أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

ذاكرة السمك.. جبهات تنتظر سقوط جبهات*

من ضحايا القصف على ريف إدلب - جيتي

ألم تسقط طليطلة وغرناطة تتفرج، وقبلها كانت صور على البحر المتوسط تتفرج على سقوط شقيقاتها واحدة تلو الأخرى..هكذا هو الشرق بكل تفاصيله التاريخية غارق في ندمه الأزلي على أنه لم يتوحد يوماً في مواجهة الغزاة.

استعادة هذه العبر التاريخية فقط للتذكير بذاكرتنا القصيرة التي تشبه ذاكرة السمك ولم تستفد يوماً من تجارب انهياراتها على الأقل، أو أن تعترف للحظة في أنها انتظرت موتها على أعتاب المدن، وأن نجاتها كانت ممكنة لو أنها تحركت لنجدة الأسوار الشقيقة التي تتداعى تحت ضربات الأعداء، لكنها أبداً تعيد ترتيب الحكاية كما لو أنها أول مرة.

اليوم يشن الروس والنظام حملات شعواء على إدلب وغوطة دمشق اللتين ما زالتا تقفان حجرة عثرة في سبيل إعلان انتصار حقيقي لهذا الطاغوت على شعب ثار في وجه حاكم ظالم، فكان لا بد من عقابه بالموت، ومع ذلك جبهات الجنوب صامتة تحاول الحياة المؤقتة التي تظنها، بينما في الحقيقة تنتظر موتها المؤجل.

الغوطة الشرقية على خط نار الأسد، والأسد يحاول الروس إنقاذه في إدارة المركبات بمدينة (حرستا)، ومنع سقوط مناطق جديدة بأيدي مقاتلي المعارضة، وعشرات الغارات الليلية على قرى ومدن الغوطة من أجل إركاعها بالمجازر بعد فشل المواجه المباشرة، ومع ذلك لم تزل صامدة حتى اللحظة، ولكن إلى متى مع قوة نارية كبيرة وعشرات الميليشيات وتغطية جوية كثيفة؟.

إدلب على الجبهة الأخرى وبعض الريف الحموي تأخذ نصيبها من الغارات والنزوح، وإرادة كبيرة لدى الروس على تحقيق نصر فيها يجبر المعارضة على الهرولة باتجاه (سوتشي) كحل أخير يعترف بالأسد رئيساً ومنتصراً.

في ظل هذه الأوضاع القاسية التي تعيشها مناطق المعارضة وجبهاتها التي تتحمل اليوم عبء ضريبة المفاوضات، حيث يحاول الروس والنظام تحسين شروط التفاوض...في هذه الظروف تصمت جبهة الجنوب وكأن لا شيء يحصل، وهي التي سكتت عن سقوط أحد بواباتها منذ أيام في (بيت جن)، وإحكام سيطرة النظام على الغوطة الغربية.

ترى ما هو الحدث الجلل الذي من الممكن أن يجعل من هذا الموت مشتركا، وهنا قد يجيب البعض إنها جهات التمويل الدولية التي أعطت أوامرها بعدم التحرك، وأوقفت الدعم عن جبهات كثيرة فانكسرت، ولكن السؤال البديهي: كم من الموت الذي يجب أن يحصل لنقتنع أن موتنا ليس بعيداً، وأن موت الإخوة مقدمة بسيطة لموتنا الكبير كنتيجة؟.

اليوم...على من بقي من جبهات صامتة ومكبلة باتفاقيات بائسة لخفض التصعيد أن تعلن على الأقل أنها لا توافق على سفك دم الإخوة، وأن تنذر بانسحابها من اتفاقيات واهية كاذبة تعطي الفرصة للنظام بزج قواته من الفرقة التاسعة على حدود درعا في معارك الغوطة؟.

ذاكرة السمك القصيرة أيها السادة لم تمنع "السلمون" من العودة إلى مياهه العذبة ليموت فيها...فاتعظوا.

*ناصر علي - من كتاب "زمان الوصل"
(26)    هل أعجبتك المقالة (25)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي