين من تصوير الفيلم، حسب تصريحاته، في مقابلتين اعلن فيهما بشكل موارب: أنه مع السلفية الجهادية، كي يتم قبوله بينهم، وهو المعروف بأنه: كردي، وبأنه علماني، كونه يعمل في الفن، وهذه مطلقات ومسلمات لا يتم نقاشها عند السلفية الجهادية، سيما وأن تصديرهم إلينا في وسائل الإعلام كان بأن قوانينهم الدينية صارمة، ولديهم أدوات استخباراتية وجيوش الكترونية وعلاقات تجعل التواصل معهم من الصعوبة بمكان أن يكون كلام ديركي مقنعا لقوة الحيلة التي اشتغل عليها، وهو يقوم بدور السلفي المخلص الذي يريد تصوير، وتصدير معاناة هؤلاء في تصديهم للحرب الدائرة في سوريا ومواجهتهم لنيران التحالف وجيش النظام وتناحرهم مع جيوش "الثورة" الأخرى التي تحارب النظام السوري أيضا. ليبقى السؤال مطروحا:


كيف، ومع من تعامل ديركي كي يتم قبوله بين هؤلاء؟ وهل يشفع له هدفه السينمائي، بأن يستخدم كل ذلك الغدر مع أناس عاش معهم سنتين ونصف مدة تصوير الفيلم غير عابئ بتعريض هؤلاء للخطر بعد أن آمنوه على حياتهم وأدخلوه بيوتهم، وأطعموه من طعامهم، وحموه من أي اعتداء خارجي أو داخلي؟
تصرف ديركي يجعل ممن اعتبرهم مجرمين، ضحايا مباشرين له، فالحرب مازالت دائرة وهناك احتمالية كبيرة ان ينتصر النظام، فما مصير تلك العائلة ذات الثمان أفراد مع أمهاتهم وكل من ظهر في الفيلم؟
ديركي لم يتعامل مع السوريين إلا بوصفهم مواد أولية لنصر شخصي وكمواد سينمائية فقط، في هذه الحالة ما هو الفارق بين ديركي والنظام ومؤسسات السلفية التي تعاملت مع السوريين من ذات منطلق الاستثمار لأجندات خاصة؟


هذا ما سنجده في رد "أبو أسامة حسين حبوش"، قبل أن يموت بانفجار لغم يفككه، حين علق على أحد مقاطع اليوتيوب الخاصة بطلال هذا نصها، مع الأخطاء الاملائية والحقائق الغائبة، من حساب باسم Hany Bkor:


"انا مستعد أن أذهب إلى أي مكان بالدنيا لملاحقة هذا الكذاب قضائيا لست خائفا من احد فانا صاحب قضية بلد مدمر وعوائل مهجرة ورجال تقتل ماذا يريد أن يبيع حتى فعل هذه الافاعيل".


"سارفع دعوى قضائية الى القضاء الألماني ضد هذا الكذاب ارجو التواصل معي بسرعة فاولادي في خطر بسبب كذب ودجل هذا الكذاب وعندي شهود على كذبه ومستعد أن أذهب الى اي مكان في العالم لمحاكمة هذا التاجر فأنا لست للبيع ارجوك اوصل رسالتي القضاء الألماني فهذا الكذاب قد استشفته في بيتي فانا كنت أقوم بحمايته حتى ينقل معاناة بلد مدمر للعالم".


"للعلم معظم الفصائل كانت تعرف اسمه الحقيقي ومعه كتاب خطي منها بتيسير عمله أين ما توجه فلما الكذب والدجل يا أبا يوسف الست من أقسم بدماء الأطفال المقطعة أوصالهم بأنك ستنقل معاناتهم للعالم.


ويوجد أكثر من مئة شاهد على هذا الكلام من كافة الفصائل سوف أرفع عليك دعوى قضائية لمحاكمتك وأنت تعلم أنه عندما بترت رجلي كنت تساعد على نزع الألغام التي قطعت أطراف الأطفال في حرش اريحا".


"هذا الكذاب التافه كان هو من يشتري الملابس للأطفال لأجل التصوير وهو من كان يتحمل مصاريف أن يرسلهم الى أي معسكر كي يصور فانا لم اعمل لا مع جبهة النصرة ولا مع داعش كنت أعمل بمفردي لمساعدة المتضررين من الألغام التي زرعها أجداده المجوس وهو كان يدعي أنه يقوم بعمل إنساني ويحب مساعدة الناس وكان يذهب إلى كل الجبهات بدون اي مانع بل حتى تناديه الفصائل كلها وتؤمن له الحماية كي ينقل معاناة الناس وآلامهم كيف تقسم بانك ستنقل معاناة الناس ودخلت إلى البيوت مع الناس وتقول انك صورت في معاقل جبهة النصرة للعلم انا جاهز لمواجهة هذا الكذاب وعلى استعداد للمثول امام اي قضاء لكشف دجل وكذب هذا الدونكي شوت"..


هذه الشهادة إن صحت، سوف تعيد تقييم فيلم ديركي. فلم يكن وثائقيا حين ادخل المخرج عليه مشاهد درامية للمعسكر. وبعد شرائه البزات العسكرية للأولاد من أجل التصوير؟ وقد ظهرت الدراما في عدة أماكن يمكن للمشاهد أن يلحظها سأذكر منها مشهد أسامة وهو ذاهب لمعسكر التدريب المفترض. حين أومئ لأخيه بان يتبعه للسيارة، وكيف قام بمعانقة اخيه وكأن اخاه نسي الحوار!


كل ذلك يطعن في مصداقية الفيلم اولا وفي مصداقية ديركي ثانيا. الأمر الذي سيحول الوقوف ضدهم بوصفهم مجرمين، كما هدف ديركي من فيلمه، الى التعاطف معهم كضحايا.


*هل خانت الكاميرا، ديركي؟؟؟
تدخل ديركي كراو للفيلم مرتين بصوته. وهي المقدمة والخاتمة، أوحت بان ديركي قد يكون كتب هذه الجمل قبل أن يبدأ بالتصوير. فهي تلخص الهدف من صناعة هكذا فيلم يتكلم عن السلفية الجهادية. لكن الجمل كانت في واد والفيلم في واد آخر. فقد هيأتني جمل الافتتاحية لفيلم سأرى فيه تلك الفصائل المتوحشة العنيفة التي نسمع عنها في الإعلام، والتي تتماشى مع الصورة النمطية لجيوش تركب سيارات الهمر، وتعدم في الساحات العامة ويعيشون على جبال من المال. أناس خارقون لا قلوب لهم. بينما الفيلم أخذني إلى فضاءات أخرى غير التي نعرفها عن هذه الجماعات، كانت مليئة بالحالات العاطفية الإنسانية المؤثرة. فهل كانت هذه الحالة مقصودة؟؟ أم أنه خطأ فني؟؟؟ هل غدرت به الواقعية الساحرة التي تظهر الأبطال من لحم ودم، فتغلًب الإنساني الطيب، على الظاهري العنيف؟


في مقابلات ديركي القليلة، يقول: "تخيل لحظةً يستذكر فيها أبو أسامة رائحة ابنه كيف شمها وهو مقتاد الى سجن صيدنا، وفي نفس اللحظة يقتل شخصا آخر؟؟؟"


هذا المشهد المذهل يتكلم عنه ديركي على أنه إدانة مباشرة للشر الموجود داخل هذا السوري. بينما كمشاهد تلقيته كما دفعني الفيلم لتلقيه، أنني تعاطفت مع أبي أسامة الإنسان والأب المحب المرهف الذي يعيش واقع الحرب. فلم يكن مستهجنا رؤية يده على الزناد، أو سماعه وهو يتحدث عن الموت، فطالما هناك سلاح مصوب إلى الجهة المقابلة، يكون الموت جزء من هذه الواقعية، ولم يكن غريبا. أما الغريب الذي كان لصالح أبو أسامة: تلك المشاعر الإنسانية الفياضة في زمن الحرب، التي أظهرها المخرج وأدت إلى التعاطف مع شخصية قال عنها المخرج ما قال، لكن خانته الكاميرا، وخانته الشخوص. فكيف يستقيم وصف إرهابي زج به المخرج طوال الوقت في الأناشيد الدينية أن يدندن أغنية لسعدون الجابر بينما ابنه مستلق على صدره؟؟؟ هل أفلت منه سيناريو الفيلم أيضا؟


لم يوفق ديركي في اختيار شخوصه، أو ربما كانت خياره الوحيد، فغامر اعتقادا منه أن بعض الجمل يضيفها ستقلب الصورة لصالح فكرة يريد إثباتها ولم يوفق. فأبو أسامة لا يزرع الألغام، بل يفككها. لا يفخخ السيارات بل يزيل تفخيخها. لا يقتل من أجل القتل، بل يدافع عن نفسه. بالمقابل: جيش النظام هو من زرع الألغام في المنطقة كي يدوسها الجميع بمن فيهم أهل المنطقة وليس السلفيين الجهاديين فقط، هنا تنقلب المعادلة ليظهر أبو أسامة ضحية أيضا.


أما فكرة العنف مع الأولاد التي أراد إلصاقها بالسلفيين دونا عن غيرهم من السوريين كما ذكر في احد لقاءاته: "أركز في الفيلم على ثقافة العنف، كيف ينتقل العنف من جيل إلى جيل، كيف لطفل لا يدرك شيئا في الدنيا ألا يكون أمامه خيار سوى أن يصبح مقاتلا. لم أحاول الخوض في السياسة لكن القضية الحقيقية كانت بالنسبة لي العلاقة بين الأب والابن"، فهي فكرة لا تخص السلفيين فقط بل كل السوريين يتعاملون مع أولادهم بذات الطريقة ومجتمعنا يوصف بأنه بطرياركي، إلا أن علاقة أبو أسامة مع أولاده كانت ملهمة في ذلك الحب الكبير الذي يتعامل به معهم، وهنا خطأ فني. فحين يسقط التميز والتفرد والخصوصية عن الشخصية موضوعة الفيلم، تسقط قيمة الشخصية فنيا. وأصبح لزاما على ديركي أن يجيب عن سؤال: لماذا المجتمع السوري عنيف مع أولاده، وليس: لماذا أبو أسامة أب عنيف مع أولاده؟ وأكثر من ذلك: لماذا غاب الأب القائد عن فيلم ديركي؟


لا يمكن نقاش السلفية الجهادية التي ظهرت في الحرب على أنها حالة منقطعة عما قبل الحرب. لا يمكن تجاهل كل الأسباب التي تجعلنا نقف عند أبي أسامة "كنتيجة" وليس "سبب" كما أراد ديركي أن يقول، وليس كما قال الفيلم.


لا يمكن القفز فوق حالة الاستبداد والقمع التي مورست على السوريين عبر عقود، كما لا يمكن القفز عن تبعات أحداث حماة، وسجن صيدنايا الذي دخله أبو أسامة. ما لم يذكره أو يتوقف عنده ديركي: إن السني الذي يشبه "أبو أسامة" حين يدخل سجن صيدنايا سيخرج منه عضوا في القاعدة.


أبو أسامة هو نتيجة لغياب الدولة التي لم يوجه لها ديركي الاتهام كأحد صانعي السلفية. فماذا نرجو من مسلم يعيش الفقر، والجهل والاضطهاد يعتبر الدولة مصدر خوفه وليس مصدر أمانه، وساهمت في صنع مظلومية يعيشها: "كسني مستهدف من نظام علوي"؟ ويتابع على مدار الساعة انتصارات أسامة بن لادن والقاعدة من فضائيات مخصصة له؟ هذا النموذج كان هدفا سهلا ومتاحا للجماعات الجهادية بكل تشكيلاتها. هذا ما لم يقله ديركي. وما لم يقله ايضا: هؤلاء ليسوا غالبية الشعب السوري، وليسوا كل السنة، وليسوا كل المسلمين، وليسوا كل أهل إدلب.


إنه القدر السوري الذي ادعى ديركي أنه هؤلاء هم من صنعوه لوحدهم. متجاهلا عن عمد قوى الشر الأخرى التي بدأت حربها على سوريا منذ ستين عاما على الأقل: حين تركت "أبو أسامة" للجامع واقتادته الى سجن صيدنايا الذي يدخله السوري السني مواطنا لا يملك من ثقافة المواطنة سوى أنه مسلم، فيخرج عضو ينتمي للقاعدة قلبا وروحا.


هؤلاء كان يتم إعدادهم: حياتيا، ولوجيستيا لأنهم سيكونون جندا جاهزين حين تطلق أية رصاصة. وهناك من كان جاهزا لتمويلهم واستثمارهم لحظة تقوم الساعة. ويبدو ترفا فائضا عن الحاجة القول بأنه لا يوجد لدينا سلفية جهادية. فحين يترك الشعب لمصيره معززا بالجهل وبغياب العدالة والمواطنة والقمع والاستبداد، لن يبقى له سوى أن يصغي إلى إرث تم قمعه بكل الأساليب في أحداث حماة 1982 وأعطى هذه الفئة أحقية حمل السلاح والدفاع عن أنفسهم. هذا ما تم تجاهله في فيلم ديركي. مظلومية هؤلاء لا يمكن تجاهلها ولا يمكن القفز فوقها: كيف وصل هذا المواطن إلى ما وصل إليه حين اختار هذا الطريق من الثورة؟ هل هو لوحده يتحمل مسؤولية هذا الخيار؟؟ ورغم كل ما قدمه ديركي من إدانات تريد حشر أبي أسامة في خانة "المجرم" إلا أن أبا أسامة ضحية لنظام استثمره وأساء إليه حين جعله مواطنا ساذجا لا يعرِّف نفسه سوى بأنه: مسلم سني يتعرض لحرب تريد أن تقتلعه من بلده وتريد قتله، ليأتي ديركي ويكمل سلسلة الاستثمارات لأبي أسامة لمصلحة فيلمه، حين كذب على ابطاله و اوهمهم بأنه سيدافع عنهم، ليكتشفوا لاحقا ان من قدم نفسه كصديق، هو ألد أعدائهم، ليس باستغفالهم فقط، ولكن بتعريض حياتهم للخطر أيضا!


إصرار ديركي على أن يحشر أبا أسامة وعائلته في الكادر، كشخوص يمثلون كل من في هذه المنطقة لم يكن محكما. وكان واضحا انفلات لقطات كثيرة منه تناقض توجه أو نواياه، كبنات المدرسة اللاتي ظهرن فجأة في الكادر وهو يصور الأطفال يلعبون بالحجارة. بنات يافعات في الثانوية، يلبسن الملون ويضعن الحجاب الملون التقليدي المتمدن يبدين تفاجئهن بالكاميرا فيضحكن ويتراجعن. مما يعني أن هناك مواطنين آخرين في إدلب يعيشون حياتهم الطبيعية لكن آثر ديركي على ألا يركز عليهن.


لقطة اخرى، بينما يصور ديركي رتل الأطفال الذاهبين للتدرب على القتال وهم يلبسون الأسود على رأسهم وبدلة القتال الحربية، يفاجؤون بيافعين اثنين من إدلب يلبسون الجينز ويحملون كتبا في يدهم وكأنهم اطفال يعيشون في العاصمة وليس في إدلب المقاطعة الغارقة بالنار كما قدمها لنا ديركي، في مشهد درامي يدعو للتساؤل والتوقف لحجم ما يحمله من تناقض بين واقع الفيلم الذي رسمه لنا المخرج وبين الواقع الحقيقي الذي ظهر رغما عنه!


هل يمكن للشخصيات والفيلم أن تقف في وجه المخرج؟ نعم هكذا يمكن اختصار فيلم عن الآباء والأبناء. فيلم جميل لولا تدخل ديركي. صراحة لا أعرف كيف فاز بهذه الجوائز؟ أو ربما السؤال الأكثر الحاحا: لماذا؟

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
خطوة استعراضية للأسد في مطار "الطبقة"      صديق جميل الحسن... تعرف على ضابط الرخص والبطاقات الأمنية وقاتل ثوار الغوطة      فيديو... "قاشوش" سوريا يسافر إلى لبنان ويحمل أناشيده معه      مؤيدون لميليشيا "حزب الله" و"أمل" يستهدفون مظاهرات وسط بيروت      إيران تكشف عن وجود زيارات متبادلة مع الإمارات      تركيا تعلن عزمها إعادة مليوني لاجئ سوري إلى المنطقة الآمنة      "قسد" تؤكد أنها لن تنسحب من كامل الشريط الحدودي مع تركيا      تركيا تقيم نقطة عسكرية شرق "رأس العين" والأمريكان يواصلون الانسحاب من الشمال