أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"الدراما السورية" انفصام عن التاريخ والحاضر

في مشاهدات رمضانية سنوية تستحوذ المسلسلات السورية على انتباه المتابع السوري والعربي كونها مرّت بفترة ذهبية رصدت به الكثير من نقاط الواقع التي تتحدث عن حال السوريين، وربما العربي بما يعانيه الإنسان بيومياته تقتطف من ذاكرة التاريخ عناصر القوة والحكايات الأشبه بأساطير عن فرسان مضوا، وعن شخوص واقعية لتعكس المهم ومعاناتهم وتطلعاتهم.

الحال تبدل فقد أنهت الحرب معظم التصورات الماضية للكثير من اليوميات السورية. 

وتبدلت قناعات المتابع بأن الواقع الذي نعيشه أصعب بكثير من قصة بطولة جوفاء تعرض على الشاشة وتمضي، حتى أنه بات يعتبر أن التقليل من احترام ماضيه وواقعه معاً تحت ذريعة الفرجة نوعاً من الإهانة غير المقبولة.

الأمر ليس وجهات نظر، إنها حالة في رمضان الحالي خرجت علينا الدراما السورية بحكايات عرضت سابقاً ولاقت قبولا جماهيرياً عربياُ عريضاً، وتمسكت بهذا النجاح بنفس الطريقة ولم تغير به قيد أنملة رغم أن كل شيء في سوريا تغير.

لم يعد مرضياً للسوريين تصويرهم بشراويل وخناجر بوقت يسطرون به أروع حكايات البطولة اليومية من الجبهات حتى التفاصيل اليومية. لم يعد يجدي الخروج بدراما فانتازية تتناول الأثرياء بحياة منعزلة عما يجري على أرض الواقع بذريعة الابتعاد عن السياسة، ربما السياسة اليوم هي أبعد ما تكون عن حياتنا حين تغطيها آلام الحرب ..آلاف القص التي تحدث يوميا لو أتيح لها يد خبير كاتب ومنتج يلتقط الحتوتة الإنسانية لكانت بمصاف الأعمال العالمية التي لا تصدق لشدة واقعيتها وشغف الحياة فيها بكل تفاصيل كل سوري بمخيم حكاية وكل مقاتل حكاية وحكاية بلد لم يتَح لها أن تنقل درامياً أو سينمائياً أكبر وأجمل, نوادر تلك المشاهدات السينمائية التي ألقت الضوء على واقع سوري مرير منذ أربع سنوات كما كان الحال منذ أربعين عاما الرقيب ومقصه والصمت المطبق على الفساد، إلا بشذرات كانت كإبر المسكّن, واستمر الصمت حتى انفجر للشكل الذي نراه اليوم. فلماذا عادت الدراما لتكرس حالة نسيان وانفصام عن الواقع وكأنها بكوكب غير كوكب متلقيها السوري وهو صاحب القضية المطروحة؟

عرّج الباحث في تاريخ سوريا الدكتور سامي مبيض على مسلسل "باب الحارة" ليس نقداً ولا ذمّاُ، ولكن توجيه تصحيح تاريخي لتلك التفاصيل التي تلقى عبثاً. فكتب: "ﺩﻣﺸﻖ ﻟﻢ ﺗﻐﻠﻖ أﺑﻮﺍﺑﻬﺎ ﻳﻮﻣﺎُ، ﻓﻜﺎﻧﺖ ﺩﻭﻣﺎً ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﺘﺠﺎﺭﺓ. ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺑﺎﺏ ﻳﻐﻠﻖ ﻓﻲ ﺣﺎﺭﺍﺕ ﺩﻣﺸﻖ، ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻌﺼﻮﺭ ﺍﻟﻮﺳﻄﻰ ﻓﻲ أﻭﺭﻭﺑﺎ.

-ﻟﻢ ﻧﺸﺎﻫﺪ ﺳﻴﻨﻤﺎ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﻠﺴﻞ، ﺃﻭ ﺟﺮﻳﺪﺓ، ﺃﻭ ﻣﻄﺒﻌﺔ، ﺃﻭ ﻧﺪﻭﺓ ﺛﻘﺎﻓﻴﺔ. ﺩﻣﺸﻖ ﻋﺎﻡ 1932 ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺪﻳﻨﺔ
ﻣﺘﻄﻮﺭﺓ ﻟﻠﻐﺎﻳﺔ، ﻓﻴﻬﺎ ﺻﻨﺎﻋﺔ ﺳﻴﻨﻤﺎ، ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺳﻴﺮ ﻟﻠﻤﺮﻛﺒﺎﺕ، ﺗﺮﺍﻣﻮﺍﻱ، ﻧﺪﻭﺍﺕ أﺩﺑﻴﺔ، ﺣﻔﻼﺕ ﺳﻬﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺳﻴﻘﻰ ﻏﺮﺑﻴﺔ ﻣﺜﻞ ﻓﺮﺍﻧﻚ ﺳﻴﻨﺎﺗﺮﺍ أﻭ ﺷﺮﻗﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻟﺤﺎﻥ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻮﻫﺎﺏ ﻭﺃﻡ ﻛﻠﺜﻮﻡ، ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻈﺎﻫﺮﺍﺕ ﻧﺴﺎﺋﻴﺔ، ﻭﺭﺟﺎﻝ ﻓﻜﺮ، ﻭﺟﺎﻣﻌﺔ ﻗﻞ ﻣﺜﻴﻠﻬﺎ ﺑﺎﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﺳﻤﻬﺎ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﺍﻟﺴﻮﺭﻳﺔ. ﺭﺟﺎﻻﺕ ﺩﻣﺸﻖ ﻳﻮﻣﻬﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﺍﻟﺸﻬﺒﻨﺪﺭ ﻭﺍﻟﺨﻮﺭﻱ ﻭﺍﻟﺒﺎﺭﻭﺩﻱ ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ، ﻣﻊ ﺍلاﺣﺘﺮﺍﻡ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻟﻨﺒﻞ ﻣﻬﻨﺔ ﺍﻟﺨﻀﺮﺟﻲ، ﻭﺍﻟﺤﻼﻕ، ﻭﺍﻟﻔﺮﺍﻥ، ﻭﺍﻟﻤﺠﻠﺦ.

-ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺨﻔﺮ ﻣﻌﻠﻖ ﺑﺎاﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺨﺎطئ، ﻓأﻟﻮﺍﻧﻪ ﻋﺎﻣﻮﺩﻳﺔ ﻭﻟﻴﺴﺖ أﻓﻘﻴﺔ. -ﺃﺑﻨﺎﺀ ﺍﻟﻌﺎﺋﻼﺕ ﺍﻟﺜﺮﻳﺔ ﺑﺪﻣﺸﻖ ﻻ ﺗﻠﺒﺲ ﺍﻟﺸﺮﻭﺍﻝ، ﺑﻞ

"اﻟﻘﻤﺒﺎﺯ" ﺍﻟﺸﺮﻭﺍﻝ ﻟﻠﻔﻌﺎﻟﺔ ﻭﺍﻷﺭﺽ ﻓﻘﻂ.
-ﺍﻟﻄﺮﺑﻮﺵ ﻻ ﻳﻮﺿﻊ ﻃﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﺎﻭﻟﺔ ﺑﻌﺪ ﺧﻠﻌﻪ ﻣﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﺃﺱ، ﻓﻬﺬﺍ ﻓأﻝ ﺑﺸﻊ. ﺍﻟﻄﺮﺑﻮﺵ "ﺍﻟﻄﺐ" ﻳﻮﺿﻊ ﻋﻠﻰ ﻧﻌﺶ ﺍﻟﻤﻴﺖ ﻓﻘﻂ.

- ﺩﻣﺸﻖ ﻟﻴﺴﺖ ﺷﻴﻜﺎﻏﻮ ﻓﻲ أفلام ﺍﻟﻜﺎﻭﺑﻮﻱ. ﻻ أﺣﺪ ﻳﺨﺮﺝ ﺧﻨﺠﺮﻩ ﻟﻠﻘﺘﺎﻝ ﻓﻲ أﻱ ﻭﻗﺖ ﺃﻭ أﻱ ﻇﺮﻑٍ ﻛﺎﻥ. ﺍﻟﺨﻨﺠﺮ ﺳلاح أبﻴﺾ ﻭﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﺗﺴﻤﺢ ﺑاﺳﺘﺨﺪﺍﻣﻪ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺸﻜﻞ ﺍﻟﻜﻮﻣﻴﺪﻱ.

- ﺳﻴﺪﺍﺕ ﺩﻣﺸﻖ ﻣﺜﺎﻝ ﻟﻠﺮﻗﻲ ﻭﺍﻷﻧﻮﺛﺔ ﻭﺍﻟﻠﺒﺎﻗﺔ ﻭﺍاﺣﺘﺮﺍﻡ، ﻻ ﻳﺘﻜﻠﻤﻦ ﻣﻊ ﺑﻌﻀﻬﻦ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺸﻜﻞ ﺍﻟﻘﺒﻴﺢ. ﻛﺎﻥ ﺑﻌﻀﻬﻦ ﻳﻮﻣﻬﺎ ﻳﺪﺭﺳﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﺃﻭ ﻳﻜﺘﺒﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﺤﻒ ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ.

- ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻓﻲ ﺩﻣﺸﻖ ﺷﺨﺺ ﺍﺳﻤﻪ "اﻟﻌﻘﻴﺪ"، ﻫﻨﺎﻙ ﺯﻋﻴﻢ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻷﻫﺎﻟﻲ ﻭﻳﺤﻤﻲ ﻣﺼﺎﻟﺤﻬﻢ، ﻭﻫﻨﺎﻙ "أﺯﻋﺮ" ﻳﺴﻄﻮ ﻋﻠﻰ أرﺯﺍﻗﻬﻢ. ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﺍﻷﻗﺮﺏ إﻟﻰ ﻭﺍﻗﻊ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻫﻲ ﺷﺨﺼﻴﺔ "ﺃﺑﻮ
ﻋﻨﺘﺮ" ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺍﻷﺑﻴﺾ ﻭﺍﻷﺳﻮﺩ".

فالمغالطات واضحة إذا ولم تقف هنا فقط, بل بانفصامية درامية واضحة عن واقع سوريا. 

السياسة هنا تضغط باتجاه تهميش حتى الفكرة والنص، واختفاء أثر الأعمال الإبداعية صار ظاهرة واضحة في الفن السوري وينسحب ربما على باقي أدوات الفنون. لايعقل أن أعظم ثورات العصر تخفي صوتها الإبداعي، وإن ظهر يكون ممسوخا بالطريقة التي تظهر بها الدراما السورية هذا العام .....فما يجري يحتاج لخبراء ومبدعين ونحن لا نملكهما بعد. وجزء من انتصارنا أن نتمكن من إعادة منظومة عقلنا وذائقتنا الاجتماعية وأن يتوقف الضخ اللامجدي, وأن نلتفت لاستغلال حالة الحياة التي تنمو غصباً بين براثن موت آتٍ من ألف جهة لتطوير لغة درامية وسينمائية تليق بالحدث السوري. تلك تتطلب أموالا ومنتجين طبعاً وتتطلب قبل ذلك إرادة واعية وواعدة تريد حقاً أن تقول رسالة عبر الفرجة والحتوتة لا أن تستخف بعقل وشعور متلقيها.

مشاركة لــ"زمان الوصل" من سورية طلبت عدم نشر اسمها
(37)    هل أعجبتك المقالة (40)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي