أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"وحيدون جداً".. من معايشات الطبيبة السويدية "لينا ميرتز" في سراقب الثورة

أن تمشي من المشفى وتعبر المدينة، يشبه المشي في مسرح جريمة هائلة - ارشيف - الصور أدناه من عدة مدن سورية

الثورة السورية في عامها الرابع الآن، وفي ظل هجمات تنظيم داعش على المناطق الكردية في سوريا والعراق، يواصل نظام الأسد قصف المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، لإجبارها على الخضوع. نشطاء المعارضة والمواطنون العاديون في بلدة سراقب السورية يعلقون على صمت العالم:


وليد تامر، مختص بالكيمياء الحيوية السريرية ومدير مختبر، يقول بأنه مرتاح إلى أن أطفاله لم يشتبهوا بأي شيء عندما تظاهر بالغضب وطلب منهم أن يذهبوا الى غرفهم. فاطمة عصفور، زوجة وليد وأنا بدأنا بتحضير البوشار، وغرس الطشيش في قالب الكاتو، وتجهيز قناني المشروبات الغازية، في حين كان وليد يلتقط فتات الطعام من السجاد ويمد شرشف أكل جميلاً في أرضية غرفة المعيشة. شادن لا تعلم أن اليوم هو عيد ميلادها. عندما عادت إلى غرفة المعيشة هي وأخوتها ورأوا التحضيرات تألق وجهها سعادة. وحين بدأ مالك وزياد التشاجر حول القطعة الأخيرة من قالب الكاتو سمعنا صوت الطائرة يقترب منّا. صرخ وليد:
- أطفئوا الأنوار.. مشان الله مالك، أطفئ النور.

جلسنا على شكل دائرة، متربعين على الأرض ونحن نسمع صوت اقتراب الطائرة وهي تعبرنا، لتعود مرة أخرى، وتبتعد من جديد باتجاه الجنوب. تأخذ فاطمة بيدي وهي تقول مبتسمة: نحن معاً الآن، حيث نريد أن نكون. إنها ليست اللحظة السيئة للموت.

أضاءت فاطمة النور بعدما اختفى صوت الطائرة تماما. التقط وليد، جهاز اللاسلكي عن الطاولة، وهو نادراً ما يضعه من يده، وراح يبحث عن التردد المطلوب. صوت أحد الثوار يرتفع عالياً على اللاسلكي وهو يبلغ عن إلقاء برميل متفجر على حلب، برميل آخر وآخر.

صور ساكني حلب الجالسين حول مائدة الطعام، الأطفال الذين يقفزون على ركبتي والديهم قبل أن تفرقهم ممزقين شظايا قنبلة. 

نحن نعرف ما يفكر به الآخر، فكرنا وتحدثنا عن هذا مرات عديدة، نحن الآن نجلس بصمت فقط، ونشعر كيف كانت تكبر حبات البوشار المتبقية في فمنا، عانقت شادن التي أكملت الآن الـ 11 عاماً.

*حرب الجبهتين
تقع سراقب في شمال غرب سوريا، ويقطنها 50000 نسمة، ولأنها مهملة اقتصادياً وسياسياً ولا تربطها صلات قوية مع نظام البعث، انضمت سراقب وبسرعة إلى الإنتفاضة الشعبية في ربيع عام 2011.
الشعارات تطورت بسرعة من المطالبة بالإصلاح الاقتصادي ورفع حالة الطوارئ إلى إسقاط النظام.

قوبلت التظاهرات بعنف شديد، مما دفع العسكريين والشباب من سكان المنطقة إلى الانشقاق، ومن ثم نظموا أنفسهم عسكرياً.

بعد قتال عنيف وثمانية أشهر من احتلال عسكري قاس تحررت المدينة من سيطرة النظام في نوفمبر تشرين الثأني 2012.


في ربيع 2014 أُخرِجتْ داعش من المدينة، سراقب الآن تحت حماية عسكرية من قبل ائتلاف مجموعات عسكرية تحت اسم الجيش السوري الحر.

منذ تحرير سراقب ونظام الأسد مستمر بقصف أهداف مدنية في المدينة بالبراميل المتفجرة والصواريخ، وكذلك استخدام السلاح الكيماوي وللمرة الأولى في النزاع. لا يقل عن 900 شخص لقوا حتفهم، والمئات فروا أو قبض عليهم واختفوا.

وجهات النظر حول داعش متباينة، فالبعض يرى أن احتلالها للمدينة، وشرطة آدابها بأفرادها الأجانب، كان أكثر سوءا بالمقارنة مع ما كان عليه الحال أثناء سيطرة النظام. البعض الآخر يقول إن تواجد التنظيم له فوائد.

- أثناء وجود داعش في المدينة لم نتعرض للقصف بنفس القدر، وهذا ما يوضح من الذي أوجد التنظيم. يقول عماد قنطار، ميكانيكي سيارات ومقاتل في الجيش الحر من سراقب، وهو ليس الوحيد في سراقب الذي يشتبه بذلك. الكثيرون من سكان سراقب يعتقدون أن نظام الأسد ساعد على تشكيل داعش من خلال إطلاق سراح إسلاميين متطرفين، وبشكل مقصود، كانوا معتقلين في سجن صيدنايا قبل اندلاع الثورة بقليل.

البعض يقول: حتى لو أن النظام لم يشكل تنظيم داعش بشكل مباشر، إلا أن هذا التنظيم يخدم النظام لكونه العدو الإسلامي المناسب الذي ادعى الأسد طوال الوقت أنه وراء الانتفاضة.

*ما بين اليأس والامل
- غالباً لا يرغب أحد بالتحدث عن داعش.
- هم غير موجودين بعد، وغير مرحَّب بعودتهم، معظمهم ليسوا سوريين، هل يمكننا التحدث عن المشاكل الواقعية الآن؟ سأل المحامي رامي نجار بنبرة خطابية عندما لاحظ أن النقاش بين الأصدقاء قد انحرف عن مجراه.
- التوتر سائد دائما في هذه المدينة، نصفنا شيوعيون ونصفنا الآخر إخوان مسلمون، ومن حسن الحظ أن هناك من لا يزال على قيد الحياة بعد التصفيات التي قام بها النظام في الثمانينيات.
رامي أنيق دائماً، برباط عنقه وسترته الجلدية البنية المهترئة، يحسب نفسه على الشيوعيين، ويشعر بخيبة كبيرة من اليسار الأوروبي والعالمي.
- أنا آسف ولا تأخذي كلامي هذا بشكل شخصي، ولكني فقدت احترامي لكم. 
يقول رامي بأن الثورة تعني حق الشخص في تكوين حياته، وأن يكون شريكاً في قرار تشكيل مجتمعه، وأن يتقاسم هذا الحق مع الآخرين وبالشروط نفسها.
- تعني أيضاً وبالتأكيد، العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الموارد، ولكن يا للجحيم، نحن الآن في حالة حرب، ومشغولون بالمطالبة بحقنا في البقاء على قيد الحياة. 
نور بلكيش زوجة رامي تقاطعه قائلة:
- الأكثر إزعاجاً هو إدعاءات اليسار العالمي بأننا نعمل لمصلحة الإمبريالية، طيب، ادعمونا لنتجنب هذا، هم يركزون على اللاعبين الكبار الى حد العمى عن مشاهدتنا نحن الذين بدأنا كل شيء، وهم لا يروننا إلاعند نقدنا فقط، إذا اردتُ تسمية هذا الشيء فسأسميه إمبريالية.

رامي يومئ برأسه موافقاً ويقول:

- الحرب الباردة انتهت، نرحب بكم في عام 2014.

وليد يضع يده على ذراع صديقه مطمئناً ويعترض قائلاً إن هناك الآن ما لا يقل عن أربعة مجالس محلية يدعون أنهم يمثلون سكان سراقب، وإنه من غيرالمستغرب في هذه الظروف أن الحلفاء الأجانب، سواء كانوا ناشطين أو حكومات، لا يعرفون مع من يتواصلون.
- بودي تزويدهم برقم موبايلي، ولكنه لا يعمل، هل يكفي السكايب؟ يكمل وليد ويضحك.
- لنكن جديين، يقاطعه رامي، لا يهم من يحصل على المساعدة، الأهم هو أن تأتي. 

سهير غانم معارضة ناشطة في حقل التمريض ومنظِّمة للعمل النسائي، لا توافقه الرأي، سهير ترى أن المساعدات المشروطة من الخارج جنباً إلى جنب مع دعاية النظام عن الطائفية هما على وجه التحديد ما استحضر الحرب الأهلية وعمل ضد أهداف الثورة.

- إن بقينا وحدنا فلا أمل لنا، لهذا طلبنا المساعدة. ربما كنا ساذجين بعض الشيء، مغرمين بثورتنا لدرجة أننا لم نعِ أن الآخرين سوف يسيئون لها. الآن وبعد أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، ربما كان من الأفضل لو أن الجميع تجاهلنا... وأنا أعلم ما يقوله أخي والآخرون من أنه ينبغي علينا الإطاحة بالأسد الآن، وسنعمل على ما تبقى فيما بعد، ولكن في الحقيقة أنا أشك بصحة هذا الكلام، لأنه حصل الكثير من الضرر. بالنسبة لي فإن الثورة ضاعت. ولكني ما زلت أؤمن بشعبي... بالإضافة إلى أن المرء لا يترك بلداً هو من أشعل النار فيها.


سهير تعتقد بأن السبب الأول لعدم التضامن مع المعارضة هو تخوف القوى العظمى على إسرائيل في حال تغير الأسد. النظام الجديد لن يكون مشلولاً تجاه اسرائيل مثلما كان حزب البعث، بغض النظر عن التصريحات القوية التي أطلقها الأسد على مر السنين.

- من الواضح أنهم يريدون بسط سيطرتهم علينا، يريدون التأكد من أننا سنصبح حكومة موالية للغرب. ولكن ألا تفهمين؟ المعارضة في بلادكم لا تثق بنا، وهذا هو الأكثر إيلاماً لنا، وعلى ما أعتقد فإن سبب عدم الثقة هذا هو كوننا مسلمين، أي غير مؤهلين للديمقراطية، قالت سهير ذلك وهي تتنهد بمرارة.
طارق خوري صديق سهير المعتقل الآن*، التقيته للمرة الأولى في أنطاكيا التركية، يومها خدعني بقوله إننا قبل أن نتسلل عبر الحدود إلى سوريا سوف نقوم بعمل ضروري من أجل الثورة، ليتضح لي فيما بعد أنه يريد شراء هدية لخطيبته.

قضينا أربع ساعات في تمشيط المدينة القديمة بحثاً عن كنزة لخطيبته بلون أحمر محدد الدرجة، في طريق السفر بدأ طارق بالشتم على تهريب النفط الذي يجري بشكل مكشوف على الحدود التركية السورية، آلاف الأنابيب الملتوية في خنادق وعلى رؤوس الأشجار لتنتهي إلى صهاريج شحن. لم نقم بالثورة من أجل أن نصبح أغنياء ومن خلال سرقة شعبنا، كان لدينا ما يكفي من مثل هذه الممارسات سابقاً.

من الصعوبة معرفة حقيقة مزاج طارق. ذات يوم ألقى نفسه على الطراحات في بيت وليد، وحدق بي قائلاً: إذا قال لك أحد ما بأن الثورة قائمة فلا تصدقيه، الثورة ماتت، ماتت.
في يوم آخر كان متألِّقاً ومفعماً بالتفاؤل والثقة بالمستقبل، وذلك بسبب نقاش عام مفتوح في البلدية أو أخبار جيدة في قناة العربية. هذه اللحظات من الشكوك الدرامية التي يمر بها طارق جعله أحد الأشخاص الذين أثق بهم.

آخر مرة التقيت بطارق كان متزوجاً حديثاً، سعيداً ويبدو كعاشق جديد بالرغم من عشر سنوات من العلاقة. زوجته من حلب، أي على بعد 50 كيلومتراً عنه فقط، ولكنه عالم مختلف تماماً كونه تحت سيطرة النظام.

لم تكن زوجته معتادة على القصف، ولهذا كانت ترمي نفسها خلف ظهره كلما اقتربت طائرة حربية. رفضت أن تنتقل للعيش معه بشكل دائم، واستمر هو في السفر ذهاباً وإياباً، من الثورة إلى الزوجة، أي من حب إلى حب آخر.


قبل شهرين تم اعتقال طارق عند حاجز داخل حلب، بقينا على الأمل. طارق مع عقله النقدي يقوم الأن بتأليف عمل عظيم، وسيتم تهريب هذا العمل الى خارج السجن على ورق السجائر.

آخر ما سمعناه عنه من ابنة عمه جميلة خوري هو أنه تم نقله إلى دمشق، وتقول إنها لم تعد تأمل بأنه على قيد الحياة، بل تأمل بأنه مات بسرعة.

هذا أفضل من أن يعلَّق على خطاف الذبائح في معتقَلٍ ما.

*مع حق الاختلاف أحياناً
جميلة تنام خمس ساعات في اليوم، وتأكل البطاطا المقلية وحساء الشعيرية فقط، وغالباً ما تعمل أربعة عشر يوماً بشكل متواصل. نحيلة ولكن مع عيون متوهجة وأصابع رشيقة. تراها تتراكض لتوصل أنابيب السيروم وتنظم دخول السيارات في المدخل الرئيسي وتواسي المحتضرين في مشفى الشفاء، واحد من اثنين من المستشفيات في سراقب.

أثناء تواجد النظام في المدينة كان المستشفى يقتحم دائماً، يعتقلون المعارضين المرضى الذين بداخله أو يطلقون النار عليهم وهم في أسرتهم.

توقفت أيضاً العمليات الجراحية للمدنيين لإفساح المجال لمعالجة جنود النظام. الأقارب القلقون حملوا مرضاهم إلى بيوتهم وخراطيم السيروم لا تزال معلقة في أذرعتهم. جدران المشفى لا تزال مسكونة بالرعب.


كنا ليلاً نستلقي على سرير جميلة في غرفة الممرضات ونشاهد صورها وهي بكامل مكياجها وبدون حجاب، وأنا أتنهد غبطةً. هكذا كانت طقوس نومنا، جميلة لا ترغب التحدث في السياسة.

في استراحة التدخين كانت الممرضات، يحتججن على "سلبطات" الجيش الحر بصوت عال لضمان أن رجال الجيش الحر الواقفين في الطرف الآخر من الشارع سيسمعون، وكذلك عندما يكون عناصر الجيش الحرّ في المشفى يمشون جيئة وذهابا قلقين خارج غرفة العمليات،. تضيف جميلة مستهجنة: في الحقيقة لم يجرؤن في السابق على إنتقاد النظام هكذا و بشكل علني.

- سراقب بلدة صغيرة. ومن حقنا أن لا نتفق دائماً، ولكننا على الأقل نتحاور ولا يطلق بعضنا النار على بعض. نحن حالياً نستكشف حريتنا الجديدة، وسوف نستغرق وقتاً للعثور على صيغة ما لها.

المظاهرات نظمت ضد المجلس المحلي المشكَّل حديثاً للمطالبة بشفافية أكبر، ولإجراء انتخابات جديدة، والحوارت السياسية منتشرة الآن أكثر.

بعد ظهر أحد الأيام، قمت بزيارة وليد تامر في مختبره في مركز المدينة الذي أعيد بناؤه بسرعة بعد أن حرق النظام و دمر معظم واجهات محلاته قبل أن ينسحب منها. وليد كان يشرب القهوة مع رجل قريب من عمره. أخذوا بالضحك عندما رأو تعابير وجهي حين قدم لي وليد صديقَه أحمد شمعون على أنه رئيس لجهاز الأمن في حزب البعث في سراقب. أحمرَّ وجه أحمد وباشر بالاعتذر.

- تعلمنا، قبل الثورة، على الخداع، والسرقة، والأخذ من الآخرين. كنا ممنوعين حتى من مجرد التفكير بخيارات أخرى. كان القصد أن لا يثق بعضنا ببعض، أن لا نفكر بشكل واعٍ. الآن الأمر مختلف. أنا أرفض أن أفعل ما يطلبه النظام مني.

وليد تامر وأحمد شمعون درسا في نفس الصف في المدرسة منذ المرحلة الإبتدائية ، ومنذ ذلك الحين، ووليد لا يجرؤ على التعامل مع أحمد إلا على مستوى المجاملات السطحية. يصف لي الناس في سراقب كيف أن الأزواج، والأشقاء، وزملاء العمل خلال الثورة تعرفوا من جديد على بعضهم البعض . يقول أحمد إنه وعلى الرغم من تاريخه السابق فهو يشعر بالأمان في سراقب اليوم.

يرى الناس الخطر الذي اتخذته بقراري في البقاء في سراقب، والذي أتخذه آخرون أيضاً. نحن لسنا شعباً حاقداً، وبإمكاننا تغيير أنفسنا. لقد اكتشفنا كم هو ممتع أن نرى الأشياء بشكل مختلف.
رحلة الايديولوجيا السياسية الاستكشافية التي نمر بها في ما بيننا تتنحى باستمرار جانباً لصالح المشاكل العملية اليومية. معظم الأسر لديها كهرباء أربع ساعات يومياً ومن بعدها يبدأ العمل بمولدات الحارات، وقد كان ذلك نتيجة لعمل جماعي كثير, هذا العمل الجماعي عملياً هو وراء كل الخدمات القائمة. المشفى وبعض الأماكن الأخرى هي الوحيدة المتاح لها جزء من الكهرباء الحكومية، بالإضافة إلى مولدين احتياطيين، ولهذا فإن المشفى وسائقي السيارات الذين يجرؤون على استخدام أضواء مركباتهم ليلاً عادة هم المستهدفون في هجمات النظام الليلية.


ثورة، لا انقلاب
كثيراً ما تتحدث جميلة خوري ووليد تامر عن الحاجة إلى الوقت والدعم غير المشروط لتحقيق أهداف الثورة ونجاحها. فكرة أن الثورةعبارة عن مسار وليست خطة مرسومة من الألف إلى الياء تتكرر في احاديث نشطاء المعارضة والمناضلين والمدنيين في سراقب. محمد ديب، عامل بناء عاد من أوروبا بعد وقت قصير من إندلاع الثورة للانضمام إلى صفوفها على امل أن يخلق لنفسه حياة في وطنه الذي كان يشعره ضيقاً طوال الوقت، يوضح قائلا:

- يبدو أنكم تعتقدون بأن الثورة هي نص مسرحي، أمر خططنا له ونعرف بالضبط ما هي نهايته. هذا ما يحصل في الانقلابات العسكرية ولكن ليس في الثورة!

يقول محمد أن الثورة السورية هي ثورة بلا قيادة، إنتفاضة أجبرت على التكيف مع الاعتداءات الوحشية والاعتقالات الجماعية، وحالات الاختفاء والتعذيب، وكذلك مواقف الحكومات الأجنبية المضادة.

نظام الأسد يلقي براميل متفجرة علينا وعلى أطفالنا من طائرات الهليكوبتر، ومن ثم يذهبون إلى مطعم لتناول وجبة العشاء.هذه حرب طبقية، إن لم تدركي أن هذه حرب طبقية فلن يفيد أي شيئ أقوله. 

اثنان من المجندين الأجانب في المعارضة ما زالا يعيشان في سراقب بعد أن تركا داعش والتحقا بالجيش الحر. هما يتحدثان الفرنسية، واكتشفنا بأننا سوية معجبون بالفيلسوف السياسي فوكو. أحدهما بلحية طويلة يرتدي اللباس العسكري الكاكي وإلى جانبه بندقية، يقول فجأة::

- أليس مضحكاً أن معظم الناس هنا لم يسمعوا بفوكو، ولكنهم يفهمونه أفضل من زملاء دراستي القدامى؟ نحن نتحدث عن السلطة، لكننا لا نفهمها تماماً. هم يعرفون أن الأخبار التي تظهر على التلفزيون منتقاة لتناسب خطاباً معيناً، خطاباً يقول بأنه لايوجد حقيقة خارج موازين السلطة.
المجند الآخر نحيف وحليق بنطارات مدورة الشكل وآيباد بطنين مستمر .

- هل هناك حقاً تفسير منطقي، لماذا يعتقد اليسار أن المظاهرات المساندة لقطاع غزة صحيحة، ولكنها من أجل سوريا ليست كذلك؟ منذ متى حماس وفتح تحملان الايديولوجية الاشتراكية؟ هذا توجه وقرارمنكم، أنتم الأوروبيين، اتخذتموه بدون أن تدركوا لماذا.

*الطقس جميل
في حالة عدم وجود شيء فعال يغير وبشكل جذري موازين القوى على الأرض تصبح الحياة صعبة أكثر فأكثر. الذين لديهم إمكانيات مادية هربوا إلى خارج البلد أو بنوا منازل خارج مركز المدينة، حيث خطر القصف الجوي أقل. فاطمة عصفور تعاني من تأنيب ضمير دائم، أحيانا بسبب بقائها وتعريض أطفالها لصدمات الحرب النفسية، وأحيانا أخرى لأنها خذلت من بقي في وسط المدينة.

- أريد أن يشعر أطفالي بالفرح والحزن كالأطفال العاديين، لا ينبغي أن ينغلقوا على أنفسهم لحمايتها. لهذا السبب نحن انتقلنا.

ريم الابنة الأكبر لفاطمة تتوقف عن التنفس عندما تسمع صوت طائرة حربية. تبدأ شفتاها بالازرقاق، فنقوم بتديلك ظهرها. وليد يسجِّل صوت الطائرة الحربية لتستمع الفتيات إليه وهنَّ يلعبن مع القط، لعلَّهنَّ يعتدنَ على الصوت في حالات القلق. ولكن لا يمكن لأي تسجيل أن يتوسط لنقل الشعور الذي يخالج المرء عندما تحوم الطائرة المروحية فوقه وهي تستعدّ لإلقاء البرميل المتفجر.

أولئك الذين لا يستطيعون بناء المنازل في الارياف ينصبون هناك، وعلى أرض مسطحة، الخيام المقدمة من الهلال الأحمر، و الفقراء حقاً يمشون أو يدفعون أجراً باهظاً من أجل الخروج إلى الحقول، ليجلسوا تحت أشجار الزيتون من الفجر حتى الغسق. الحياة كلها تسير على مهَل. كل صباح في الطريق إلى العمل يمر وليد بمحاذاة فتيان في سن المراهقة يجلسون على قارعة الطريق يقرأون في كتبهم المدرسية. منذ أكثر من سنتين لم يذهبوا إلى المدرسة، وهم يحاولون وبشكل يائس تعويض ما فاتهم. الشمس تحرق رقابهم ولكن هذا بالنسبة لهم أفضل من الجلوس في المنزل وعدم القدرة على التركيز بسبب الخوف من أن السقف يمكن أن يسقط عليهم في أي لحظة.

أن تمشي من المشفى وتعبر المدينة، يشبه المشي في مسرح جريمة هائلة. بقايا المنازل في كل مكان، ملتوية وكأنها تلتف على نفسها من الألم. وفي كل مكان هناك ذكرى للذين استشهدوا. كما موقف السيارات أمام المستشفى، حيث كانت جميلة خوري تقف الى جانب الطبيب حسام باسم تحت شجرة الزيتون وهو يدخن. كانت الساعة التاسعة ليلاً. أخذت جميلة خطوتين إلى الأمام قبل أن يسقط الصاروخ على شجرة الزيتون ليدمِّر الشجرة ويقتل حسام. كانت جميلة واحدة من أولئك الذين، والدموع في عينيها، حاولوا عبثاً أن يعيدوا الحياة الى زميلهم وصديقهم في غرفة الطوارئ. استغرق الأمر منهم وقتاً طويلاً لقبول أن كل هذه المحاولات غير مجدية. 

كنا نجلس حول الحفرة التي حدّدت آخر لحظات حسام، ونأكل الخوخ الأخضر ونستمع إلى أغاني سهير غانم.
تقول جميلة:

- لا يمكن تجنب مثل هذه الأماكن. يجب جعلهم من أماكنك الخاصة.

أنا وكوبرا، أحد النشطاء الرئيسيين في المدينة، نقود السيارة بعد العمل في شوارع المدينة، ونلتقط الصور.. قبور تليها قبور. أحد الشوارع شهد 27 حالة وفاة، بينهم 18 مدنياً. في الشارع المجاور له تقع المقبرة المخصصة لأولئك الذين قتلوا خلال الثورة.

في هذه المقبرة وعلى شاهدة كبيرة من الحجر الأبيض محفور أحد عشر اسماً، كانوا تسعة أطفال في السيارة مع والديهم عندما سقطت القذيفة عليهم. قضى "كوبرا" وصديقه عدة ساعات في جمع ما تبقى من رماد وأشلاء الأطفال ووضعهم في أكياس بلاستيكية، كيس لكل طفل. عانى "كوبرا" من الكوابيس ليال عديدة أنه وضع رأس مع ذراع لطفل آخر.عندما خرجنا من السيارة لالتقاط صور أفضل لمدرسة مهدمة من القصف، سمعنا خبطة دويٍّ مكتوم. ليس واضحا من أين. هذا لن يحدث اليوم.

- ما هذا الطقس الجميل! الكثير من الغيوم! أشرق وجه صديقتي فاطمة صباح هذا اليوم عندما شاهدت السماء بلونها الرمادي. كثرة الغيوم تعني مجال رؤية سيء بالنسية للطيارين العسكريين، وبالتالي خطر القصف أقل. ولكن وبالرغم من ذلك يحدث الأن. "كوبرا"وبحركة لا واعية يفرك أسفل أذنية بمعصم يديه، كما يفعل الناس عندما يستعدون لفقدانها. 

- نحن وحيدون. نحن وحيدون جداً جداً، تمتم "كوبرا" عندما غادرنا المكان ونحن نقود السيارة بأضواء مطفأة.

* بعد كتابة هذا المقال أُفرِج عن طارق خوري وهو الآن فخور بأنه أصبح أباً.

عن الصحيفة السويدية "مانا"، ترجمة: ناديا دريعي
(40)    هل أعجبتك المقالة (38)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي