أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

اتفاق إدلب: أرنب بوتين في قبّعة أردوغان*

أرشيف

كلّ اتفاق يحقن دم السوريين هو اتفاق موضع ترحيب، هذا من نافلة القول.

ولكن، مع هذا الترحيب، ينبغي على أصحاب الرأي تقديم رأيهم الصريح في الاتفاق، لتبيان مغازيه وفكّ ألغازه، وإثبات أن مقولة "ما بين السطور" لـمَّا تزل مقولةً خالدةً.

فشلُ اللقاءات الروسية التركية قبل الاتفاق بأيام، جعل خروج هذا الاتفاق أشبه بالمفاجأة لعموم المراقبين. ظهر أردوغان بمظهر الساحر الذي، وفي غفلةٍ من الجمهور، استطاع إخراج الأرنب من قبَّعته. لكنَّ مشكلة هذا الأرنب أنه أرنب بوتين وليس أرنبه هو. كان أرنب بوتين الذي اتفق الطرفان على خروجه من قبَّعة أردوغان.

كان الاتفاق مستحيلاً، ثمّ صار ممكناً فجأةً بلا أي مقدّمات. مثل هذه المفارقة لها ترجمتُها في معجم السياسة: ثمَّة من قدَّم تنازلاً. وربما ثمَّة من قايض تنازله بمكسبٍ آخر.

ولكي نعرف من هي الجهة التي قدَّمت التنازل في الاتفاق، علينا التدقيق في الاستراتيجية العامّة لكلا الطرفين: روسيا وتركيا.

الاستراتيجية الروسية في سوريا واضحة وثابتة، تتلخَّص في إعادة احتلال جميع المناطق السورية دون استثناء، مع إبقاء (واستعمال) بشار الأسد ونظامه كواجهةٍ لشكل حكم جديد في البلاد تكون لروسيا فيه اليد الطولى.

يريد بوتين الإمساك بسوريا من أقصاها إلى أقصاها لأنه يعرف بأنها مفتاح أساسي لفتح الكثير من أبواب السياسة الدولية، بل إنها تكاد أن تكون الـ"ماستر كي" (المفتاح الذي يفتح جميع الأقفال). لذلك هو يريد، بالترهيب أو بالترغيب، بقصف الطيران أو باتفاقات المصالحة، أن يعيد احتلال كامل التراب السوري لتنفيذ استراتيجيته التي يظهر وضوحها وثباتها منذ اللحظة الأولى لقراره بالتدخُّل العسكري ومنذ تنفيذ سلاحه الجويّ غارته الأولى في سوريا بتاريخ 30 أيلول 2015.

في المقابل، تكاد الاستراتيجية التركية في سوريا أن تغيب -خصوصاً بعد كارثة تسليم حلب والتراجع الكبير في العمل العسكري المعارض- حتى لم يبقَ من هذه الاستراتيجية سوى ما يمكن تسميته بـ"استراتيجية حفظ ماء الوجه". فأردوغان محاصر بحزمة من الأزمات الداخلية والخارجية (الاقتصادية في أزمة الليرة، والقومية في أزمة الكيان الكُردي الناشئ على الحدود، والدولية مع الولايات المتحدة بسبب أزمة القسّ الأميركي أندرو برونسون التي كانت ما تزال متفاعلةً أثناء مفاوضات الاتفاق مع روسيا...)، لذلك من الطبيعي أن تتراجع سوريا درجاتٍ عديدةً في سلَّم الأولويات التركي، لتقتصر على مسألتين اثنتين: الأولى ضمان عدم اكتمال مشروع الكيان الكُردي في سوريا، والذي نعتقد بأنه كان أبرز النقاط التي تمّ التركيز عليها في كواليس المفاوضات مع الروس. والثانية حفظ ماء وجه تركيا أمام السوريين (وعموم شعوب العالم الإسلامي) وعدم إظهارها بمظهر المتخلّي كلّياً عن قضيتهم.

فإذاً، نحن في سوريا أمام استراتيجية روسية في مقابل لا استراتيجية تركية.

وهذه المقارنة أساسية لمن يريد أن يفهم الطبيعة الحقيقية للاتفاق، وحجم الإملاء الموجود فيه، واسم الطرف الذي أملى. لأن الاتفاق حين يكون بين طرفين متفاوتَي القوَّة، أحدهما بلا استراتيجية فعلية، سيفتقد بالضرورة إلى التوازن.

لذلك جزمنا بأن الأرنب الذي أخرجه الرئيس التركي من قبَّعته في إدلب ليس في حقيقة الأمر سوى أرنب الروس.

يتبع... 

*ماهر شرف الدين - من كتاب "زمان الوصل"
(25)    هل أعجبتك المقالة (27)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي