أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

معرض للفنان فاتح المدرس في الذكرى التاسعة لرحيله

معرض للفنان فاتح المدرس في الذكرى التاسعة لرحيله


عندما تدخل معرض الفنان التشكيلي الراحل فاتح المدرس تطل عليك لوحات فنية خاصة لم تعرض سابقا، وأخرى عُرضت في معارض مختلفة، لوحات جميلة بألوانها وخطوطها الساحرة المستمدة من الريف الشمالي في سوريا، ذلك الريف الذي شكل مخزونا لا ينضب لفاتح المدرس بكل ما فيه من أحزان وهموم وأفراح عايشها خلال طفولته.
إحدى اللوحات تتحدث بألوانها الشرقية عن ذلك الريف بفلاحيه وشمسه وحقوله الخصبة.. هذه الذاكرة الريفية كما الأسطورة كانت حاضرة بقوة في لوحات المدرس الذي بقي متمسكا بهويته الشرقية مرتكزا على تراث بلده الممتد إلى آلاف السنين، رغم دراسته في إيطاليا وفرنسا. وهو ما جعله يشكل أحد أبرز المفاصل المهمة في الحركة التشكيلية السورية.
وهنا يقول المدرس: «بداية تعرفي على الأشكال المحيطة بي كانت رائعة، لأنني عشت طفولتي في ريف الشمال. هذا المكسب التجريبي في طفولتي كان الزاد الذي لا ينتهي للغد».
كما تروي لنا إحدى اللوحات الحزينة قصة ذلك الإنسان الدرويش المسكين في لوحة كبيرة رسمها فاتح على جدار مرسمه، ونشاهد لوحات أخرى عالجت قضايا إنسانية وفلسفية تعكس مواقف المدرس الثابتة ومبادئه، التي تعبر عن مدى الالتزام الصادق للمدرس تجاه قضايا وطنه وأمته العربية من لبنان إلى فلسطين ومسألة الحرية... إلخ، وقد سئل المدرس يوما ما عن هذا الالتزام، فكان جوابه: أنا لا ألعب.
ويشد انتباهك في هذا المرسم أيضا عبارات هي أقرب إلى الحكم، كتبها المدرس بخط يده وعلقها على جدران مرسمه، وكتب كثيرة تكدست فوق بعضها البعض، كتابات فلسفية تعبر عن موقف ما تجاه الحياة والإنسان.. كتلك العبارة التي تقول: «أنا أرسم أشكالا موجودة في حيز ما زماني أو مكاني، أشكالا يتوق إلى رؤيتها العقل، لأنه يعتقد بوجودها، ويصعب العثور عليها». وأخرى كتبها المدرس عام 1997 تقول: «ليس من صالح الإنسان أن تصلحه، وإن فعلت ذلك مات الإنسان!».
زوجة الفنان الراحل والمشرفة على المعرض شكران الإمام قالت في حديثها لـ «العرب»: افتُتح هذه المرسم أمام الزوار والأصدقاء عام 2000، وأقيمت فيه العديد من المعارض لفنانين سوريين وعرب وأجانب، ويقام المعرض كل عام بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة الراحل التي تصادف منتصف كل عام، وسيقام معرض آخر خلال احتفالية دمشق عاصمة الثقافة.
وتحدثت الإمام عن المدرس بقولها: لم يكن فقط رساما بل هو شاعر وكاتب قصة وموسيقي ومثقف كبير.
وقد كان المدرس الذي وُلد في مدينة حلب عام 1922، يعتبر الشعر أهم من الرسم، لعمقه ورؤيته العقلية الواسعة، كما أن الكتابة لديه أصعب من الرسم، ويقول في هذا الصدد: «عندما لا أستطيع أن أرسم رؤيةً ما أكتبها».
وللمدرس العديد من دواوين الشعر، منها: «القمر الشرقي على شاطئ الغرب»و» الزمن الشيء»، كما أن أول مجموعة قصصية صدرت له كانت عام 1980 بعنوان (عود النعنع).
وعن حبه للقراءة والأدب قال فاتح: «كنت لا ألتهم الطعام، بل ألتهم الكتب بالعربية والإنجليزية، وكان من أصدقائي آنذاك عمر أبوريشة وخير الدين الأسدي وسامي الكيالي وأورخان ميسر».
يقع معرض المدرس في مرسمه الذي أمضى فيه حوالي ثلث حياته في ساحة النجمة بدمشق، هذا المرسم الذي كان ملتقى الفنانين والشعراء والكتاب، وأقيمت فيه معارض لأصدقاء الراحل وفنانين آخرين عرب وأجانب كل عام، ولكن تحت اسم فاتح المدرس كما طلبت زوجته ذلك.
يشار إلى أن المدرس تعلم في حلب وإيطاليا وباريس، وعمل مدرساً في كلية الفنون الجميلة، ونقيباً للفنون التشكيلية منذ العام 1981حتى العام 1991. وله دراسات في النقد الفني المعاصر، ومجموعة محاضرات عن فلسفة الفن ونظرياته، وهو عضو جمعية القصة والرواية.
وهو من أهم رموز الحداثة في الحركة التشكيلية العربية، نال العديد من الجوائز العربية والدولية مثل: جائزة استحقاق من المعرض الدولي في جامعة كليفلاند- فلوريدا، الميدالية الذهبية لمجلس الشيوخ الإيطالي، جائزة كرومباكر في جامعة كليفلاند- فلوريدا الولايات المتحدة.
وأعماله مقتناة من قِبَل المتحف الوطني والقصر الجمهوري، والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، والدكتور فالترشيل رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية.
وقد تعرضت لوحاته للتقليد والتزوير من قِبَل بعض الفنانين باعتبارها ذات قيمة فنية عالية إضافة إلى سعرها المرتفع جدا، لكن النقاد اعتبروا أن تقليد لوحات المدرس صعب جدا، بسبب ارتجاليته وعفويته والحساسية المفرطة التي ميزت ألونه وخطوطه.
قال الشاعر بول شاوول في رثاء المدرس: «خسرنا رسام الشعراء وشاعر الرساميين».

دمشق - عمر عبداللطيف
(150)    هل أعجبتك المقالة (158)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي