أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حكاية سندس فتح الله... ماهر شرف الدين*

خيمة سندس - ناشطون

في المخيَّم الأسوأ في القرن الحادي والعشرين، أشعلتْ نازحةٌ سوريةٌ النار بنفسها.

في مخيَّم الركبان الواقع على الحدود السورية الأردنية، وبعد ثلاثة أيام من تضوُّرها جوعاً هي وأطفالها الثلاثة، قرَّرت سندس فتح الله أن تحرق جسدها، وأن تحرق عمرها، وأن تحرق ما تبقَّى من قصَّتها.

في المخيَّم العالق على الحدود الفاصلة بين الدول، والعالق على الحدود الفاصلة بين الإنسانية والتوحُّش، احتضنت سندس فتح الله رضيعها الذي عجز جسدها النحيل والواهن عن إرضاعه، وتركت للنار أن تتابع طريقها.

لم يكن لدى هذه المرأة "تَرَف" التونسي محمد بوعزيزي الذي امتلك نصف ليتر من البنزين لإشعال نفسه. لم يكن لديها سوى بضعة أعواد من الثقاب استخدمت معظمها في تدفئة أصابع أطفالها التي تجمَّدت من البرد.

سندس فتح الله، ابنة مدينة تدمر التي حكمتها امرأةٌ قيل إنها انتحرت بالسمّ، أرادت أن تفتح كوَّةً صغيرةً لتهرب عبرها من الجحيم المسمَّى "مخيَّم الركبان".

كان فتح الكوَّة في القماش الرقيق للخيمة أصعب بكثير من فتح الكوَّة في جدار من الإسمنت المسلَّح. كان قماش الخيمة، الذي يحمل شعارات المنظَّمات الأُممية، أقسى بكثيرٍ من أيّ جدار شيَّده إنسان على وجه الأرض.

سندس فتح الله ليست امرأة انتحرت، بل امرأة جرَّبت أن تقول بجسدها ما عجزت عن قوله بلسانها. ما بقيَ منها لم يكن جسداً متفحّماً، بل كلمات لا تصمد أمامها كلّ كلماتنا الكبيرة والجوفاء.

إنَّ النار التي التهمت خيمة سندس يجب أن تلتهم مخيَّم الركبان بأكمله بعد إخلائه من الناس. فهذا المخيَّم ليس عار الأسد فحسب، أو عار الأردن فحسب. بل إنه ليس عار السياسة وحدها، بل عار الإنسانية جمعاء.

الستُّون ألفاً المحاصرون في جحيم الركبان، نقصوا امرأةً وطفلاً رضيعاً. ونحن نقصنا ونقصنا حتى صرنا نخشى من أن نقف أمام المرآة فلا نرى أنفسنا. لقد نقصنا حتى صرنا نخشى من أن نتحوَّل إلى غبارٍ تحمله العاصفة التالية الذاهبة إلى مخيَّم الركبان.

*معارض سوري - من كتاب "زمان الوصل"
(84)    هل أعجبتك المقالة (80)

منهل سلامة

2019-01-17

لا تعايق سوى بصقة كبيرة ارسالها الى الاعلى واتركها لتعود ساقطة سقوطاً حراً على منتصف وجهي فانا ايضاً لم افعل اي شي تجاه ما يحدث لهم.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي