أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

«مهرجان دمشق المسرحي»: عودة الروح

من عرض «كونتراكت» لمي سعيفان (سوريا/ ألمانيا)
مكابدات المرأة الشرقيّة، ديكتاتوريات عابرة الأجيال، هزائم يومية في الزمن العربي الرديء، صراعات وجوديّة وإسقاطات تاريخيّة... هذه بعض القضايا التي تثيرها، منذ الأمس، تجارب عربيّة مختلفة في دمشق... عاصمة المسرح العربي

دمشق ــــ خليل صويلح
دوستويفسكي، تشيخوف، أبو حيان التوحيدي، بريخت، سعد الله ونوس، أدونيس، جان جينيه، يوسف إدريس، دوبرمان... كل هؤلاء اجتمعوا أمس على خشبة واحدة. أمّا المناسبة، فهي انطلاق دورة جديدة من «مهرجان دمشق المسرحي». المهرجان الذي استعاد عافيته أخيراً، ويستمر حتى 20 الحالي يراهن على العروض المغايرة التي تواكب احتفالية «دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008»... علماً بأن المسرح كان له فيها، على امتداد العام، نصيب لافت. نقطة الثقل في الدورة الـ 14 مع المسرح التونسي الذي بات من مرجعيات التجارب المسرحية السورية الجديدة لجهة السينوغرافيا وإدارة الممثل. يحلّ التوانسة ضيوف شرف بخمس تجارب مختلفة. يقف توفيق الجبالي على الخشبة، ممثلاً بمشاركة رؤوف بن عمر في «مذكرات ديناصور» اعتماداً على النسخة الإخراجية التي حملت توقيع الراحل رشاد المناعي في عرض يستلهم نص بريخت «حوار في المنفى». أما زهيرة بن عمار فتقترح نصين محورهما مكابدات الأنثى في مجتمع شرقي مستبد. في «سنديانة» و«امرأة»، تسرف بن عمار في استبطان طاقات الجسد والصوت في انفعالات متباينة تضيء عتمة الداخل ومرايا الأنثى المنكسرة. وسيتعرف الجمهور إلى تجارب تونسية جديدة مثل «مرّ الكلام» للشاذلي العرفاوي و«وزن الريشة» لغازي الزغباني. ومن ضفة أخرى، يطل «النمرود» للمنصف السويسي عن نص للشيخ سلطان القاسمي: شخصية أسطورية مستبدة تصاب بجنون العظمة فتنتهي بالقتل على يد الشعب المقهور.
ويشارك العراق في عرض «الموت والعذراء» لإبراهيم حنون، في رؤية جديدة لنص إيريل دوبرمان. الحكاية هنا عراقية عن امرأة مُغتصبة (ميلاد سري) في سجون النظام السابق، تلتقي مغتصبها مصادفة في بيتها، وتتعرف إليه من رائحته وصوته، لأنّها كانت معصوبة العينين، فتطلب من زوجها الثأر، وإذا بالضحية تصير جلاداً، وتعيد إنتاج الحقبة السابقة في ديكتاتوريات تتناسل جيلاً وراء جيل في ظلّ غياب القانون ومنطق الدولة. وعلى برنامج المهرجان عرض جديد للعراقي جواد الأسدي أعدّه خصيصاً لمهرجان دمشق، بعنوان «أرامل على البسكليت»: ثلاث شخصيات (كارول عبود، نادين جمعة، نضال سيجري)، وثلاثة مصائر لعائلة، يحوك خلالها الأسدي نسيجاً سيكولوجياً خاصاً، فيه من الشروخ والاندفاعات ما يحيله زمناً مسرحياً استثنائياً، ينطوي على هزائم يومية متلاحقة.
وتتمثل المشاركة اللبنانية في «العميان» للينا أبيض، و«حلم رجل مضحك» لطلال درجاني. في «العميان»، تقودنا أبيض إلى مأوى للعميان خرجوا في نزهة إلى البحر، لكنّهم توقفوا في غابة، في انتظار عودة الدليل، فكانت الطريقة الوحيدة للتواصل بينهم هي الكلام. هكذا سيتبادلون حديثاً عبثياً لا يفضي إلى شيء ملموس. شخصيات أبيض أشبه ما تكون بتماثيل بلا ملامح، تعيش حالة قلق إنساني غامض ومجهول، فيبقى مصيرها معلّقاً بين الخلاص والحلم. نصّ الكاتب البلجيكي موريس ميترلينك يتجاوز عبثية بيكيت إلى رمزية طهرانية، ومغامرة مشهدية تعتمد الصمت والإصغاء. أمّا «حلم رجل مضحك» فيشتبك مع مناخات دوستويفسكي التي تقوم على فلسفة الصراع بين المتناقضات في النفس البشرية. هنا يحلم رجل (حسام الصباح)، بأنه يطير إلى كوكب آخر، فيتأمل كمية الشر التي تثقل كوكب الأرض، ما يقوده إلى الجنون والانتحار. العرض مبارزة نفسية بين الحياة والاحتضار في سينوغرافيا متقشفة، وشخصيات مركّبة تنتمي بامتياز إلى مسرح القسوة.
ويقتبس عمرو قابيل (مصر) في «وجوه الساحر» ثلاثة أعمال من يوسف إدريس («العيب»، «جمهورية فرحات»، «الباشكاتب») تضيء جوانب من مصائر شخصيات متباينة في أحلامها وإحباطاتها.
ويعود «أبو حيان التوحيدي» إلى الخشبة في نسخة قطرية لحمد الرميحي. مرة أخرى يجد صاحب «الإمتاع والمؤانسة» نفسه في محنة إشكالية: المثقف التنويري في مواجهة عسف السلطة، لكنّه هذه المرة لن يكتفي بحرق كتبه تحت وطأة اليأس، ومواجهة تهمة الزندقة، بل يبحث عن مكان لدفن جثته. هكذا يتجوّل بين الجغرافيات العربية بلا جدوى، لينتهي إلى القول: «لفظتني الأوطان والأزمان». العرض الذي يؤدي بطولته العراقي عزيز خيون، شهادة عن الجور والاضطهاد، وإذا بالقرن الرابع الهجري وزمن الصاحب بن عباد يتكرر إلى اليوم.
استدعاء الشخصيات التاريخية ومحاكمة اللحظة الراهنة هو محور العرض الأردني «مأساة المهلهل» لحكيم حرب: فنان حالم وزبّال يلتقيان في ليلة عاصفة، في صراع شرس بين الواقع والحلم. الفنان سيؤدي دور الزير سالم، فيما يكتفي الزبّال بدور التابع. دون كيشوت وسانشو في فانتازيا عربية عن الأحلام المستحيلة.
وتجازف الكوريغراف السورية مي سعيفان في «كونتراكت» (سوريا/ ألمانيا)، في مقاربة أحد أكثر نصوص أدونيس إيروتيكية، وهو «تاريخ يتمزّق في جسد امرأة»، وذلك في مستويات تعبيرية وإيمائية متباينة، تمزج بين أحوال الجسد في نداءاته الوحشية والصامتة، على خلفية صوت أدونيس. وإذا بالجسد يحلّق في فضاءات عالية تنطوي على أنوثة شعائرية طاغية، سعياً إلى طقوسية تختزل تاريخ الأنثى بالتفاتة وإيماءة وشجن.

حمّى إبداعيّة تجتاح المسارح السوريّة

من «كذا انقلاب» لبسام كوسا
21 دولة عربية وأجنبية في 42 عرضاً، تستضيفها مسارح دار الأوبرا والحمراء والقباني والمعهد العالي للفنون المسرحية ضمن «مهرجان دمشق المسرحي». هذا إضافةً إلى تكريمات لشخصيات تركت بصمتها على الخشبة: شريف خزندار، عادل قرشولي، رياض عصمت (سوريا)، سامي عبد الحميد (العراق)، زهيرة بن عمار (تونس) أنطوان كرباج (لبنان) جيرار أستور (فرنسا)، غانم السليطي (قطر)، نهاد صليحة (مصر). وتدور محاور الندوات حول «الدراماتورجيا» وعلاقتها بالسينوغرافيا والكتابة المسرحية، بمشاركة نخبة من المسرحيين والنقاد العرب مثل توفيق الجبالي، محمد إدريس، الطيب الصديقي، ماري إلياس، فرانك رادتس، منحة البطراوي، حسن الجريتلي، حنان قصاب حسن، جليلة بكار، روجيه عساف، جواد الأسدي، أسامة غنم. كذلك يستضيف المهرجان ندوة خاصة عن «موقع ودور الشيخ سلطان القاسمي في المسرح العربي المعاصر».
من جهة أخرى، يبدو أنّ هناك حمّى مسرحية تجتاح الخشبات السورية هذه الأيام. عروض متتالية اقترحتها «دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008». وبينما يتواصل عرض «المهاجران» لسامر عمران، قدّم عبد المنعم عمايري عرضه «تكتيك». وبعد أيام، أطل غسان مسعود في «عربة ترام تُدعى الرغبة» عن نص تنيسي وليامز. وإذا ببسام كوسا يقترح عرضاً آخر «كذا انقلاب» عن نص التركي عزيز نيسن... وقبل أن يلتقط الجمهور أنفاسه، بدأ «مهرجان دمشق المسرحي» برنامجه الحافل بـ 20 عرضاً سورياً، معظمها لمخرجين شبان، فعدا «تياترو» باسم قهار، «صوت ماريا» لمانويل جيجي، «أحلام شقية» لسعد الله ونوس ونائلة الأطرش، هناك «المنفردة» لرامز الأسود و«تشيلو» لعروة العربي، و«مشاجرة» لنضال صواف....
بعض هذه العروض لم يلقَ تجاوباً نقدياً، إذ تتفاوت مستويات هذه الأعمال في قدرتها على ابتكار فرجة مسرحية لافتة، لكن حجم هذه العروض وعددها، يبشّران بازدهار المسرح السوري مجدداً، بعدما تفرّق عشاقه وانخرطوا في لعبة الدراما التلفزيونية المربحة مادياً ومعنوياً. ولعل نجاح «المهاجران» بشروطه الإنتاجية البسيطة واستخدامه أماكن بديلة، شجّع الآخرين على خوض مغامرة الفرجة المسرحية بأبسط أشكالها، وخصوصاً أنّ عرضاً تونسياً هو «هوى وطني» لرجاء بن عمار، شاهده الجمهور الدمشقي أخيراً، اختار «هنغاراً» في محطة القطارات في ضواحي دمشق لتقديم هذه المونودراما الباهرة، وقد لقي صدىً كبيراً لدى عرضه، فهل تكون الأماكن البديلة فرصة لاستعادة الحياة المسرحية وشحنها بمقترحات جمالية موازية؟ مهما تكن الحال المسرحية السورية، فإن هواءً مختلفاً يهبّ على أبي الفنون ويعيد شيئاً من الألق إلى بلاد أبي خليل القباني
.

(67)    هل أعجبتك المقالة (72)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي