أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أكبر من "مول" بكثير.. قاسيون الحكاية التي ترتبط خيوطها بـ"حسون" والإيرانيين وتشييع دمشق وصقر الشبيحة (ج1)

• تبدو أصابع ماهر الأسد شبه واضحة في القضية، بما لها من تداخلات مع ملف برزة - تابع المخطط أدناه - زمان الوصل

خبر السوريين خلال عقود كثيرا من حالات التزاوج بين المال والسلطة، التي استمر بعضها وتوسع فأنجب لهم كائنات مشوهة من الفساد والنهب، وانتهى بعضها الآخر بالفراق مترافقا مع معارك طحن عظم وتشهير.. وفي كلتا الحالتين (الاستمرار والفراق)، كان على السوريين دفع فاتورة النفقات من جيوبهم الخاصة، وكأنهم أولياء أمر "العريسين".

ورغم قوة رجال السلطة والمال معا، وعدم خشيتهم غالبا من أي مساءلة، بحكم حصانتهم، فقد كانت العلاقات بينهم تغطى بطبقة كتيمة من السرية، تشوبها شبكة تداخلات غريبة وشاذة أحيانا، تجعل "العريس" أو "العروس"، بل ربما حفل الزفاف برمته، مجرد واجهة لأمور أكبر، غالبا ما تظل طي الكتمان، اللهم إلا إذا حل طلاق "بجلاجل"، فعندها يكون أمام الشعب بصيص فرصة يتعرف بها على بعض الأسرار والأدوار، قبل أن يتم إخطاره مجددا بحفل زواج جديد.


*برميل مسك
تجسد قصة "مول قاسيون" بما خفي منها وما ظهر، أحد أحدث وأصرخ الأمثلة على الاقتران المشبوه بين صاحب القرار وصاحب رأس المال في سوريا الأسد، وهي قصة بقيت أسرارها محفوظة رغم كل المناوشات الميدانية والإعلامية بين أطرافها، إلى أن انتهى الأمر بقرار "خلع" أطار "عريسا" قديما وأحل مكانه آخر جديدا.

وفي هذا التحقيق الموسع والموثق، ستتولى "زمان الوصل" الكشف عن بعض أخطر الأسرار التي كان يغطيها "مول قاسيون"، محاولة تقديم صورة متكاملة لشبكة العلاقات المبنية فوقه وتحته وعلى هامشه، وهي شبكة تصل إلى شخصيات وأطراف وأماكن بعيدة، بدءا من محافظ دمشق ومفتي النظام، وصولا إلى مليشيا "الدفاع الوطني" والإيرانيين!

هذه الأطراف المتباعدة نظريا، والمتشابكة عمليا، جمعها عنوان واحد اسمه "مول قاسيون"، هذا المول الذي ثارت حمية "الحكومة" مؤخرا لأجله، واستنفر وزير التجارة في سبيله كما لم يستنفر لأي قضية أخرى، بما فيها قضايا "الخط الأحمر" المتعلق بلقمة الشعب.
ففجأة ودون سابق إنذار، تنبهت "الحكومة" أن هناك غبناً لحق وما زال يلحق بها، عبر صالات البيع والمستودعات التابعة للمؤسسة الاستهلاكية، والتي جرى تأجيرها بعقود "مجحفة" ولسنوات طويلة، وعليه "قررت" أن تعيد هذه الصالات إلى حضنها، في عملية لا يمكن تشبيهها من حيث الشكل إلا بعمليات المصادرة التي كانت تسمى "التأميم".

ورغم الأخطار التي تشوب عمليات فسخ العقود، وما يتبعها من ترهيب "رجال الأعمال" وتطفيش رأس المال الشبيه بالغزال في سرعة توجسه وهروبه.. رغم كل ذلك مضت "الحكومة" ممثلة بوزير التجارة في خطتها، مركزة كل جهودها على "مول قاسيون"؛ لتحرز في النهاية ما دعاه الوزير "نصرا"، مع انتزاع "المول" من مستثمره وتلزيمه لمستثمر آخر، دفع لقاء استثماره مبلغ مليار و20 مليون ليرة في السنة، فيما كان المستثمر المخلوع يدفع فقط 20 مليون ليرة.

لم تحضر "زمان الوصل" المزاد الذي استخدم كقنطرة لنقل "المول" الضخم إلى يد المستثمر الجديد، لكن كل ما جمعته من معلومات موثقة يؤكد أن الأمر لايعدو كونه زيجة أخرى في سلسلة زيجات المال والسلطة، ولكنها زيجة باهظة التكاليف للغاية، "مهرها" مبلغ أسطوري لم يدفع من قبل في استثمار مشروع بهذا الحجم.


ومما يزيد حجم الشكوك حول الأمر برمته، أن وزير التجارة بنفسه لم يذهب أبعد من حد 300 مليون ليرة في تقديراته للمبلغ الذي يمكن أن يدفعه المستثمر الجديد لقاء الحصول على عقد "مول قاسيون"، وقد صرح بهذا الأمر علنا، وتناقلته مختلف وسائل إعلام النظام.. فهل كان المستثمر الجديد الذي دفع مبلغا يناهز تقدير الوزير بـ3.5 أضعاف غائبا عن الوعي، أما إنه أحب أن "يفاجئ" الجميع ويرسم صورة جديدة لــ"رجال الأعمال" الذين يدفعون للحكومة أكثر مما تحلم به بمرات، وهم الذين اعتادوا أن يدفعوا لها أقل مما تطرحه بأضعاف، متوافقين مع أصحاب القرار على مبدأ "المال العام سايب ومتاح"؟!

ولعل مبلغ 20 مليونا الذي دفع علاوة على رقم المليار، يعطي إثباتا آخر على أن مزاد تلزيم "مول قاسيون" كان مجرد مسرحية رسم المخرج حدود أدوارها بدقة متناهية ولم يترك فيها لـ"الارتجال" مكانا، وإلا فما معنى أن يقف المزاد عند مليار و20 مليونا، وليس مثلا مليار، أو مليار وعشرة أو.. أليس الرقم مليار و20 مليونا رقما مقصودا لإحداث ضجة إعلامية، أكثر من كونه مبلغا مستحقا لاستثمار "المول"، حتى يقال إن "الحكومة" ووزير تجارتها حصّلوا العشرين مليونا المحققة أصلا، وفوقها برميل "مسك" مقداره مليار!

*مجزرة إعفاءات
رغم خطورة إعادة شبح "التأميم" بذرائع ومسميات مختلفة، ورغم كل ما شاب عملية تسليم "المول" لمستثمره القديم والجديد من خروقات قانونية ومالية، فإن ما ذكرناه أعلاه يبقى مجرد خلفية بسيطة لموضوعنا، وليس أبدا لب تحقيقنا، الذي ينبش فيما هو أعمق بكثير.

بدأت قصة "مول قاسيون" من واجهة اسمها "بلال نعال"، تربطه صلة صداقة ومصالح مع محافظ دمشق "بشر الصبان"، المحافظ الذي حافظ على منصبه لمدة تناهز 11 عاما، ليستحق لقب "عميد المحافظين"، فبات "كبيرهم" و"الثابت" شبه الوحيد لدى النظام، في زمن التغييرات التي استهدفت حكومات ووزراء ومحافظين وضباطا و..، لاسيما خلال السنوات الأخيرة.

عرف عن "الصبان" منذ توليه عام 2006 نزعته الإقصائية المفرطة، حيث ارتكب ما يشبه "مجزرة" بحق معظم مدراء المديريات في المحافظة عقب تسلمه، وأحالهم إلى مهام وأمكنة مهملة تحقيرا لهم، في سلوك يشابه النمط العسكري الدارج في جيش النظام من تكسير للرتب ونفي وتجميد.


وعندما اندلعت الثورة، كان أمام "الصبان" بالذات وانطلاقا من موقعه محافظا للعاصمة وأكبر مدن البلاد.. كان أمامه "تحديات" جسيمة ليثبت ولاءه لبشار الذي عينه، وليثبّت نفسه على كرسي يحلم كثير من المسؤولين باعتلائها، ومن هنا لم يتأخر "الصبان" لحظة عن تحويل كل أجهزة ومؤسسات محافظته إلى مراكز تشبيحية، وتسخير كل إمكاناتها لدعم ما كان يسمى "اللجان الشعبية" ومن ثم "الدفاع الوطني"، مضيفا إلى ذلك تنسيقا عاليا مع الطرف الإيراني ومليشيا "حزب الله".

وعبر هذه الأعمال بات "الصبان" عميد الشبيحة في العاصمة، وداعمهم الأول، ليس فقط على المستوى الرسمي، بل حتى على المستوى الشخصي، ويكفي لإثبات ذلك سيرة ابنه الأكبر والأوحد "مازن" الشبيح البارز على مستوى سوريا، الذي لا ينفك يدرج منشورات التأييد للنظام والدعوة إلى "سحق" الثورة والشعب، بل وحتى "حرق" المناطق المدنية المحاصرة بالكامل، فضلا عن صوره بالبدلة العسكرية والسلاح مرتديا في رقبته طوقا يحمل ما يسمى "سيف ذي الفقار".

وتتشعب علاقة المحافظ "الصبان" مع "نعال" مستثمر "مول قاسيون" القديم لأكثر من مستوى، فـ"نعال" عضو في "مجلس محافظة دمشق"، وهو أيضا عضو في شركة القابضة "دمشق الشام"، التي أنشئت برأسمال يبلغ عشرات المليارات من أجل تنفيذ خطط النظام وإيران في التغيير الديموغرافي داخل دمشق، لاسيما المنطقة المجاورة لسفارة إيران، والتي يصطلح على تسميتها "بساتين خلف الرازي".


أما تشبيحيا فـ"بلال نعال" عضو فاعل في دعم مليشيا "الدفاع الوطني"، التي يطول الحديث عن جهود "الصبان" في تمكينها داخل دمشق، علما أن "الدفاع "الوطني " ربطت "نعال" بزعيم هذه المليشيا وقائدها في العاصمة "فادي صقر"، الذي كان على الأرجح دليل "نعال" ومحفزه وواجهته للانقضاض على طريدة المستودع الاستهلاكي المهمل بمنطقة "حاميش" في برزة، ليتحول إلى واحد من أكبر الاستثمارات التجارية في دمشق تحت اسم "مول قاسيون".

*خردوات
وإذا كان البعض يشكك بشراكة "صقر" المالية مع "نعال" في مشروع "مول قاسيون"، فإن مما لا جدال فيه، أن "الاستهلاكية" جمعت "صقر" و"نعال" ومتنت علاقتهما، بالتزامن مع مصالحهما المرتبطة بنشاطات التشبيح، علما أن كليهما متقاربان في العمر أيضا (الأربعينات).

فـقبل أن يبرز اسم "صقر" كشبيح بارز، كان الرجل يعمل مديرا لأحد فروع المؤسسة الاستهلاكية بدمشق، ويبدو أن عمله هذا أتاح له الاطلاع على واقع مستودع حاميش، ليقترحه فيما بعد على كل من "الصبان" و"نعال"، وتبرم الصفقة مقابل مبلغ 20 مليون سنويا، ولمدة 30 سنة.

وقد يعطي تدقيق النظر في الواقع الميداني المستجد في العاصمة قبل أشهر، وربطه بمستجدات التحرك الحكومي.. قد يعطي تفسيرا للحماس الكبير والاندفاع الاستثنائي لدى وزير التجارة، وظهوره بمظهر "السوبرمان" الذي يحارب كل الفاسدين والمستحلين للمال العام ويهزمهم، رغم أن جميع السوريين يعرفون حدود وقدرات أي وزير في حكومة الأسد، لاسيما عندما يتعلق الأمر بمناطحة "الكبار".

فما صنعه وزير تجارة النظام بـ"النعال" حينما نزع من بين يديه استثمارا يدر عليه مئات الملايين، إنما صنعه بضوء أخضر من جهات عليا للغاية، ربما لايقل سقفها عن بشار أو ماهر، ويبدو الأخير أقرب، بحكم توليه وتولي فرقته الرابعة زمام الأمور في برزة ومحيطها، وفتحهم ملفات فساد وعلاقات مشبوهة كانت تربط "الحرس الجمهوري" ومليشيا "الدفاع الوطني" بشخصيات محددة من "المسلحين" في هذا الحي ممن كانوا مندسين في صفوف التشكيلات الثورية، وسهلوا للنظام تسليم "برزة" ومحيطها تحت مسمى "المصالحة"، في شهر أيار/ مايو من العام الحالي.

ولا يبدو من قبيل الصدفة أن تتزامن صحوة "الحكومة" ووزير تجارتها بخصوص المنشآت العامة المؤجرة للقطاع الخاص (وأولها مول قاسيون)، مع إثارة ملف عميد الحرس الجمهوري "قيس فروة" وزعيم مليشيا "الدفاع الوطني" في دمشق "فادي صقر" والأحاديث العلنية عن فسادهما وصفقاتهما، وعن تجريدهما من صلاحياتهما، بل وربما اعتقالهما.

بل إن تسلسل الأحداث يثبت حيوية وعمق العلاقة بين "نعال" و"صقر"، وهي العلاقة التي أغدقت على نعال (المسجل لدى غرفة تجارة دمشق بصفة تاجر خردوات حديدية وأسلاك!) جبالا من الأموال بداية، لكنها كانت في الختام وبالا عليه وعلى شركائه العلنيين والمخفيين، في "مول قاسيون" وفيما سواه، وهو ما سنعرضه بمزيد من الاستفاضة غدا، عبر الجزء الثاني من تحقيقنا.


إيثار عبد الحق-زمان الوصل-خاص
(34)    هل أعجبتك المقالة (41)

2017-08-05

ان بعض الظن اثم وبعتقد انك مؤجور لغاية وإذا عندك هل ذكاء مول قاسيون خلصنا منو عطينا عن شي جديد معاد في الا هل مول.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي