أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عندما حضرت عائلة "رومل" فيلما في "الفردوس".."الشامي" يستعرض صورا من دمشق قبل البعث

ترام كهربائي في دمشق - ارشيف

كانت دمشق في النصف الأول من القرن الماضي مدينة تضج بالحضارة والحداثة وإيقاع العصر وليست جزيرة معزولة عن العالم، كما حاول مسلسل "باب الحارة" تصويرها في أجزائه الثمانية السابقة "لغاية في نفس يعقوب"، إذ كانت هناك في مطلع الثلاثينات ﺻﻨﺎﻋة للسينما وقانون ﺳﻴﺮ ﻟﻠﻤﺮﻛﺒﺎﺕ وﺗﺮﺍﻣﻮﺍﻱ وﻧﺪﻭﺍﺕ أدبية وﺣﻔﻼﺕ ﺳﻬﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺳﻴﻘﻰ ﻏﺮﺑﻴﺔ ﻣﺜﻞ "ﻓﺮﺍﻧﻚ ﺳﻴﻨﺎﺗﺮﺍ" أو ﺷﺮﻗﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻟﺤﺎﻥ "محمد ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻮﻫﺎﺏ" ﻭ"ﺃﻡ ﻛﻠﺜﻮﻡ"، وﻣﻈﺎﻫﺮﺍﺕ ﻧﺴﺎﺋﻴﺔ، ﻭﺭﺟﺎﻝ ﻓﻜﺮ، ﻭﺟﺎﻣﻌﺔ ﻗﻞ ﻣﺜﻴﻠﻬﺎ في ﺎﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﺳﻤﻬﺎ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﺍﻟﺴﻮﺭﻳﺔ خرّجت نوابغ في الأدب والفن.

وروى "عبد العزيز الشامي" أحد أبناء دمشق القدامى لـ"زمان الوصل" جوانب من ذكرياته عن المدينة كما عايشها خلال الأربعينات والخمسينات وقبل أن يستولي عليها نظام البعث ويحولها إلى مدينة هجينة غريبة الوجه واليد واللسان. 

أمضى "الشامي" ثلاث سنوات من دراسته الإعدادية والثانوية في مدرسة "الآباء العزاريين" في "القصاع -باب توما"، وتخرج من هذه المدرسة التي أُطلق عليها اسم "سان فينسون"–كما يقول- كبار رجالات السياسة في سوريا ومنهم "شكري القوتلي" و"فارس الخوري" و"خالد العظم" و"صبري العسلي"، ثم طلبت والدته من والده إخراجه منها نظراً لبعدها عن مكان سكنه في "شارع بغداد". 
وانتقل "الشامي" إلى مدرسة "اللاييك" بدمشق التي كانت من أرقى المدارس في سوريا، ولم يكن يلتحق بها إلا خيرة شباب الشام وأبناء العائلات البرجوازية منهم، وكانت المدرسة على النظام الفرنسي وتضم خيرة المدرسين، وبعد استلام البعث الحكم وضع يده على المدرسة وانتزعها جلاوزته من مؤسسة "ميسون لاييك" الباريسية، وتم طرد القائمين على المدرسة ليتم تغيير اسمها فيما بعد إلى معهد "باسل الأسد" وتصبح حكراً على أبناء الضباط والمسؤولين.


والصورة التي لا تغيب عن ذهن محدثنا -كما يقول- صعود الترمواي الذي كان يقله إلى مدرسته مقابل فرنك أي 5 قروش وكان ينزل في "باب توما" بقرب الجسر المقام على نهر "قليط" وهو آخر خط للترامواي الذي اختفى فيما بعد وألغي من قبل المتنفذين في الدولة الذين كانوا يريدون الاستفادة من استيراد السيارات ووسائل النقل الأخرى للتربّح منها.

وأشار "الشامي" إلى أن العثمانيين هم من أدخل الترامواي إلى دمشق قبل أن يدخلوه إلى اسطنبول، علماً أن التيار الكهربائي (الكوران) دشن ﻓي ﻋﺎﺻﻤﺔ ﺍﻷﻣﻮﻳﻴﻦ ﻋﺎﻡ 1907، وكان هناك العديد من الخطوط لوسيلة النقل هذه ومنها "المهاجرين" و"القصاع" و"باب توما" و"الميدان" و"خط جوبر" مروراً بالغوطة الشرقية، وكانت وسيلة النقل هذه -كما يروي الشامي- تنقل آلاف الناس يومياً بشكل حضاري وسلس دون تلوث للبيئة ولكن ذلك لم يكن يرضي أصحاب النفوذ فاقتلعوا سكك الترمواي.



وسيلة النقل الأخرى في دمشق آنذاك كانت الباصات التي اعتادت على الوقوف في "شارع النصر" ونقل الركاب إلى مختلف أنحاء المدينة وخارجها، وفي منتصف "شارع النصر" كانت هناك مواقف مخدمة بمظلات لحماية الركاب من الأجواء الطبيعية من حرارة وبرودة، وكان باص القصاع يحمل الرقم 5 ويقف بمواجهة القصر العدلي قريباً من مدخل سوق "الحميدية" وبعده باص "المهاجرين" ثم باص "دمر والهامة". 

ويستعيد "الشامي" العتيق مشهد مدينة دمشق التي كانت تخلو من "الغربتلية" -حسب تعبيره- إذ كان الناس يعرفون بعضهم بعضاً، ويردف محدثنا أن ساحات وشوارع المدينة كانت تكنس بعد الساعة الواحدة ظهراً ويتم رشها بالماء من خلال صهاريج تابعة للبلدية، وبعد تناول طعام الغداء وأخذ قيلولة كان أغلب الدمشقيين–كما يقول- يخرجون عصراً وينتشرون في أماكن شتى، فمنهم من يذهب إلى السينما أو المسارح او المقاهي وبعضهم يختار "الكزدرة"- المشي راجلاً في بوابة الصالحية. 

ولفت محدثنا إلى أن الليرة السورية كانت في عز أيامها خلال الخمسينات إذ كان راتب الموظف لا يتجاوز 300 ليرة سورية، ومع ذلك كان يغطي نفقات العائلة متوسطة الدخل، فأجرة الباص لم تكن تتعدى الخمسة قروش وثمن سندويش الفلافل لا يتجاوز العشرة قروش بينما دخول السينما بـ 35 قرشاً.

وروى "الشامي" أنه كان يأخذ من والده ليرة سورية كـ"خرجية" كانت تغطي احتياجاته ليوم كامل، وربما زاد منها ما يشتري به "سندويش شاورما" وهي الأكلة التي أدخلها الأتراك إلى دمشق وكانوا يطلقون عليها بالتركية اسم "شيفرما"-أي الأكلة التي تدور.
أما البوظة المفضلة لدى "الشامي" آنذاك فكانت -كما يقول- من عند "دامر" القريب من بوابة "الصالحية" أو "بكداش" في شارع "الحميدية"، وكانت البوظة تُدق على طريقة "مرعش" التي اخترعها العثمانيون، وبعد دقها تصبح كالمسكة في الفم وبنكهات متعددة كالقشطة أو الليمون وغيرها.

ويروي "الشامي" أن والدته كانت إذا أرادت أخذه معها ليحمل الأغراض عند تسوقها من المدينة وهي التسمية التي اعتادت الدمشقيات إطلاقها على سوق "الحميدية"، تغريه بشراء بوظة "بكداش"، إذا كان الجو صيفاً، أما إذا كان شتاء فكانت تشتري له حبوباً أو "كشك الأمراء" التي اشتهر بها "بكداش" آنذاك. 

ويمضي الثمانيني الذي يقطن في إيطاليا اليوم نابشاً خزانة ذكرياته ليتحدث عن جوانب من النهضة التي شهدتها دمشق في فترة الخمسينات، مشيراً إلى أنه اعتاد على دخول سينما "الدنيا" أو "الفردوس" مقابل "التجهيز"، وسينما "أمير" في "بوابة الصالحية" وسينما "الزهراء" مقابل نادي الضباط وأسفلها سينما "الحمراء" التي تحولت إلى مسرح فيما بعد وسينما "الأهرام" بعد مقهى "الهافانا" وسينما "دمشق" التي دأبت على عرض أفلام عربية.

وكان "الشامي" يشاهد مع أصدقائه -كما يقول- حوالي خمس أفلام كل أسبوع لعدم وجود تلفزيون تلك الفترة، كاشفاً عن أن والده كان من عشاق السينما، وكان يعطيه ليرة ويوصيه بالذهاب إلى إحدى دور السينما ليرى الفيلم الذي يعرض فيها بعد أن يكون –أي والده- قد رآه من قبل.

وكان -كما يؤكد- يحفظ كل أسماء ممثلي هوليود آنذاك وحتى القدامى منهم وأسماء الممثلين الفرنسيين مثل "كلار كيبل" و"دوغلاس" و"يور برينر" و"مارلون براندو" والممثلات "كيم لونفاك" و"اليزابيت تايلر" و"كاترين دونوف" والمغنية "ميراي ماثيو".

ويتوقف "الشامي" ليروي أنه حضر ذات يوم فيلماً يحكي قصة المارشال "رومل" 

(ثعلب الصحراء) في سينما "الفردوس" آنذاك، وكانت زوجة "رومل" وأولاده حاضرين في العرض الأول للفيلم، وجلسوا في بلكونة السينما، وبعد انتهاء الفيلم سلّمت على عدد من الحضور. 

إلى جانب اهتمامه بارتياد السينما والموسيقى والرسم أولع "الشامي" الشاب آنذاك بالرحلات والتخييم وكان -كما يقول- يذهب سنوياً مع عدد من رفاقه إلى نبع "الحمّة" التي تقع بين حدود فلسطين المحتلة والأردن وسوريا في الستينات قاطعاً نهر الشريعة سباحة ليصل إلى رأس التلة حيث يدلف إلى بقالة أردنية صغيرة هناك فيشتري من عندها سجائر "جولد ستار" الفاخرة ويلفها بكيس نايلون كي لا تبتل ويرجع سباحة إلى "الحمّة".

فارس الرفاعي - زمان الوصل
(101)    هل أعجبتك المقالة (106)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي