أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الصحافة، دابةٌ قصيرةٌ يمتطيها من يشاء.. عدنان عبدالرزاق

أتت الثورة، فيما أتت، بمهن لم تعرفها سوريا من ذي قبل، جاءت بحكم الضرورة أو الحاجة، أو ربما لزوم ما تلزم المرحلة، ليتم كثيرون "أمراً كان مفعولا".

فأن تكون سياسياً دون أن يكون لك موقع أو عمل، بل ولا حتى قضية تدافع عنها، وتتيح لك هذه المهنة الصفة، أن تعتاش على دم القتلى ومساعدات اليتامى، فقط لأنك قررت في اجتماع مغلق مع نفسك، أن تكون سياسياً، أو اجتذبك تنظيم ما لاعتبار ما ...فهذا يدلل أنك سوري وفي زمن الربيع العربي.
ولئلا يتوه قارئنا المحترم، يمكنه تذكر الأحزاب والتجمعات والهيئات والمنظمات والائتلافات، وما درت لمتسوليها وعليهم.

بيد أن مهنة أخرى، كانت كدابة قصيرة يركبها كل من لا عمل له، أو سبق لأمه أن تغزلت بوسامته وقوامة لسانه، مهنة كانت الأكثر اختراقاً وانتهاكاً لحرماتها، ربما، لأنها لم توصف يوماً ولم يتم الاعتراف بها، وقت الحكم الديكتاتوري الأسدي، على أنها علم ومهنة، لها أبجديتها ومناهجها وأسرارها، وإن أفلحت قلة أتت من خارج أسوارها.

أو، ربما، لأنها كانت إكسيرا لجل ما جرى وقت "صوفية الثورة" ويجري وقت تشوّهت، فما أسرع من نيران الأحقاد والأماني، لحرق حلم انتظره السوريون لعقود، ودفعوا ثمن وصوله من كرامتهم، ويدفعون لتحقيقه من دمهم وأهليهم وسوريتهم.

إنها الصحافة، التي بدأت بحلة "شاهد العيان" ومن ثم "الناشط" لتنتهي باختلاط، قد يدون إعادة النظر به وفرزه، ضرورة ملحة، ضمن أولويات بناء المجتمع والذهنية الجديدين.

بداية القول: ليس من مهنة حكراً على شيخ كار، يمنح شهادة كفاءة وحسن سلوك لمن يريد العمل، ولكن في الآن عينه، لا يمكن لأي دب أن يولى له حياكة الحرير، ببساطة لأن أنامله لن تساعده، والأهم أن الخسائر لن تقتصر على تشويه الثياب ولا على سمعة الصناعة، بل وعلى بلد بأسره، باتت القوى الناعمة، وعلى رأسها الإعلام، تأخذه يمنة ويسرى وترسم -قسراً– محدداته ومصيره.

كما من المنطق السؤال، لمن يرى ثمة هجوم على "المتصاحفين الجدد". لماذا لم نر نشطاء في مجال الطب وآخرون في مجال الهندسة كما لم تتجرأ منظمة دولية أو مخابراتية، افتتاح ودعم وتمويل مشاف لمن راقت له مهنة الطب، كما فعلوا ولم يزالوا، مع النشطاء الإعلاميين الذين ستحاسبهم الجغرافيا إن صفح عنهم التاريخ ...وكذا من استخدمهم لأهداف غير نبيلة ومهنية.

ثمة فتح وجدلي هنا، إن بدأ من الحاجة بداية الثورة وقت منع نظام الأسد المستبد الكاميرات والصحافيين دخول سوريا لمنع تأريخ جرائمه وطرائق تحويله لسكة ثورة محقة، عن مسارها وسيرورتها، قد لا ينتهي –الجدل– عند بعض الهواة الذين أكدوا موهبة واحترافية، بعد دورات تأهيلية سريعة، أو ربما تدربوا وهم تحت نيران وطيران النظام، فهؤلاء وعلى قلتهم، أثبتوا كفاءة واختلافا، وحصدوا نتائج جديتهم وسعيهم وباتوا، أو معظمهم، في مؤسسات إعلامية كبرى، وهم يستأهلون بداية ونهاية.

مختصر القول: ثمة ضرورة وبالغة الآن، لإيجاد تنظيم ما، وقد يكون قائما فعلياً، يضع أصحاب القرار فيه محددات منطقية وعلمية ومهنية، لتنظيم وتنظيف مهنة المتاعب من التشوهات الكارثية التي شابتها، ويسعى هذا التنظيم لقوننة العمل ووضع ميثاق شرف للتعاطي الإعلامي، وحبذا أن يجد طرائق ما، يلزم عبرها، وبحكم القانون ومصلحة سوريا، من عدم اعتماد المؤسسات ذات الأجندات التقسيمية والدموية لمن يرى مجده يكتمل بظهور تلفزيوني أو بتوقيع مقالة في وسيلة مطبوعة، ويتوعد بمقاضاة كل منظمة أو مخابرات أو دولة، تمول الدكاكين وتغدق على البسطاء العطايا، من حاسوب محمول وكاميرات، أو حتى محطات بث، أكدت الأحداث، أن لها، أو لبعضها، دورا في القتل والاختراق وربما أكثر.

ولا أعتقد من أماني في هذا الطرح، فإن تقدم هذا التنظيم بأمثلة وأدلة، فثمة محاكم دولية كثيرة تترافع عن مصير السوريين، أو على الأقل، يتم النيل من ادعاءات المانحين والأصدقاء، أوالوسائل الإعلامية التي تدعي مناصرة السوريين خلال ثورتهم.

بدأ بعض هؤلاء النشطاء الداخلين مهنة الصحافة من بابها الخلفي، يطالبون بحقوق ويرشقون "أولاد الكار" بالاتهامات، وكأن دخولهم الطارئ ونموهم كما الكمأة دونما جذور، أعطاهم الحق ليطالبوا بالحقوق، ولعل الملفت بالأمر، أن الأطباء والمهندسين والمعلمين وحتى الضباط المنشقين، يعانون في البقاء على قيد الحياة الأمرّين، فبعضهم في الملاجئ وبعضهم غامر عبر البحار وآخرون يعملون في مطابخ مطاعم الدول المجاورة، والسادة النشطاء يجدون من يعقد لهم المؤتمرات ويسمع لشكواهم بعد أن اقتصر فهمهم للإعلام، على المطلبية وعلو نبرة الصوت كما الضفادع.

أكرر لئلا يواجهني ناشط فذ له شعبية، أو ناشطة خلفيتها بارزة، ثمة من أكد أنه أهل وثقة وعمل بمصداقية وكثير حيادية، فنقل صورة مثلى عن الثورة والسوريين، للحد الذي تسابقت عليه مؤسسات إعلامية كبرى، فهؤلاء دونما شك، خارج إطار المستهدفين ونالوا كما قدموا وفهموا وعملوا، ولكن هناك كثر، بعضهم لا يجيد القراءة والكتابة وبعضهم مستعد للتخلي عن كل مبدأ وآخرون تخلوا، كي ينال صفة الإعلامي..ونالها فعلاً، وغدا من "طول اللسان" بحبث يقلع عينيك إن تجاهلت دعوته لمؤتمر أو تجاهلت رأيه أثناء صياغة استراتيجية.

نهاية القول: أعتقد بضرورة السعي لتأسيس ذهنية جديدة ترتقي لمصاف الأثمان التي يدفعها ودفعها وسيدفعها السوريون، ذهنية تبتعد عن فكر الأبوية والرعاية التي نشأنا عليها، ذهنية تؤسس لاقتصاد سوق بمعناه الشمولي، ولأننا نتحدث عن الإعلام وسراقه، ليعرف هؤلاء أن الصحافة صناعة تنتج سلعة لها سعر ومستهلك له ذائقة، فمن يستطع تأسيس منشأة منافسة، فالسوق بتسع الجميع...ولكن على أن لا يعمل الدببة في مهنة الحرير، ببساطة لأن نتائج أصابعهم الناعمة معروفة سلفاً.
وربما للحديث بقية.

من كتاب "زمان الوصل"
(57)    هل أعجبتك المقالة (63)

جلال أبو سليمان -حمص

2014-10-26

أجمل مقال رايته منذ بداية الثورة السورية تحيتي للكاتب وشكرا لزمان الوصل.


صحفي سوري

2014-10-26

مهنة بلا ضوابط ومؤسسات إعلامية تلهث وراء من يحقق أجندتها..بوركت أخي عدنان.


التعليقات (2)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي