أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الدراما السورية في ..٢٠٠٨ حساب الحقل وحساب البيدر

يكشف حصاد العام ٢٠٠٨ عن استحقاقات مهمة للدراما السورية، أبرزها نجاحها في إنتاج دراما لا يمكن ردها إلى بلد عربي بعينه، حتى لو شكل السوريون العصب الفني الأساسي في تنفيذها، فمسلسل »عرب لندن« الذي كتب السيناريو له وأخرجه وأنتجه سوريون، تقاسم أدوار البطولة فيه نجوم من سوريا ولبنان ومصر والأردن والخليج العربي والمغرب العربي تكلم كل منهم بلهجته المحلية، وبالمثل جاء مسلسل »أسمهان«الذي تقاسم بطولته وتأليفه وإنتاجه سوريون ومصريون.

وإلى جانب المسلسلين السابقين نفذت عدة أعمال سورية بمشاركة عربية أبرزها مسلسل »صراع على الرمال«، وجاءت أعمال درامية عربية لتصور أحداثها في سوريا واستعانت بطاقم فني وتقني سوري أبرزها المسلسل الكويتي ـ السوري »دندرمة« والمسلسل الجزائري ـ السوري »عندما تتمرد الأخلاق«، وبالآلية نفسها تم تصوير مسلسل »الاجتياح« الذي نال أواخر العام ٢٠٠٨ جائزة »أيمي أورود«.
إلا أن التجربة السابقة، التي كرست شكلا لإنتاج درامي بصيغة عربية خالصة يتوجه لـ»٣٥٠« مليون عربي، سرعان ما أجهضت، حين أراد البعض الاسئثار بنجاحها، لصالح مكاسب قطرية صغيرة، لن تتجاوز في الغالب حدود البروزة الإعلامية، فتحول مسلسل »الاجتياح« مع نيله جائزة »أيمي« إلى أردني، رغم أنه تم بصناعة سورية، وليس للأردن فيه سوى المال المنتج وعدد من الممثلين، وأصرت الصحافة المصرية على إلحاق عبارة المسلسل المصري بمسلسل »أسمهان«، رغم أن القاصي والداني يعرف أنه مشروع سوري، بدأه المخرج السوري ممدوح الأطرش، وتبناه الفنان فراس إبراهيم أربع سنوات قبل أن يرى النور هذا العام بمشاركة إنتاجية مصرية..
هكذا، عبّر كثيرون من الوسط الفني السوري، عن سخطهم تجاه »رؤية البعض الاقليمية الضيقة لشكل درامي حقق ما عجزت عنه الجامعة العربية واجتماعاتها منذ تأسيسها«.


»موضة« الدراما
أعمال الموروث الشعبي، أنتجت بالجملة مدفوعة بنجاحات مسلسل »باب الحارة«، وبلغ عددها خمسة هي: الجزء الثالث من »باب الحارة«، و»أهل الراية«، و»أولاد القيمرية«، و»الحصرم الشامي« ،و»بيت جدي« للمخرج رشاد كوكش. وسيؤخذ على هذه الأعمال أنها لم تأت من باب التكامل، بل من باب معركة »كسر عظم«، فالسرد الدرامي لحكاياتها سينهل من معين ضيق: فترة تاريخية واحدة مرت على دمشق.
ويضاف إلى الأعمال الخمسة السابقة، مسلسل سادس هو »الحوت« يرصد عشرينيات الساحل السوري بطريقة الحكايات والخطوط الدرامية الأفقية ذاتها ومسلسل سابع هو »باب المقام« من البيئة الحلبية.
ورغم أن الإنتاج السوري هذا العام من الدراما البدوية لم يتجاوز ثلاثة أعمال، هي »صراع على الرمال« و»فنجان الدم« و»سعدون العواجي« إلا أن الجدل الإعلامي الدائر حولها، وصل حد التحدث عن موضة بدوية تغزو الإنتاج الدرامي السوري، وهو جدل ما كان ليكون لولا مسلسل»صراع على الرمال« الذي رصدت لإنتاجه ميزانية ضخمة جداً فاقت الستة ملايين دولار، وحشد لتنفيذه نخبة نجوم الدراما السورية، إضافة إلى نخبة من أفضل الفنيين العرب والأجانب، وهو أمر لم نعهده من قبل في إنتاج الدراما البدوية.
انتج السوريون هذا العام أكثر من أربعين مسلسلا، دون أن يقض مضجعهم هواجس التسويق، بعد أن دخلوا في شراكات إنتاجية مع أطراف عربية، وفق أشكال مختلفة.


من الممكن أن يشكل دخول فضائيات عربية كجهات إنتاجية في الدراما السورية الحدث الأبرز على صعيد تسويقها، كما جاء الإعلان عن شراء التلفزيون المصري حقوق عرض ثلاثة مسلسلات سورية، هي: »صلاح الدين الأيوبي« و»ملوك الطوائف« للمخرج حاتم علي، ومسلسل »بالشام أهلي« للمخرج باسل الخطيب، كخطوة من شأن تطويرها فتح أسواق أكبر أمام المسلسل السوري، وكسر القطيعة التي فرضها التلفزيون المصري مع الأعمال الدرامية غير المصرية.
المسلسلات التركية وقناة الدراما
بكل الأحوال لم ينتهِ العام ٢٠٠٨ من دون إعلان رسمي عن قرب انطلاق قناة سورية خاصة بإنتاج الدراما السورية، وبحسب تأكيد مدير القناة الجديدة الزميل أنس ازرق لـ»السفير« فإن القناة الجديدة التي يبدأ بثها التجريبي في ٣/١/ ،٢٠٠٩ »ستشكل الحاضن الأساسي للإنتاج الدرامي السوري، عرضاً وترويجاً«.
استُثمر النجاح الدرامي السوري الذي استمر في العام ،٢٠٠٨ بشراء ما يفوق المئة مسلسل تركي والعمل على دبلجتها باللهجة المحكية السورية. فدخلت المسلسلات التركية »سنوات الضياع« و»نور« و»الأجنحة المنكسرة« و»دموع الورد«، سوق المنافسة الدرامية، وأصبحت موضة العام ٢٠٠٨ بامتياز، حيث استقبلها الجمهور العربي بشغف.

وسرعان ما بدأ الافتتان الشعبي بالمسلسلات التركية، يتحوَّل إلى مسلسل درامي في العالم العربي، أغرب فصولها حالات طلاق بالجملة سبّبها أبطال هذه المسلسلات. وبدورها لم تكن قناة »أم بي سي«، لتنأى بنفسها عن استثمار هذا الافتنان الشعبي، فأعلنت عن »إطلاق قناة مخصصة لمتابعة حلقات مسلسل »نور« قبل عرضها على أيّ قناة أخرى، ومن دون أي حذف«.


في الحديث عن وقائع ما قدمته الدراما السورية خلال عام مضى، دائما ما توجد فصول مثيرة إضافية تضاف إلى سلسلة إنجازات الدراما وإخفاقاتها. وقد ظهر الفصل الأكثر إثارة فيها عندما قامت قناة »أبو ظبي« بإيقاف عرض المسلسل البدوي »سعدون العواجي« على شاشتها، واتخذت إدارة» أم بي سي« قراراً مشابهاً فقامت بتأجيل عرض المسلسل البدوي »فنجان الدم« حتى إشعار آخر، وفي الحالتين كان القرار استجابة لاعتراض بعض القبائل التي وجدت في هذين العملين، »إيقاظاً للفتنة النائمة بين القبائل«، و»إساءة لشخصيات وقبائل عربية معروفة تاريخــياً«. وكــم كان مثيراً للدهشة أن الهجوم على المسلسلين تم وما مـن أحد اطلع عليهما كاملين!

 


حتى ساعة اتخاذ قرار إيقاف العملين كان لصناع الدراما التلفزيونية رقيب واضح، هو ذلك الموظف الرسمي الذي يمارس سلطاته بالحذف وطلب التعديل أو المنع وفق سياسات محطته التلفزيونية، إلا أن الوصاية القبلية التي مارسها البعض وأدت إلى إيقاف المسلسلين السابقين رسمت صورة ضبابية لرقابة لم يعرفها صنّاع الدراما من قبل، ولا نعرف إن كنا سنشهد في الموسم الدرامي المقبل امتدادات لهذه الرقابة وتضخما لها، خصوصا انها نجحت في فرض وصايتها خلال العام .٢٠٠٨


الرقابة التلفزيونية لم تتراجع عن دورها بطبيعة الحال، فهي تعود في الموسم الدرامي ٢٠٠٨ لينال مقصها عددا من اللوحات في مسلسل »بقعة ضوء«، وتمنع عرض مسلسل »رياح الخماسين« على قنوات التلفزيون السوري.


بدأ هذا العام السوريون التجهيز لإنتاج ٢٠٠٩ باكراً، و من الملامح التي بدأت تباشيرها بالظهور أن صناع الدراما السوريين لم يعيروا انتباهاً لكل »خيبات« العام ،٢٠٠٨ فاعتمد المخرج المثنى صبح على طاقم ممثلين لبنانين وصل إلى النصف في مسلسله »الدوامة«، ويقترب المخرج فراس دهني في »شتاء ساخن« من قضايا حساسة تضعه في منطقة ألغام رقابية، وتفتح المخرجة شربتجي في مسلسلها »العار« النار على أشكال متعددة من العار، منها السياسي، وقد أعلن عن البدء بكتابة دراما عربية خالصة عن حياة الشاعر محمود درويش.. وكأن السوريون في كل هذا يعلنون مواصلة مشوارهم، مشوار نتمنى أن يتلافوا فيه أخطاء التجارب السابقة.

ماهر منصور - السفير
(108)    هل أعجبتك المقالة (100)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي