أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

(حسيبة) بطرس.. (ضجر) عبد الحميد.. سينما الكآبة والإحباط!

شكلت الأفلام السورية المشاركة في مهرجان دمشق السينمائي السادس عشر، صدمة للكثيرين، وكان الخروج بخفي حنين هو أبرز العناوين التي تختصر انتاجاً محلياً حديثاً لم يستطع أن يصمد لحظة واحدة في تلك التظاهرة التي جمعت قمم السينما العالمية التي تقاطرت من مختلف المناطق والبلدان!..

كان من الواضح أن الدعاية التي سبقت الأفلام السورية هي أكبر بكثير مما شاهدناه في صالات العرض، فالهزال والضعف هو أقل الصفات التي يمكن أن توصف بها إما لوقوعها في مطب التكرار وعدم الجدّة والتجديد، أو لأنها بدت في بعض الأحيان قريبة من الدراما التلفزيونية إنما بحلقة طويلة دفعت الجمهور إلى الملل وأحياناً الانسحاب من متابعة العرض المتثاقل والبطيء كأنه يمشي على عكاز!.. ‏

(حسيبة) ريمون بطرس

اختار ريمون بطرس أن يعيد تجربة (حسيبة) التي سبق وأن قدمت تلفزيونياً، وكان غريباً بالفعل أن يكرر مادة قد استُهلكت سلفاً ورمت بكامل أوراقها لتقف مجردة خاوية هكذا في صالات العرض، فلا سلاف فواخرجي النجمة استطاعت انقاذ الفيلم من المطبات الكثيرة في الحوار والسيناريو وتتالي المشاهد المبتورة في النصف الأول من الفيلم، ولا طبيعة الموضوع الذي انطوى طوعاً تحت عباءة التكرار والاعتياد وانعدام الابتكار، فكان من الطبيعي أن نحصل على المزيد من الضآلة والاحباط!. ‏

لم يستطع الممثل النجم الذي هو هنا سلاف فواخرجي أن ينقل الفيلم إلى غرف الانعاش، فإعلان الوفاة أعتقد أنها قد أُشهرت سلفاً منذ الخطوة الأولى حين ارتأى بطرس أن ينتج فيلماً يسميه(رسالة حب إلى نساء دمشق) تلك النساء اللواتي يقدّمن مرة على أنهن جاريات وأخرى على أنهن ثائرات متحررات! ‏

كان من الممكن أن يتم تسويق الموضوع المنتهي الصلاحية في (حسيبة) لو توفرت له الحوامل المفترضة لأي عمل سينمائي يحاول أن يغرد خارج السرب ليكسر المألوف ولو على صعيد الكاميرا فقط، وكان من المستغرب بالفعل أن الكاميرا السينمائية التي هي إحدى أهم الحوامل في هذا الفن، ظهرت عاجزة قاصرة كأنها تقف على الحياد، فبعد أن غسلنا أيدينا من بقية الميزات كان أملنا أن نحصل على تلك اللقطات النادرة التي تدفعنا كي نقول يا الله، لكن دون جدوى، فالمشاهد أصرّت أن تكون تلفزيونية بامتياز ابتداء من النصف الأول من الفيلم الذي بدا مبتوراً في حواره وانسجام مشاهده إلى النصف الثاني الذي ظهر مملاً بطيئاً لا يتضمن أية إثارة أو تصعيد في الأحداث ..هكذا كي يلفّ الهزال الفيلم من معظم الجوانب: لا سيناريو ولا كاميرا ولا موضوعاً جديداً.. فقط سلاف فواخرجي التي كان عليها إنقاذ الزير الذي كان قد استقرّ في قعر البئر وانتهى الموضوع!.. ‏

كنت أتساءل دوماً عن ذلك الرجوع الطوعي باتجاه الماضي، والإصرار على أن للقصة إسقاطات ثقافية وحضارية عميقة يمكن أن تقال في الندوات والتنظيرات دون أن نجد لها أثراً يذكر سينمائياً في الفيلم.. حتى إن المشهد الأخير الذي اختير كخاتمة للفيلم حيث تموت حسيبة فوق البحرة في مشهد أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه يبعث على الضحك!.. حتى في المشاهد الأولى كان على الجمهور أن يركز كثيراً كي يكتشف العلاقة بين المشاهد المبعثرة والحوار المبتور الذي أظهر الشخصيات هزيلة وضعيفة تحمل أكثر من طاقتها وأكبر مثل على ذلك حسيبة نفسها، فبناؤها لم يكن مكتملاً منذ البداية بحيث أنها ظهرت أصغر من المواقف التي تأخذها، أو متناقضة مع ما تم تسويقه عنها في بداية العرض، والمسؤولية يتحملها السيناريو المتعثر هنا إضافة إلى الكاميرا التي لم تستطع حمل أعباء مطبّات الحوار!.. ‏

(ضجر) عبد الحميد!

شاء عبد اللطيف عبد الحميد إعادة إخراج فيلمه الشهير (رسائل شفهية) إنما بقالب مختلف بعض الشيء هذه المرة!.. وكنت أتساءل بالفعل: هل سُدت الدنيا أمام عبد الحميد كي يعود طوعاً إلى دفاتره القديمة، أم أن هناك إشكالية أخرى في هذا الإطار؟ فرغم أن الفيلم امتاز بالإثارة وعدم البطء في تتالي المشاهد والمحافظة على انتباه الجمهور، إنما لم يستطع الدفع بالدهشة كي تظهر على وجوه الجمهور حتى على صعيد الكاميرا التي تميزت في عدة مشاهد لكنها عادت إلى الإذعان والتوثيق والجمود!.. ‏

لم تستطع اللهجة أن تتحمل وزر القصة الضعيفة أصلاً، وكانت المفارقة أن يتحدث الأبناء بلهجة والأبوين بأخرى في حالة لم أعرف تبريرها شخصياً، كما كان على الكوميديا والمفارقات التي حفل بها الفيلم أن تتحمل عثراته الزاخرة على صعيد الكاميرا وموضوع الفيلم والفكرة بالأساس، حتى الصوت الذي كان يظهر الشاحنات وهي تمر في أواخر الليل كان يبدو أقوى من الكاميرا التي كان بإمكانها أن تفعل الكثير في هذا الإطار!.. ‏

ربما يكون من سوء حظ السينما السورية هنا، مقارنتها بأهم الأفلام العالمية التي كانت متاحة في المهرجان أمام الجمهور الذي لم يعد يقبل بأي شيء، إلا إذا اعتبرنا أن ذلك الانتاج هو أضعف الإيمان وهو أكثر ما يمكن الوصول إليه في واقع سينمائي لا يسرّ أحداً على الإطلاق.. لكن الأمر في النهاية مرتبط بإنتاج فيلم سوف ينظر إليه بشكل مجرد بعيداً عن كل تلك الظروف.. وكنت أستغرب بالفعل تلك التبشيرات بازدهار السينما السورية في المستقبل القريب، مقابل تلك الأفلام التي تعود القهقرى عن طيب خاطر وراحة ضمير!.. ‏

من الواضح أن السينما السورية تحتاج إلى وجوه جديدة وواقع جديد، فعملية الانزياح باتجاه الماضي تبدو غريبة وتثير التساؤل إلى أبعد الحدود، هنا حيث لم نحصل في المهرجان على أي شعور بالمواكبة ولم نتمكن من اكتشاف أي ضفاف مختلفة تضاف إلى الذائقة التي ظهرت عزلاء خاوية تواجه العالم بلا أدوات حديثة تساهم في خروج السينما من غرفة الانعاش كأضعف الإيمان.. لا كاميرا.. لا حوار.. ولا أفكار.. فقط كمّ هائل من الخذلان والخيبة كسر

زيد قطريب
(70)    هل أعجبتك المقالة (64)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي