أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

النظام السوري راعي القطط والأغنام.. عدنان عبدالرزاق

رسم للفنان علي حمرا - زمان الوصل

يمكننا القول نشكوكم إلى الله، أو "إن لم تستحِ فافعل ما شئت" فتنتهي محاكمة النظام السوري، ولكن قد يكون المقياس تسليمياً أخلاقياً. وربما التسامح هنا، له علاقة "بالجدبنة" لطالما هناك حقوق لغيرك ودماء ليس لأحد مصادرتها وهضم حقوق الأبناء اليتامى والأمهات الثكلى، وثمة حقوق تاريخية لها علاقة بضياع وطن وتركه عرضة للتقسيم في أحسن الأحوال وأقل الحلول كارثية.

رغم "إن لم تستح" تتناسب مع عهر لم يعرفه التاريخ ولم تشهده الجغرافيا يوماً، لكنه متأصل في علوم السياسة، إن لم نقل من بدهياتها، ما لا يمكن إخراجه عن "أمير ميكافيللي" الذي كانت نصيحة وضعه تحت وسادة نوم القائد الوريث، وصية من الوارث.

قصارى القول، منذ أيام خلت، استنفرت سيارات النجدة والإطفاء في دمشق وريفها ليساعد رجالاتها هرة علقت على شجرة عالية في مشروع دمر وسط العاصمة السورية، وما يمكن البناء عليه لاحقاً، لأن عملية إنقاذ السيدة الهرة، لم تتم سراً، بل نالت ما تستحق من الترويج ونشرها على وسائل إعلام ووسائل تواصل إجتماعي.

واليوم، تبدأ وزارة الزراعة، وبنفس الطريقة الدعائية، حملة ترقيم الثروة الحيوانية في خمس محافظات سورية "أي ما يسيطر عليه نظام الأسد".

ويكتمل الاستفزاز، أو ربما أهداف الرسالة من الترويج، عندما تقرأ أن الهدف من ترقيم السادة والسيدات الأغنام، هو "حصر كل الخدمات المتعلقة بالثروة الحيوانية". وهنا أقتبس الجملة كما قالها مدير مشروع تطوير الثروة الحيوانية بوزارة زراعة حكومة الأسد، ولئلا يخطر لمدافع على بال، أن حكومة النظام السوري تحرص على غذاء السوريين وتأمينه بأسعار تتناسب ودخولهم، وما الضير في إحصاء الثروة الحيوانية وتقديم المعونة والمساعدة وحتى الموسيقا للأغنام، ألم تسمعوا أن البقر الهولندي يزيد إنتاجه للحليب لأنه يرفه ويسمع موسيقا.

نقول لمن يقول، أو يمكن أن يقول، اللهم إن وجد، تم تدمير الزراعة السورية ورفع سعر الأعلاف وقتل الثروة الحيوانية، بل وتهريب الأغنام الفائضة عن التصدير، إلى بلدان الجوار وأهمها لبنان، إلى أن وصل سعر كيلو هبرة الغنم بدمشق قرابة 2400 ليرة سورية.

وأيضاً، يبدأ نظام بشار الأسد اليوم الأحد بتصدير منتجات ألف بيت بلاستيكي، من الخضار والفواكه إلى روسيا الاتحادية، لينقذ أسواقها ومواطنيها من قلة المعروض السلعي بعد العقوبات الأوروأمريكية.

نهاية القول: عندما يقتل النظام السوري الممانع ويعتقل ويغيّب نحو مليون سوري ويهجّر داخليا وخارجياً قرابة 11 مليون ويصل 8 مليون سوري لدون مستوى الفقر، 5 ملايين منهم في حالة الفقر المدقع، ورغم ذلك يستنفر قوات الدفاع المدني لينقذ هرة ويوعز للترقيم والعناية بالأغنام، فماذا يمكن أن نستنتج؟!
ثمة احتمالات كثيرة، منها أن هذا النظام يحاول تسويق تلك اللقطات خارجياً، بعد أن يدعمها بحملات تسويقية كما حدث ضمن حملات تشويه الثورة وإعادة تسويق النظام، أنه نظام رحيم حتى بالحيوانات، فكيف يمكن التصديق أنه يضرب شعبه بالكيماوي.

ولكن، بما أن جرائم الأسد شهدها القاصي والداني وفي أصقاع الأرض جميعها، ربما يسقط هذا الاحتمال.

أيعقل- احتمال ثان- أن هكذا رسائل جمهورها المستهدف داخلي فقط، ليتمسك محبو الأسد والصامتون والرماديون بخيار الممانعة الرحيم الذي يسعى لتلبية الأغنام احتياجاتها ليعود لهم بلحم وصوف وحليب...أيضاً هذا الاحتمال غير علمي ومنطقي لأن من حول النظام وفي الدائرة الأولى، يعلمون يقيناً، بل شاهدوا وشاركوا بالجرائم أولاً، ويكابدون يومياً من حمى الأسعار التي تفوق مداخيلهم أضعافا مضاعفة.

ثمة احتمال آخر، مفاده باختصار، أن النظام السوري الممانع يعيش بحبوحة وأن "سوريا بخير حقيقة" وهو يلتفت لتمتين اقتصاده وكفاية شعبه ومؤيديه، وهي سياسة مثلى أثمرت نتائج على الأرض، بدليل وجود ماتبقى من "جيش الوطن" وكثير من المرتزقة، ملتفين حوله.

بيد أن هذا الاحتمال مشكوك بصحته وطريقة استنتاجه أيضاً، لأن الخسائر الاقتصادية جراء حرب الكرسي نافت 200 مليار دولار وثمة تململ وصل "طرطوس" بعد قمع تظاهرات عكرمة في حمص.
إذاً، لم يبق سوى احتمال وحيد، وهذا الاحتمال يتشابه، أو ربما يتمخض عن السياسة ذاتها التي تسرّب لمشاهد المصورة للميليشيات القاتلة للسوريين وهي تتفنن ببقر البطون وتكسير العظام ..قبل حرق الجثث.

هذه السياسة المحكمة، والتي يمكن اعتبارها طوق النجاة الوحيد للنظام القاتل، تهدف فيما يراد لها، تكريس الثأرية بين أطياف السوريين وتأصيل ذهنية وثقافة الحقد والتقسيم، فلو فكرنا وتفكرّنا بأن النظام، أي نظام، يقتل صباح العيد عشرات الأطفال والشيوخ بسراقب عبر البراميل المتفجرة ويقتص من أهالي وعر حمص بعد الهدنة، بعد أن أباد وهدّم وحرق وضيّع حتى الحلم، لكنه في الآن ذاته يسعى لنجدة هرة أو إسعاد نعجة، فماذا يمكن أن نقول أو يخرج عنّا من أفعال.... ويقولون الشعب السوري متطرّف.

من كتاب "زمان الوصل"
(20)    هل أعجبتك المقالة (19)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي