أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

التضليل الإعلاني.. جريمة جديدة يعاقب عليها القانون..

شبكات للدعارة والاتجار بالأعضاء البشرية عملت تحت ستار الجرائد الإعلانية..

شبكات للدعارة وللاتجار بالأعضاء البشرية، أطباء السوق السوداء، خلطات سرّية لأدوية مستعصية، جامعات وهمية، جمعيات سكنية للاحتيال العقاري...

كلّها عمليات تحرّكت خلال السنوات العشر الأخيرة والتي شهدت الفورة الإعلانية في سورية، واتخذت من الجرائد الإعلانية التي تعمل دون قانون يقيّدها أو ينظم عملها وستبقى كذلك حتى تاريخ 11/6/2008 . ‏

ففي هذا التاريخ دخل قانون حماية المستهلك مرحلة التنفيذ ومعه بدأت شروط الإعلانات بالخضوع لرقابة قانونية، قد تصل عقوبة مخالفيها ومرتكبي عقوبة «الإعلان المضلل» من معلنين وناشرين إلى السجن أو الغرامة أو الاثنين معاً . ‏

أوكار

علاج الأمراض المستعصية من سرطان وسكري وبهاق وصدف، وغيرها من الأمراض التي يعلن علماء العالم صراحة عجزهم حتى الآن عن إيجاد علاج شاف لها، يعلن في الوقت ذاته أطباء وأشخاص عاديّون في سورية عن قدرتهم على شفائها بكلمات يدفع ثمن نشرها في إحدى الجرائد الإعلانية، فقد شكّلت هذه الجرائد بمثابة المنصات التي يطلق منها أطباء السوق السوداء إنجازاتهم العلمية، والتي كشفت التحقيقات مع بعضها أنّ كثيراً منها كانت بمثابة الأوكار لعصابات وشبكات تمارس تجارة غير شرعية. ‏

ومنها ماتم اكتشافه مؤخراً من شبكة واسعة لتجارة الأعضاء البشرية وبيع الكلى، وكان من إحدى نتائج التحقيقات التي قام بها الأمن الجنائي في دمشق، الكشف عن هذه الشبكة وبأنها كانت مؤّلفة من مجموعة من المدّبرين والمتبرعين، إضافة إلى عاملين في بعض المشافي وسائقي التاكسي، والأهم من ذلك، فقد كان مهندس هذه العمليات شخصاً يتولّى تحريك هذه الشبكة عبر نشر إعلانات التبرعات في الصحف والجرائد الإعلانية. ‏

وظائف مزيفة ‏

ومن شبكة التجارة بالأعضاء البشرية إلى شبكات للدعارة، فقد جرى تتبّع نشاطها من قبل الأمن  وملاحقتها عبر الإعلانات التي تتستّر خلفها من إعلانات للوظائف التي تدعو الفتيات إلى العمل في داخل سورية أو خارجها، تحت مسميات علنية منها عروض الأزياء أو بيع مستحضرات التجميل أو غيرها من وظائف السكرتارية أو العلاقات العامّة. ‏

ومنها الإعلانات التي تم إيقافها بقرار رسمي،  ومنها إعلانات الشبكة الهاتفية الذكية والتي كانت تصدر عبر إعلانات تدعو الشباب للعمل مع هذه الشبكة والاتصال معها، بعبارات مثل: «فرفش دردش»..، تلك الشبكة التي اعترف وزير الاتصالات لاحقاً بانها انحرفت عن اهدافها وبدأت تمارس أعمالاً مخالفة للقانون. ‏

ورغم اكتشاف شبكات وراء شبكات سواءً لبيع الأعضاء البشرية أو للدعارة، فقد استمرّت هذه الإعلانات بلارقيب، نظراً «لعدم وجود أي نص قانوني يفرض أي نوع من انواع الرقابة على الإعلانات» كما يقول مزيد فرح معاون مدير المؤسسة العربية للإعلان، والذي يعتبر أن «كل انواع الرقابة والشروط التي تفرض المؤسسة، إنما تستند إلى اجتهادات رقابية من قبل إدارات المؤسسة ذاتها وليس انطلاقاً من أي نص قانوني محدد». ‏

ويضيف: «إنّ صدور قانون المطبوعات رقم 50 للعام 2005 جعل الجرائد الإعلانية تابعة مباشرة لوسائل الإعلام وسحب صلاحيات المؤسسة من الرقابة عليها منذ ذلك الحين». ‏

وما يؤكّد أن الإعلان أصبح منفلتاً منذ ثلاث سنوات عن أي نوع من انواع الرقابة حتى ولو كانت الرقابة غير المستندة الى قانون والتي كانت تمارسها مؤسسة الإعلان، يؤكّد ذلك انتشار إعلانات واستمرارها وعدم التدقيق في إثباتاتها رغم أنّها تدّعي أشياء مستحيلة أو استدراجية بشكل واضح. ‏

وعقارات وهمية ‏

ومن شبكات الدعارة والاتجار بالأعضاء البشرية، فقد ولدت شبكات اشتكى منها المسؤولون قبل المواطنين المتضررين ومنها: مجموعات الاحتيال العقاري والسكني التي باعت للمواطنين شققاً سكنية وهمية، كما باعتهم بيوتاً وعقارات مباعة سلفاً ولأكثر من شخص. ‏

وهذا مادعا الحكومة إلى الطلب من وزارتي الإعلام والإسكان والتعمير العمل على عقد اجتماع مشترك لوضع الآلية المناسبة لمنع نشر أي إعلان عبر المؤسسة العربية للإعلان أو وسائل الإعلام الأخرى، عن نشاطات عقارية لشركات أو جمعيات تتضمن دعوة المواطنين للاكتتاب على مساكن فيها ما لم تكن تلك الشركات العقارية والجمعيات السكنية حاصلة مسبقاً على التراخيص اللازمة أصولاً، إلى جانب رفض أي طلب للإعلان حول ما تقدم ما لم يرفق بنسخة عن الترخيص المطلوب والتشدد في هذا المجال حفاظاً على حقوق الإخوة المواطنين. ‏

وكانت وزارة الإسكان قد تلّقت كتاب سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في دمشق رقم ش.ع 2/1/496 تاريخ 26/3/2007، متضمنا قيام مؤسسة شارقة الشام للهندسة والمقاولات بنشر إعلان في نشرة الوسيلة، أعلنت فيه تسمية مشروع سكني تجاري تزمع تشييده باسم مجموعة قرى الشيخ خليفة ـ ضاحية العين للسكن والاصطياف، ما دفع بوزارة الإسكان إلى مخاطبة وزارة الإعلام ودعوتها لتوجيه جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة العامة والخاصة، بعدم نشر أي إعلان مهما كان نوعه لنشاط بناء المساكن وبيعها من قبل القطاع الخاص، إلا بعد الحصول على موافقة وزارة الإسكان والتعمير ووزارة السياحة ووزارة الإدارة المحلية والبيئة، والحصول على التراخيص اللازمة للبناء بشكل أصولي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى إعلانات الجمعيات التعاونية السكنية، إلا فيما يخص أعضاءها حصرا، وخاصة أن هدف الجمعيات السكنية هو بناء الشقق السكنية لأعضائها وتمليكها بسعر الكلفة والمساهمة في خطة الحكومة بميادين الإسكان. ‏

تقصير الوزارات ‏

ويرى معاون مدير مؤسسة الإعلان مزيد فرح أنّ هذه التعليمات كانت محيّرة بالنسبة للمؤسسة وأحدثت جدلاً مازال مستمراً حتى الان، إذ «تأتي هذه الشركات حاملة ترخيصاً من وزارة الاقتصاد يخولها العمل في الاستثمار العقاري، فكيف لي أنا كمختص في الإعلان أن أدخل في صلب عملها ونوع الإعلان الذي تظهره مادامت بالنسبة لي مرخّصة أصلاً»؟ ‏

ويعتقد فرح أن الكثير من الوزارات ترمي فشلها في مراقبة التابعين لها بتحميل الإعلانات سبب تقصيرها، ويضرب على ذلك بأمثلة كثيرة منها: مكاتب استقدام العمّال والعاملات أو الخادمات، فهؤلاء شرعيون بالنسبة للإعلانات ماداموا قد حصلوا على تراخيص بالعمل، وكذلك الأطباء الحاصلون على تراخيص من وزارة الصحّة وغيرهم وغيرهم، «أمّا إن كانوا يمارسون هذه التراخيص بشكل خاطئ فهذه ليست مسؤولية الإعلان كما يقول فرح». ‏

 

المبالغة ‏

الاعلان المضلل ـ بحسب القانون 2 الخاص بحماية المستهلك ـ هو الذي يتم بأية وسيلة كانت ويتناول سلعة أو خدمة أو يتضمن عرضا أو بيانا أو ادعاء كاذبا أو مصوغاً بعبارات من شأنها أن تؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر الى خداع أو تضليل المستهلك. ‏

ويقول الدكتور عبد اللطيف بارودي: المشرّع عندما نظر إلى موضوع الإعلان، وجد أنّه المحرّك الرئيسي لموضوع الترويج، وفي قانون مكافحة الغش والتدليس لم يكن هناك أي إشارة لموضوع الإعلان المضلل، ومع صدور قانون حماية المستهلك فقد أخذ القانون من القوانين العربية والعالمية منها المصري وقانون حماية المستهلك العربي، حيث تم تناول الإعلان بكافة جوانبه». ‏

ومن الأعمال التي اعتبرها القانون مخالفة ويستحق مرتكبها العقوبة: «المبالغة بوصف المنتج بما لا يتفق مع الحقيقة والواقع الفعلي بهدف تشجيع المستهلك على اقتناء المنتج او تلقي الخدمة. استخدام الوسائل التي من شأنها خداع الشاري ومنها استخدام طرق بيع او شراء توهم المستهلك بقرب نفاد المنتج. كما حظر القانون الاعلان او الترويج لمنتجات تحمل رموزا بما في ذلك الترميز بالخطوط او اشكالا غير مطابقة لواقع المنتج او المقلدة والتي من شأنها أن تؤدي للخطأ مهما كانت الوسيلة المستخدمة». ‏

ومما نص عليه القانون: يحظر استعمال الاعلان المضلل أو المغلوط أو الخادع، ويجب أن يتصف الاعلان أو الترويج للمنتج بالصدق والحقيقة التي تعبر عن جوهر المنتج وجودته دون لبس أو غموض. ‏

ويوضح د.بارودي ردّاً على سؤال حول الفقرة التي تقول: «يتحمل صاحب الاعلان مسؤولية الخطأ المرتكب من قبله». هل هذا يعفي ناشر الإعلان من مسؤوليته وهل ينطبق عليه مقولة «ناقل الكفر ليس بكافر»؟ ‏

يقول بارودي: «نصّت التعليمات التنفيذية على مسؤولية مشتركة»، مضيفاً: «سنطلب من الناشرين طلب وثيقة للتأكد من صحة المنتج، وستتم عملية انتقائية لبعض الإعلانات التي تشكّ فيها دوائرحماية المستهلك للتأكد منها ومساءلة المسؤولين عنها». ‏

ويوافق كل من د.بارودي ومدير عام جريدة الدليل د.مأمون الحلاق على ضرورة عقد اجتماع مشترك بين مديريات وجمعيات حماية المستهلك وبين المسؤولين عن نشر الإعلانات للتعاون في تطبيق هذا القانون، ويقول بارودي: «لقد اجتمعنا مع مؤسسة الإعلان اكثر من مرّة لوضع ضوابط بشكل متوازن، لأننا لا نريد أن نتشدد دون منطق لكي لايهرب المعلن إلى الخارج. يجب أن يكون هنالك توازن. مثلاً عندما يطلب صناعي الإعلان عن صابون منحّف أو ماشابه فأنا أطلب منه شهادة تحليل عن الصابون الذي يريد الإعلان عنه وهذا ليس صعباً إذ يفترض أن يكون متوفراً لديه من قبل. ‏

الباحث الدجّال ‏

مراسلات طويلة موجّهة من نقابة الأطباء السورية ضد أحد مدّعي الطب البديل ممن يطلق على نفسه «باحث» لم تفلح في إيقافه عن ممارسته الصريحة لهذا العمل الطبّي، كما لم تفلح في إيقاف بعض الأطباء وغيرهم ممن يدعّون امتلاك أجهزة تشفي من أمراض لاشفاء لها.. فكيف نتوقع أن تصل جهود النقابة في الحد من الإعلانات المضللة والتي تم من خلالها تمرير أطباء السوق السوداء. مادامت وزارة الصحّة لم توقف المخالفات العلنية والصريحة التي أبلغتها عنها النقابة في كتب رسمية كثيرة. ‏

واليوم يعلن بعض المغمورين في سورية عن قدرتهم على شفاء الأمراض المستعصية على علماء الأرض دون أن تتحرّك وزارة الصحّة إمّا إلى تبنّي اختراعاتهم ومساعداتهم على نيل نوبل للطب، وإما وضعهم في غياهب السجون جرّاء الغبن الذي يمارسونه على العباد. ‏

وقبل خمسة عشر عاما تقريبا بث إعلان تلفزيوني في الولايات المتحدة الأمريكية عن سيارة (فولفو) السويدية، يظهر تعرّضها لحادث اصطدام مع شاحنة، ومع ذلك يخرج أربعة ركاب منها وهم يضحكون في دلالة على أمان السيارة المذكورة. طلبت منظمة حماية المستهلك الأميركي من شركة فولفو إجراء التجربة عملياً، ولكن الشركة رفضت ذلك وبررت أن المشهد تمثيلي بحت، فقاضتها المنظمة بخمسين مليون دولار لأنها مارست الخداع بحق المواطن الأميركي. ‏

حمود المحمود
(60)    هل أعجبتك المقالة (54)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي