أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

"أوسكار" الصورة المرغوبة... ماهر شرف الدين*

ماهر شرف الدين | 2019-03-04 12:13:03
"أوسكار" الصورة المرغوبة... ماهر شرف الدين*
   أبو أسامة والسليم
ماهر شرف الدين
  "مفاتيح"
*معارض وكاتب سوري - من كتاب زمان الوصل
في الوقت الذي كثرَ فيه الكلام حول فيلم "عن الآباء والأبناء" للمخرج السوري طلال ديركي الذي وصل إلى اللائحة القصيرة لجائزة "الأوسكار" عن فئة الأفلام الوثائقية، والذي اختزل إدلب وأهلها بأسرة مقاتل متشدّد ينتمي إلى "جبهة النصرة"، خرج ياسر السليم من سجون هذا التنظيم في إدلب بعد خمسة أشهر من الاعتقال والتعذيب.

***

في مرحلتي البيروتية -إذا جاز لي أن أنسب مرحلةً من حياتي إلى المكان الذي أقمتُ فيه- كتبتُ وتحدَّثتُ كثيراً عن ظاهرة مستفزَّة اكتسحت الرواية العربية آنذاك، ألا وهي: الكتابة بغرض الترجمة.

فقد صار هاجس الكثير من الروائيين العرب أن يكتبوا رواياتٍ تقبل دور النشر الغربية ترجمتها، بمعنى أن هؤلاء الروائيين راحوا يكتبون بعقلية "استشراقية" ووفق مزاج القارئ الغربي، ضاربين بعرض الحائط رأيَ قارئهم العربي، باعتبار أن هذا الأخير -إضافةً إلى هامشيته- يتمتَّع باستلاب معيَّن تجاه جوائز الغرب وترجماته، وما ينبذه اليوم من روايات عربية لا بدَّ أن يعجب به غداً حين يرى عناوين تلك الروايات وقد انقلبت حروفها العربية إلى حروف لاتينية، وتزيَّنت أغلفتُها بأسماء دور النشر الفرنسية والإنكليزية.

فعلى سبيل المثال أذكر، في تلك المرحلة، أن حمَّى الكتابة الجنسية اجتاحت المؤلَّفات الجديدة لبعض الروائيات العربيات، بسبب وجود إقبال غربيّ على ترجمة هذا النوع من الكتابة الأدبية. وبالطبع لم تكن الكتابة عن الجنس، حتى في شكلها المحموم والهذياني، هي نقطة خلاف بالنسبة إليَّ، بل على العكس من ذلك، فأنا من الذين شقّوا طريقاً صعبةً في مواجهة "التابو" بكلّ أشكاله، ولي كتابات شتَّى في ذلك. ولكنَّ النقطة التي كانت محور السجال بيننا هي تركيزهنَّ على شكل واحد من أشكال الكتابة الجنسية، وهذا الشكل ينتمي إلى نمط الاستشراق الجنسي، بمعنى أنه يستلهم نمط تلك الأعمال التي أنجزها المستشرقون الأوربيون (أدباء وفنَّانون) في القرن التاسع عشر لإشباع الخيال الغربي عن أجساد النساء والجنس في الشرق. ومثل هذا "الاستشراق" حين يمارسه كتَّابٌ عرب شرقيون، سيُشكَّل خطراً داهماً على مستقبل الكتابة العربية الجديدة وهويَّتها التي لم يجرِ تأصيلها، خصوصاً أنَّ همَّ الكثير من الكتَّاب والفنّانين العرب قد تحوَّل نحو الترجمة والجوائز الغربية، أو النسخ المعرَّبة لتلك الجوائز، كجائزة "بوكر" العربية التي لا تكاد لائحةٌ من لوائحها القصيرة تخلو من رواية تتناول قضية اليهود في البلاد العربية، إلى درجة أنَّ بعض الروائيين العرب -بعد اتّضاح توجُّه القائمين على الجائزة- راحوا يُلفّقون، على عَجَلٍ، رواياتٍ ركيكةً عن هذه القضية، والتي تستحقُّ فعلاً الكتابة عنها، ولكن ليس بمنطق التسابق إلى الجائزة المذكورة.

***

ما ذكرتُه أعلاه أجده ضرورياً لشرح وجهة نظري عن الذهنية التي صنع بها طلال ديركي فيلمه. فالرجل لا يمكن أن يكون "عميلاً" للنظام كما اتَّهمه البعض، أو جزءاً من الآلة الدعائية المضادَّة للثورة كما اتَّهمه البعض الآخر، ولكنه أسير رغبته بإرضاء المموّل (الأوروبي) والقائمين على الجوائز في الغرب. وما وصول فيلمه إلى اللائحة القصيرة لجائزة "الأوسكار"، على الرغم من مستواه الفنّي الضعيف، سوى دليل على "صوابية" الأسلوب الذي اتبعه ديركي للوصول إلى مبتغاه.

وليس بعيداً جداً عن السجال الذي حصل حول أخلاقية قيام ديركي بخداع بطل الفيلم، أبي أسامة، من أجل القيام بالتصوير (أو الاتهام الخطير الذي طاله من قبل عائلة وأصدقاء الشهيد أسامة الهبالي، بطل فيلم "العودة إلى حمص"، حيث أعلنوا بأن ديركي تسبَّب بمقتل أسامة تحت التعذيب حين لم يستجب لمناشداتهم بتأجيل بثّ الفيلم بعدما وقع أسامة بيد النظام)، فالفيلم الذي هو عبارة عن مادَّة تصوير خام تمَّ قصها ولصقها ببعضها بعضاً مع مقدّمة وخاتمة إنشائيَّتين، لم يكن مهموماً بإنجاز عمل وثائقي احترافي ونزيه يُظهر الجوانب المختلفة للموضوع الذي يتناوله، والذي هو إدلب، بل كان مهموماً، على العكس من ذلك، باختزال الناس هناك في أُسرة أحد المتشدّدين والذي ليس له من همّ سوى قتال الكفَّار، ومشكلته مع نظام الاستبداد لا علاقة لها بمفهوم الحرّية بل بمفهوم الجهاد، كما أنه لا وجود في إدلب لأي معارضة لهذا الفكر، سواء في التظاهرات التي خرجت ضدّ "جبهة النصرة"، حتى في الفترة التي تمَّ تصوير الفيلم فيها سنتَيْ 2014 و2015، أو في الحراك المدني الذي قدَّم ضحايا كثراً من شهداء ليس آخرهم مهندس لوحات كفرنبل، ومن سجناء افتتحنا المقال بخبر خروج أحدهم من سجون "النصرة" وهو المحامي ياسر السليم.

في فيلم "عن الآباء والأبناء"، والذي تحوَّلت فيه صناديق الإغاثة الأُممية إلى مستوعبات للمتفجّرات، رسَّخ طلال ديركي الصورة النمطية والمرغوبة في المخيال الغربي عن شعوبنا باعتبارها شعوباً لا تستحقّ الحرّية، مداعباً بذلك الضمير الغربي النائم، مُربّتاً على كتفه ليستغرق في نومه أكثر، ثمَّ لينام إلى جانبه ويحلم بـ"الأوسكار".

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
قائد الجيش الجزائري: الانتخابات أفضل سبيل للخروج من الأزمة      "ختيار القلعة".. عجوز ألهم السوريين كيف تكون مقاومة الأسد ومليشياته      "الدفاع الذاتي".. حملة "الاتحاد الديمقراطي" لتجنيد شبان الرقة والدير قسرا      لينفي ظاهرة التسول.. النظام يلقي القبض على متسولة ثرية      وسائل إعلام سعودية: ميليشيات الحوثي حاولت استهداف مكة      قانون يمنع البريطانيين من دخول مناطق النزاع في سوريا      القضاء الجزائري يرفض الإفراج عن شقيق بوتفليقة      بهجت سليمان .. بوق الديكتاتور التالف*