أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

حوار مع القاصّ محمّد محيي الدين مينو ... نضال بشارة

حـوار زمان الوصل | 2008-06-07 00:00:00

القاصّ محمّد محيي الدين مينو:
ــــــــــــــــــــــــ


كنت أظنّ أنّ الكتابة تقلب العالم رأساً على عقب
حوار: نضال بشارة
* بدأت تكتب في سنّ مبكّرة، بدأتها بمجموعة قصصيّة مشتركة مع القاص أيمن الطويل، ما دوافع تجربتك الأولى ؟
- عندما أخذت أكتب القصّة القصيرة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات اعتقدت للوهلة الأولى أنّني سأبدّل بالمجتمع مجتمعاً آخر، وظننت أنّ الكتابة تقلب العالم رأساً على عقب، وتغيّر مجرى الحياة. ومن يقرأ قصصي الأولى يجد أنّها قصص مؤدلجة، أي: هي مجرّد أفكار مسبقة الصنع، اكتشفت متأخّراً أنّ الواقع أعتى منها وأقوى..
كنت ملتزماً أشدّ الالتزام، لا أخرج على آداب الواقعيّة وقواعدها الصارمة، وإذا ما جمح بي الخيال رددته وزجرته، فلم أبتعد عن الواقع، ولم أحاول أن أتحرّر من رِبْقته وإساره. وأمام واقع مرير لم أكن هِداناً ولا متخاذلاً، ولم أكن وقتئذٍ أملك من أدوات المواجهة إلاّ الكتابة التي كانت سلاحي المكسور وعزائي الوحيد. وعلى الرغم من سلطة الواقع وسطوته كنت أكتب بضراوة محتجّاً ومندّداً، وكانت تستبدّ بي رغبة جموح بالخروج على الشكل المباشر للسرد القصصيّ، فرحت أجرّب أشكالاً قصصيّةً كثيرةً، هي وحدها ما أتفاخر به اليوم.
لم أكن متفرّداً بعلاقتي الوثيقة مع واقع مراوغ مخاتل، خدعني عن غفلةٍ، ثمّ حطّم بعد حينٍ أحلامي، ورماني ذليلاً مهاناً.. لم أكن إلاّ واحداً من جيل الثمانينات الذي استيقظ من غفوته، فلم يجد إلاّ الخيبة والانكسار، ولم يحصد إلاّ الزؤان والخذلان.
هي جملة من الدوافع الفنيّة وغير الفنيّة جعلتني أخلص لفنّ القصّة القصيرة، وهي - كما ترى - لا تمتّ بصلة حقيقيّة إلى اشتراكي مع صديقي أيمن الطويل في إصدار مجموعة قصصيّة، هي ( الدائرة ) عام 1981، وهي في الحقيقة تجربة، دفعنا إليها وقتئذٍ العوز، واضطرّتنا إليها الحاجة. وإذا ما قرأتنا جيّداً رأيت أنّ علاقتنا مع الواقع واحدة وأنّ صوتنا واحد، ونحن معاً نكاد نكون من جيل واحد، فأيمن الطّويل بدأ في أوائل السبعينات، وأنا بدأت في أواخرها.
* لماذا اتّجهت إلى الكتابة للأطفال، وأصدرت لهم ( العالم للجميع )، وأنت لم تؤكّد ذاتك القصصيّة بعد ؟
- أذكر أن ( العـالم للجميع ) كتبت قبيل عام 1988 بقليل، ونشرت عام 1992، وخلال هذه الفترة انقطعت عن كتابة القصّة القصيرة انقطاعاً حادّاً، أرّقني، وأقضّ مضجعي، فقد أحسست - وأنا طـالب في الدراسـات العليا - أنّ أصابعي قد تكلّست، وتخثّر الدم في عروقـها، وأنّ أسلوبي قد تصلّب، أو تخشّب.. والقصّة القصيرة - ولاسيّما قصّة الطفـل - فنّ لَدِن، لا يصدر عن طبع جِلْف، ولا تكتبه أصابع غليظة، والقصّة أيضاً تحتاج قلماً مرناً وأسلوباً حيويّاً، وربّما تحتاج واقعاً غنيّاً ومعايشةً حقيقيّةً لهذا الواقع.
بعد زمن عدت حثيثـاً أكتب، وأنـا أخشى أن يفوتني العمر، ولكنّ قصصي القصيرة لم تتخلّص بعد من رِبْقـة الخريف، فأسلوبي مـازال قاسياً صلباً، ولغتي لم تخرج من المعجم إلى الحيـاة، ولعلّني يومـاً أسلس لقلمي القيادة، فأكتب من معين الحياة ونبضها، وأنا في أقصى الغربة.
* تجري قصص ( العالم للجميع ) على لسان الحيوان، وتستنطق الأصابع والأرقام، وتنسج من الخيال أحداثاً وشخصيّات.. ألا يمكن لقصّة الطفل أن تكون واقعيّة ؟
- إنّ عالم الأطفال أقرب إلى الخيال من الواقع، وهو عـالم يختلط فيه المعقول باللامعقول والحقيقيّ بالمجازيّ.. فالطفـل يبلغ شأواً بعيداً من الخيال، ويسقطه على واقعه خارجاً على طبيعة الأشياء وقوانينها، وعندما تكتب للأطفال لا يمكنك أن تكون واقعيّاً، تجعل الأحداث تجري أمامهم جرياناً طبيعيّاً، وتجعل الشخصيّات تتحدّث على نحو منطقيّ، لأنّ مثل هذه الكتابة الواقعيّة لا تتلاءم وعالمَ الطفل وخيالَه الرحب.
ومن هنا جرت قصص الأطفال على لسان الحيوان أو الجماد، وكسرت وحدة الزمان والمكان، وتمازج في أرجائها الخياليّ والواقعيّ. وما رأيته في قصصي من ألسن متعدّدة تجربة في التعبير عن عالم الطفل وخياله، تجد أنّ واحدةً منها جرت على لسان حيوان، وأنّ أخرى قد أخذت شكل الحُلم، وأنّ ثالثةً قد روتها الأصابع والأرقام.. إنّـها مجرّد تجربـة، ربّما ترى أنّ بعضها قد نجح، وأنّ بعضها الآخر قد أخفق، والكتابة للأطفال مسؤولية صعبة المسالك، لا تخلو من العِثار.
* في قصص الأطفال هل يمكن أن تُكتب قصص للذكور وقصص للإناث ؟
- إذا كانت الفيزيولوجيا تميّز الذكر من الأنثى، فإنّ الكاتب لا يضع في حسبانه هذا التمايز، ولا يفكّر إلاّ بعمليّة التلقّي نفسها سواء أ كان المتلقّي ذكراً أم أنثى. لا أعتقد أنّ ثمّة نصّاً للذكور وآخر للإناث، ولا أظنّ أنّ هناك ميزاتٍ محدّدةً، تحيل هذا النصّ أنثويّاً، وتجعل ذاك النصّ ذكوريّـاً. والشخصيّة الرئيسة في القصّة لا تحدّد وجهتها، والأحداث لا تعيّن قرّاءها. وعلى الرغم من كلّ الحدود المحرّمة بين الرجل والمرأة تأبى الكتابة أن تكون وهماً، وترفض أن تكون فُرْقاناً، يميّز أحدهما من الآخر.
سؤالك - يا صديقي نضال - لا يدعو إلى التساؤل، ولا يخطر على بال، ولعلّه سؤال مريب حقّاً، يحمل من سوء الجواب عنه أكثر ما يحمل من صدق السؤال. جرّب - وأنت الشاعر - أن تكتب قصيدةً خالصةً لوجه ذكر، أو أن تكتب قصّةً خالصةً لوجه أنثى، وعندما تنتهي إلى نصّ أعرج لن تجد قارئاً يحترم ما كتبت، لأنّ القارئ لا ينظر إلى النصّ بعين واحدة.
* تذكّرنا قصّة ( الملك الأبله ) من مجموعة ( العالم للجميع ) بعالم زكريا تامر القصصيّ، ما علاقة تجربتك بتجربته رائداً ومعلّماً للقصّة القصيرة ؟
- الصدق أقول لك يا صديقي نضال: إنّ قصّة ( الملك الأبله ) هي قصّة قصيرة جدّاً، كتبتها في الأصل للكبار مندّداً بجبروت سلطـة، تسعى أن تطفئ الشمس، والشمس تأبى إلاّ أن تشرق كلّ صباح. وعندما قرأتها على أصدقائي ألحّ عليّ أغلبهم أن أجعلها للأطفال، لأنّهم رأوا فيها من الأسباب ما يؤهّلها لهم. وإذا كانت هذه القصّة تذكّرك بقصص زكريا تامر، فهذا شأنك معها، ولا مردّ له - كما لا حظتُ، وأنت تسألني عنها - إلاّ هيئة الملك الأبلـه الذي يتراءى لك في قصصي وقصصه، كما يتراءى لنا في ( ألف ليلة وليلة ) وسواها من الحكايات الشعبيّة، فلعلّ رمزنا واحد، ولعلّ مصدرنا واحد.
ولزكريا تامر حضور طاغ في تجربتي القصصيّة، لفتتك، كما لفتت سواك، وأنا أعتقد أنّ القصّة الجديدة في سورية خرجت من معطف زكريا تامر الذي ترك بلا هوادة تأثيراً كبيراً في أجيـال، تتعاقب منذ السبعينات إلى اليوم في حركة القصّة السوريّـة القصيرة، وأعتقد أيضاً أنّ النقد توانى في دراسة هذا التأثير، وتخلّف عن متابعته. تعلّمت من زكريا تامر كثيراً، وتتلمذت سـنواتٍ على قصصه القصيرة، ولا أخفيك سـرّاً أنّ أعماله الكاملة لا تكاد تفارقني، وكلّما عزّت عليّ القراءة، عدت أقرؤها من جديد، وكأنّها هاجس حقيقيّ.
تعلّمت من قصصه القصيرة الاحتجاج والجرأة على التنديـد، فلم تهادن قصصي ظالماً ولا مرتشياً ولا سلطاناً، ولم تقصّر في تصوير ولا تعبير.. وتعلّمت منها لغـة القصّ وأنماط السرد القصصيّ، وأخذت منها كيف أصوغ العبـارة وأسبكها سبكاً محكماً، لا فضل فيها ولا زيادة، ولا خلل فيها ولا اضطراب.. كيف أخطّط الأحداث، وأرسم الشخصيّات، ثمّ أخذت من تجربته الخاصّة الانشغال بالنصّ بعد كتابته تنقيحاً وتجويداً حتّى يصل إلى شكلـه الأسمى، مهما بلغتْ درجة الانشغـال به، ومهما أخذتْ من الوقت والجهد.
لا شكّ في أنّ زكريا تامر علامة فارقة في تجربة القصّة العربيّة القصيرة، تحتاج نظرةً متأنّيةً حتّى ندرك قيمتها، وندرس أبعادها، ونلاحق آثارها قي أجيال متعاقبة في سورية وربّما في عالمنا العربيّ أيضاً. هي ظاهرة لن تتكرّر، لأنّ الظـواهر العظيمة لا تحدث على مرّ الزمان إلاّ مرّة واحدة.
* يخيّل إليّ أنّ من يكتب للأطفال تمتّع بطفولة جيّاشة، تدفعه فيما بعد إلى الكتابة لهم، وربّما يعتمدها مرجعيّة لأعماله.. هل كانت طفولتك كذلك ؟
- ربّما كان ما تراه صحيحاً إلى حدّ ما، وربّما كانت الطفولة مصدراً فنيّاً وفكريّاً معاً، فالكاتب يرجع طفلاً، وهو يرى بعيون الأطفال، ويسمع بآذانهم المرهفة، ويلمس الأشياء بأصابعهم النحيلة.. والطفولـة تجربة مثل تجارب العمر الأخرى، لا تستـطيع أن تغضّ الطرف عنها. وعندما أكتب اليوم أو أنظر إلى وجهي في المرآة تتراءى أمام عينيّ طفولتي وحدها حرمانـاً وبؤساً وفاقةً، وتغريني أن أكتبها يوماً، ولكنّني لم أملك الجرأة بعد.
عشت في حيّ غنيّ بالموبقات والأسرار، ورأيت صوراً مخزيةً من الجشع والبؤس، وكنت أغمض عينيّ كلّ مساء على حلم مروّع، وأفتحها كلّ صباح على واقع مريب، فأرتجف هلعاً وبرداً، ولا أجد من يُشعرني قليلاً بالدفء والطمأنينة. كلّ ذلك انعكس على قصصي احتجاجـاً وتنديـداً، وتجلّى في أحداثها، وأثّر في شخصيّاتها بشكل أو بآخر.
* في الآونة الأخيرة قرأنا لك قصصاً قصيرة جدّاً، هل هي مجرّد استعادة حضور أم تجربة طارئة ؟ كيف تعرّفت إلى هذا الشكل الفنيّ من القصّ، ومتى بدأت تكتبه ؟
- تعرّفت إلى القصّة القصيرة جدّاً في أوائل الثمانينات من خلال مصدرين اثنين، أحدهما: محمود علي السعيد الذي أخلص لهذا الشكل من القصّ، وأهدى إليّ مجموعتيه ( الرصاصة ) و( المدفأة )، والآخر: فرانز كافكا الذي كتب جملةً منها في مجموعته الشهيرة ( وصف الصراع )، ثمّ جرّبت وقتئذٍ أن أكتب القصّة القصيرة جدّاً: بعضها أفلح، فنشرته، وبعضها الآخر أخفق، فمزّقته. وإذا عدت إلى مجموعتي ( أوراق عبد الجبّار الفارس الخاسرة ) سترى أنّها تشتمل على جملة من القصص القصيرة جدّاً، لعلّها تؤكّد حضوراً ما في تجربتي القصصيّة.
* اخترت الشاعر عمرو بن أحمر الباهليّ رسالـة ماجستير، ولم تختر - وأنت القاصّ - شاعراً معاصراً أو قاصّاً معاصراً.. لماذا اخترته، وكيف التقيت به ؟ من ابن أحمر، وما مكانته الأدبيّة ؟
- لم يكن لي يد في اختيار ابن أحمر للدراسة، ولم يكن لديّ كبير اهتمام بالشعر القديم: الجاهليّ منه أو الإسلاميّ.. وحين قصدت جامعة دمشق طالباً في الدراسات العليا، وخلّفت ورائي شبابي وأسرتي وتجربتي القصصيّة، نويت أن أختصّ بالأدب الحديث، وحاولت أن أدرس القاص المغربيّ المعروف محمّد زفزاف، فلم تمكنني مادّة البحث وظروفه، ثمّ سعيت أن أدرس الشاعر الراحل عبد الباسط الصوفي، فلم أحظ بموافقة.
أذكر بعدئذٍ أنّني راجعت علاّمة الشـام أحمد راتب النفّاخ - رحمه الله - مسترشداً مسترفداً، فأشار عليّ أن أدرس ابن أحمر، ووجّهني إلى تحقيق ديوانه بما أوضح لي من جُدَد ومعالم. وهكذا سلخ هذا الشاعر من عمري زهاء سبع سنوات، وأخذ من تجربتي القصصيّـة ما أخذ، بل ربّما أساء إليها دون أن يقصد أو يدري، وجعلها وقتاً طويلاً بلا رواء.
وابن أحمر شاعر مخضرم، يتقدّم شعراء أهل زمانه، ويُستشهد على اللغة بشعره كثيراً، لأنّه صحيح الكلام فصيح اللسان كثير الغريب.. وضعه الأصمعيّ فوق طبقته، وجعله ابن سـلاّم الجمحيّ في الطبقة الثالثـة من الإسلاميين بخاصّة، ورآه أبو عبيدة في الطبقة الثالثة من الشعراء بعامّة. هجا، فلم يقذع، وتغزّل، فلم يسِفّ، ومدح، فلم يتكسّب. ودراستي تكشف عن مواقف كبيرة لابن أحمر، أغفلها الدّهر والمؤرّخون معاً، ومن أبرزها: وقوفه في وجه يزيد بن معاويـة حين أراد أن يأخذ البيعة لنفسه من القبائل عنوةً وناراً، ومنها: وقوفـه إلى جانب الفلاّحين في وجه السعاة وعمّال الصدقات، ولعلّ ديوانه الّذي نشر مؤخّراً في بيروت يكشف عن مواقفه الفكريّـة والسياسيّة، ويبرز خصائصه الفنيّة، ولعلّه أيضاً إضافة حقيقيّة إلى ديوان العرب، أرجو أن تفتح الباب على مصراعيه للدراسة وإعادة النظر.

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
دورتموند يضم تورجان هازارد من مونشنجلادباخ      الذهب مستقر قرب أدنى مستوى في أسبوعين بفعل صعود الدولار      بكين تُدين عزم واشنطن فرض عقوبات على شركة صينية      قدم من تركيا عصرا وقضى بعد المغرب.. طيران العدوان الروسي الأسدي يقتل "أزمرلي"      استدعاء أجويرو لتشكيلة الأرجنتين في كوبا أمريكا      هواوي تطلق هواتف هونر جديدة دون الحديث عن نظام التشغيل أندرويد      بينهم سوريون.. السودان يعيد فحص الجنسيات الممنوحة للأجانب      يوم دامٍ في ريف إدلب.. الأسد يرتكب مجزرة في "معرة النعمان" حصيلتها الأولية 9 ضحايا