أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

سوريا بين تهديد الانقسام وحظوظ الانتصار

دراسات وترجمات | 2014-05-14 00:00:00
سوريا بين تهديد الانقسام وحظوظ الانتصار
خالد خوجة - ممثل الائتلاف الوطني في تركيا
ما بين إعلان المبعوث المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي انسداد الأفق أمام الحل السياسي بعد الجولة الثانية من محادثات جنيف2 وإعلان الديكتاتور بشار الأسد ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في الثالث من شهر حزيران القادم حقيقة تعكس الواقع المؤلم الذي آلت إليه ثورة سوريا والمستقبل الغامض الذي ينتظرها على وقع البراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية التي تحصد عشرات الأرواح يوميا من أبناء الشعب السوري الذي مازال متمسكا بأمل اللحظة التي ينعم فيها بتناول لقمة الخبز في جو آمن ويتنسم عبق الحرية.

كما عمل الديكتاتور بشار الأسد على زج سوريا إلى حافة الهاوية وتحويلها إلى دولة فاشلة ونظام لا يمتلك مقدرات الدولة تحت شعارات "الأسد أو لا أحد" و"الأسد أو نحرق البلد" دأبت المنظومة الإقليمية والدولية بدورها على تحويل ثورة الشعب في سوريا إلى "ثورة فاشلة" عبر العمل على عدلها عن هدف "إسقاط النظام" مما زاد التحديات أمام الثورة وجر البلاد من حرب قصيرة الأمد إلى استنزاف طويل المدى يأمل الديكتاتور الأسد من خلاله أن يجد مخرجا عن طريق فرض حالة أمر واقع يضمن فيها الاحتفاظ بالسيطرة على جزء من البلاد. بينما يبقى تغيير المعادلة على الأرض مرهونا إلى حد كبير بوصول السلاح النوعي الذي مازال ممنوعا عن الثوار والذي قد يكون بمثابة العصى السحرية التي ستفتح باب الحرية المسدود في وجه شعب سوريا.


*المنظور الإقليمي والدولي تجاه ثورة سوريا
"إن ما يجري في سوريا مؤامرة لضرب أمنها واستقرارها ونقف إلى جانب سوريا قيادة وشعباً لإحباط هذه المؤامرة".

قد يكون هذا التصريح مألوفا حين يصدر من مسؤول في دولة تنتمي إلى ما يعرف بمحور المقاومة لكن قد يستغرب البعض أن هذا التصريح صدر في الأيام الأوائل من الحراك الشعبي في سوريا من زعيم دولة تصطف اليوم في مجموعة أصدقاء الشعب السوري إلى جانب عدة زعماء دول إقليمية أخرى أدلوا بتصاريح مشابهة دعما لبشار الأسد. فعندما كتب أطفال درعا على الجدران آنذاك "جاك الدور يا دكتور" أحس كثير من زعماء دول الجوار أن الدور لن يقف عند الدكتور. إذ إن غالبية شعوب المنطقة التي تمتد من الخليج العربي شرقا إلى حدود الأطلسي غرباً وإلى منطقة البحر المتوسط شمالا تعيش حالة احتقان داخلي وتذمر من الأنظمة الحاكمة نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تزداد سوءا يوما بعد يوم بنسب متفاوته منذ استقلال الدول التي انفرطت من عقد الدولة العثمانية.

نواة مجموعة أصدقاء الشعب السوري تضم 11 دولة خمسة منها عربية هي مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن وقطر وخمسة دول غربية هم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، إضافة إلى تركيا. 

من اللافت للنظر انقلاب العسكر في مصر الدولة العضو في مجموعة الأصدقاء بعد إعلان الرئيس مرسي الدعم التام لثورة سوريا وقطع علاقاته مع نظام الأسد ومساندة ثلاثة من الدول العربية الأعضاء ضمن هذه المجموعة الانقلاب بقوة بينما التزمت الدول الغربية الخمس الصمت حيال الانقلاب الدموي ولم يعارضه من مجموعة النواة سوى دولتي قطر وتركيا اللتين واجهتا انتقادات إقليمية ودولية لاذعة بسبب موقفيهما الداعم للتغيير في المنطقة.

الدول المؤثرة في مجموعة النواة هذه عملت على المشاركة الفعلية في صياغة المشهد السوري الذي أظهر تحولات مفصلية بدءا من حراك النشطاء السلمي ومروراً بالثورة المسلحة حتى الوصول إلى حالة ما يشبه الكانتونات العفوية التي تتغير جغرافيتها باستمرار والتي يتبادل السيطرة عليها أطراف عدة. 

وبالتوازي مع المستوى الخطابي الشديد اللهجة المندد بالنظام والمؤيد لحقوق الشعب في سوريا الذي يتكرر عند كل اجتماع فإن مجموعة النواة لم تألُ جهدا في العمل على احتواء الثورة السورية في إطار الوضع الراهن الإقليمي وتوجيهها نحو مسار تساومي مع النظام على طريقة لا غالب ولا مغلوب أو بالتعبير الدبلوماسي "الموافقة المتبادل" الذي استخدم في مفاوضات جنيف٢ وذلك حرصاً منها على الحفاظ على الأمن الإقليمي من جهه ومنعا لتأثير الدومينو للثورة من أن يصيب دول الجوار من جهه أخرى.

ومما عزز مخاوف دول الجوار من تأثير الدومينو هذا هو الضغط الديموغرافي على تلك الدول إثر تدفق اللاجئين السوريين إليها. إذ حذر السفير اللبناني في واشنطن أنطوان شديد من أن الحرب في سوريا تشكل تهديدا وجوديا للبنان حيث إن اللاجئين من سوريا أصبحوا يشكلون حوالي ثلث سكان لبنان. بينما صرح رئيس الوزراء الأردني الأسبق سمير الرفاعي إن الأزمة في سوريا قد تصبح في لحظة من اللحظات مسألة أمن قومي أكثر منها أزمة خارجية في بلد مجاور. 

ونتيجة عملية الاحتواء الدولي والإقليمي المستمر للثورة والتدخل الإيراني والروسي لصالح النظام تحولت المعركة في سوريا من صراع بين الشعب من جهة والنظام من جهة أخرى إلى صراع مشاريع لجهات متعددة داخل الأراضي السورية. 

لا شك أن أكثر المتضررين من هذا الصراع كانت الثورة الشعبية ومؤسساتها الحديثة النشأة، إذ ترسخت حالة التشتت بين أطراف المعارضة ودخلت كيانات الثورة في حالة فوضى مؤسساتية كان من أبرز نتائجها انهيار مؤسسة الأركان بعد أن أعفى وزير الدفاع أسعد مصطفى المعين في حكومة أحمد طعمة المؤقته رئيس الأركان سليم إدريس وقادة جبهاته الخمسة المنتخبين من قبل مؤسسة عسكرية تضم الألوية المقاتلة على الأرض وعيّن الجنرال عبد الإله البشير بدلاً منه والذي رفضت الألوية الاعتراف به. 
من ناحية أخرى وفرت الدول المساندة للنظام كروسيا وإيران للأسد دعما عسكريا قويا على المستوى التقني والبشري وغطاء سياسيا وقانونيا إلى جانب الصين في المحافل الدولية، مما جعل الأسد يحسن قدراته القتالية ويقوي موقفه التفاوضي ويطور منظومة سلاحه الجوي الذي أصاب العالم بالذهول أمام المشاهد اليومية لعشرات المدنيين الذين ينتشلون من تحت الأنقاض نتيجة إمطارهم ببراميل متفجرة من طائرات تحلق من علو لم تعد تصله كما كانت من قبل مضادات الطيران التقليدية التي يمتلكها الجيش الحر والذي هو حتى الآن محروم من السلاح النوعي. 

إدارة أوباما القائدة الفعلية لمجموعة أصدقاء الشعب السوري بعد أن حققت ما تريد في انتزاع الإجماع على قرار مجلس الأمن 2118 الذي أجبر نظام الأسد على تسليم مخزونه الكيماوي مصدر القلق لإسرائيل حليفتها النووية في المنطقة من جهة، وفرض على كل من النظام والمعارضة الجلوس إلى طاولة المفاوضات وفق مقررات جنيف1 من جهة أخرى، مما كفاها مؤونة تحمل العبء الأخلاقي والإنساني لسيل الدماء في سوريا، ومع علمها بتعقيدات عملية التخلص من أسلحة الدمار الشامل في سوريا وبألاعيب نظام الأسد في إخفاء حجم ترسانته الحقيقي لم يعد يشغلها سوى التخلص من أو تحجيم دور المجموعات الجهادية لصالح جيش حر أكثر براغماتية وقابلية للسيطرة ومرونة إزاء سيناريو الدمج مع الجيش النظامي في حال التوصل إلى حل سياسي مستقبلي. رفع مستوى التمثيل السياسي للائتلاف في واشنطن إلى بعثة دبلوماسية لا تشملها الحصانة رغم تأخرها عن باقي دول مجموعة الأصدقاء يعد خطوة هامة من دولة عظمى بثقلها الدولي في إطار العلاقات العامة لصالح الثورة وإجهاضاً لحملات النظام التضليلية للرأي العام الدولي بادعاء محاربته للإرهاب إلا أن عدم سحب إدارة أوباما الاعتراف بنظام الديكتاتور بشار الأسد يبقى محل تساؤل كبير إلى جانب أن فيتو إدارة أوباما على وصول السلاح النوعي المتوفر لدى الدول الداعمة إلى الثوار يعني من الناحية العملية لجم قدرة المعارضة على الوصول إلى هدف إسقاط النظام إلى جانب أنه يساهم في حصد عشرات أرواح المدنيين يوميا.

الأمم المتحدة اكتفت بموقف المراقب إزاء عجزها عن التحرك أمام خروقات النظام لقرارات مجلس الأمن 2118 و2139 إذ لا يوجد في جعبتها طرح آخر غير مسار جنيف الذي لا يستند إلى أي آليات تنفيذية. 

*المشهد الداخلي
مع انحسار المسيرات الشعبية في أنحاء المدن السورية في نهايات العام 2011 إثر القمع الوحشي لها من قبل النظام وتكثيف العمليات العسكرية في الأرياف اتخذت الثورة طابعا عسكريا بعد تحرير مناطق واسعة من ريف مدينة حلب العاصمة الاقتصادية للبلاد ذات الموقع الجيو استراتيجي المتميز، مما جعلها مهدا لانطلاق عدة ألوية وجبهات وتحرير المنطقة الشمالية الواقعة على الشريط الحدودي مع تركيا. 

من جهة الجنوب كانت مدينة درعا تشهد تحولا آخر لصالح الجيش الحر لوجود متنفس لها من جارتها الأردن ولكن بقيت المناطق الجنوبية من البلاد تخضع لتحكّم صارم من قبل دول الجوار، ما يفسر عدم استهداف العاصمة دمشق من الجهة الجنويبة. ضعف قدرات الإدارة المدنية للثورة التي تشكلت تحت مظلة المجالس المحلية من جهه وبعد القيادة السياسية التي تشكلت في إطار المجلس الوطني والائتلاف الوطني عن المشهد الداخلي من جهه أخرى عزز من استقلالية الألوية والجبهات عن القرار السياسي للثورة.

هدية رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى الأسد كانت هي مسرحية هروب السجناء المرتبطين بتنظيم القاعدة من سجن "أبو غريب" والتي أتبعت بعمليات هروب أخرى مهدت الطريق لتنظيم "دولة العراق والشام الإسلامية" الأشد تطرفاً والذي أصبح يعرف بداعش لدخوله إلى حلبة الصراع في سوريا وكبح جماح الثورة، إذ إن جل عمليات التنظيم انصبت فيما بعد لصالح النظام بتركيزها على استعادة الأراضي المحررة ومحاربة الثوار واغتيال كبار قياداتهم إلى أن وجد التنظيم لنفسه مقرا في مدينة الرقة الاستراتيجية القريبة من مصادر الطاقة. ومع استغلال النظام وجود عناصر داعش لتبرير نظريته في الحرب على الإرهاب أمام العالم، استعان الأسد بميليشيات شيعية متعددة الجنسيات لمواجهة الجبهات المقاتلة في الأرياف إلى جانب تحالفه مع حزب العمال الكردستاني في الشمال الشرقي ليستطيع التفرغ لتحصين العاصمة دمشق والسيطرة على مدينة حمص لوصلها مع حاضنته في الساحل.

هاجس الأسد منذ بداية الثورة كان هو السيطرة على المنطقة الجغرافية الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية، والتي تضم العاصمة دمشق وحمص والساحل، مما يؤمن له استمرار تدفق الدعم الإيراني عن طريق لبنان والروسي عبر مرافئ الشريط الساحلي، ولم يعر الأسد نفس الاهتمام إلى باقي المناطق التي فقد الأمل من السيطرة التامة عليها خاصة بعد أن أصبحت أشبه بكانتونات تحت سيطرة فرقاء حيث "داعش" في الرقة وعلى حدود دير الزور وحزب العمال الكردستاني في الحسكة والجبهة الإسلامية مع جبهة جيش المجاهدين في حلب وجبهة ثوار سوريا في إدلب وحركة "حزم" في ريف حماة وألوية مختلفة في الجنوب.

يحاول الأسد تعزيز هذا الوضع بإصراره على إجراء الانتخابات الرئاسية في ظل هذا الانقسام لفرض حالة أمر واقع جديدة ربما تمهد لتغيير الخارطة الجغرافية للبلاد كخيار ليس للمجتمع الدولي سوى التعامل معه بعد فشل جنيف٢. بعض المبادرات الغربية التي تأتي عن طريق منظمات غير رسمية مثل منظمة الحوار الإنساني السويدية أخذت بالفعل تروج إلى مبادرات الحل في ظل الاعتراف المتبادل بالمناطق الجغرافية غير المرسومة الحدود والّتي يسيطر عليها الفرقاء وإجراء الانتخابات المحلية على هذا الأساس مع السماح بحرية الحركة للمواطنين بين المناطق. وكذلك تصريح رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير بأن أفضل اتفاق في المرحلة القادمة هو الوصول إلى اتفاق سلام يتيح للأسد أن يبقى في الحكم لفترة قصيرة"، وما يشجع الأسد على المضي قدما في استراتيجيته تلك صدور تصريحات سابقة من زعماء دول عظمى بأن خيار التدخل في سوريا غير وارد خاصة بعد أن حول الأسد اتفاق الكيماوي إلى ورقة رابحة بيده يستخدمها للمضي في سياسة القتل والتهجير وتغيير التركيبة الديموغرافية للبلاد بالوسائل القذرة.

*التحولات العسكرية على الأرض
لا حاجة لإثبات دور إيران الفعال في تثبيت نظام الأسد بعد أن كان القصر الجمهوري على قمة جبل قاسيون تحت متناول مدفعية الثوار. فقد صرح بذلك قائد سلاح الطيران في الحرس الثوري الإيراني أمير علي حجي زادة لوكالة الأنباء الإيرانية (فارس) بقوله: "لولا الدعم الإيراني لقوات الاسد لخسر المعركة وأن الأخير بقي في السلطة بسبب إرادة إيران".

في مقابل ذلك تميزت التشكيلات العسكرية للثورة بسرعة تبدل المظلات التي تندرج تحتها مئات الفصائل حسب مصادر الدعم، وذلك لشدة حاجتها إلى المال والسلاح. ورغم أن الدول الداعمة في مجموعة الأصدقاء كانت تحصر الدعم في هيئة الأركان التي لا تخرج عن توجيهاتها، إلا أن وتيرة المواجهة المتغيرة والدينامية المتسارعة على الأرض، دفعت غالبية الكتائب التي شكلت هيئة الأركان إلى خارج اللعبة، ما أوجد علاقة شائكة مازالت مستمرة إلى الآن بين الجبهات الفعليه المقاتلة وغالبيتها ذات صبغه إسلامية وبين هيئة الأركان. محاولات النظام حصار حلب بعد سقوط القصير في أواسط شهر حزيران من العام الفائت والتهديد الوجودي ضد الألوية الذي ولّده تنامي قوة داعش في الشمال، إضافة إلى الحصار المضروب على مناطق المعارضة في ريف دمشق وحمص والهدن التي بدأ يعرضها النظام عليها لتسليم السلاح مقابل فك الحصار والسماح بدخول المواد الغذائية، والتي لاقت استحسانا من الأهالي الذين لم يعودوا يجدون ما ينفع للاقتيات حتى على القطط والكلاب كل ذلك شكل تحديا كبيرا للألوية المقاتلة على الأرض، فتشكلت جبهات جديدة تضم عدة ألوية أكبرها اتحاد "أجناد الشام" في العاصمة دمشق وجيش المجاهدين في حلب إلى جانب الجبهة الإسلامية التي تضم أكبر الفصائل المقاتلة على الأرض. 

إلا أن جبهة ثوار سوريا في إدلب التي تشكلت كرد فعل على الجبهة الإسلامية بعد يومين من إعلانها وحركة "حزم" في ريف حماة كانتا الأوفر حظا من الحصول على الدعم الإقليمي المراقب دوليا لتوافقهما مع سياسات الدول الداعمة. القرار الاستراتيجي الذي اتخذه جيش المجاهدين لمواجهة داعش في حلب ودحرها إلى الشرق ومن ثم فتح جبهة الساحل من قبل الفصائل المحلية بدعم من حركة أحرار الشام، وتحرير مدينة كسب الساحلية المتاخمة للحدود التركية خفف الضغط عن مدينة حلب وكبح تقدم الميليشيات المرتبطة بالنظام من جهة الجنوب والشرق، إلا أن محاولات الميليشيات الشيعية لحصار مدينة حلب من عدة جهات لم تنقطع حتى الآن.

أما في حمص فبعد عقد الهدنة بين النظام والثوار في المدينة القديمة بإدارة سفير إيران في دمشق، فإن الخطوة التالية للنظام ستكون السيطرة على حي الوعر الذي يقطنه ٤٠٠ ألف نسمة وحوالي 6000 مقاتل من شتى الفصائل، وبالتالي إحكام السيطرة على كامل المدينة التي تشهد تغييراً ممنهجاً في التركيبة الديموغرافية بإدارة النظام.

نضوج المحصول الزراعي في الغوطتين المحاصرتين في دمشق قد يحل جزءا من أزمة المجاعة التي تسبب الحرج الشديد للثوار مع الأهالي الذي يبلغ عددهم 750 ألف نسمه حتى نهاية العام، ولكن سقوط القلمون بيد النظام في شهر مارس من هذا العام يجعل من العسير جداً إيصال معونات إلى ريف دمشق من جهة الشمال ويسد منفذ عرسال اللبناني على الثوار، وأصبح الطريق الوحيد لإيصال الدعم إلى ثوار الريف الدمشقي هو جبهة الجنوب التي لم يكن حظها وفيرا بعد تحرير سهل حوران كجبهات الشمال، فقد أخذت تلعب دوراً وظيفياً بحكم الجبر ليس بإمكانها تعديه تحت إدارة مشتركة لدول جوار متواجدة في الأردن، ويتمثل هذا الدور في تشكيل منطقة عازلة من جهة الجنوب داخل الأراضي السورية لصالح الجارة الجنوبية. 

جبهة النصرة المتواجدة في أغلب الجبهات الحساسة ضد النظام وبعد أن أعلنت حرباً شاملة على داعش هي الأخرى تشكل تحديا للثورة بعد أن أصبح ثقلها في المعادلة يزداد بسبب نجاحها في الحصول على تضامن باقي الكتائب معها ضد داعش ومساندة مقاتليها الكتائب الأخرى ببسالة في محاربة النظام ورغم وجود إمكانية كسب أغلب عناصرها من السوريين الذين انضموا تحت لوائها اضطرارا للدفاع عن مناطقهم لصالح الاتجاه المعتدل للثورة، إلا أن الظاهر من الخطاب التكفيري الأخير لزعيمها الجولاني أن آليات اتخاذ القرار فيها مازال محصورا في دائرة ضيقة من متشددي تنظيم القاعدة.

*منظمات المجتمع المدني والدور الغامض
عندما هرع كثير من نشطاء الثورة خارج الحدود بهدف كسب مزيد من الخبرة عن طريق الدورات المختلفة التي روجت لها منظمات المجتمع المدني الغربية لدعم التحول في سوريا، لم يكن يدور ببالهم أن أغلب تلك الدورات الفقيرة المحتوى كانت مجرد طعم لتوظيف النشطاء كمصدر لكشف الخارطة الاجتماعية والسياسية المتغيرة للثورة.

وقد كانت تقارير غالبية تلك المنظمات التي تعمل تحت غطاء إغاثي أو إنساني أو مراكز دراسات تصل باستمرار لصناع القرار في الدول المعنية حول اتجاهات الثورة وتطوراتها وأوضاع الأقليات والطوائف في الداخل السوري، مما ساهم إلى حد كبير بتأخير الدعم المطلوب من الدول التي مشكلتها هي قدوم المرحلة التي يتوافق اتجاه الثورة فيها مع توجه الدول الداعمة أكثر من مشكلة الوقت الذي يحصيه الشعب السوري بأعداد الشهداء. ولم تعد المنظمات الأجنبية هي وحدها في الساحة، بل تشكلت منظمات مجتمع مدني بأيدي سوريين منهم شخصيات فقدت حظها في الاستمرار في اللعبة السياسية يقوم معظمها بنفس الدور الوظيفي تحت غطاء الأنشطة الإنسانية والمؤتمرات البحثية العلمية وتحصل على الدعم من نفس المصادر.

*الكارثة الإنسانية المتزايدة والتجاهل الأممي
من سوء حظ ثورة سوريا أن المجتمع الدولي أخفى فيها وجهه الإنساني والأخلاقي وظهر بوجهه الجيو -سياسي. حيث استغلت الدول الداعمة للنظام والمعارضة له الثورة لتصفية حسابات بينية وحولت معركة الشعب مع النظام إلى حرب يتبارز فيها الفرقاء الدوليون بالوكالة.
المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي في بداية مهمته للوساطة في حل سياسي بين النظام والثورة تكتم في أول مؤتمر صحفي له من العاصمة دمشق عن المجزرة التي ارتكبتها طائرات الأسد بقصفت طابور المواطنين أمام أحد أفران حماه خشية فشل جهوده الدبلوماسية التي تكللت بالفشل في النهاية. 

استمرار الأمم المتحدة على سياسة التكتم هذه دفع الأسد إلى تصعيد مستوى جرائمه من قتل وتطهير عرقي وتعذيب واغتصاب وتهجير حتى وصل أعداد القتلى ما يقارب 200 ألف ومثلهم من المعتقلين والمفقودين إلى جانب ٩ ملايين مهجر غالبيتهم العظمى من أهل السنّه مما يغير بشكل جذري نسبة التوزع الديموغرافي والديني في البلاد. 

وزاد الضغط على اللاجئين السوريين في مصر الذين انخرطوا في المجتمع المصري حتى وصل إلى حد التهجير والاعتقال بعد انقلاب السيسي الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفارات مع الأسد وفرض تأشيرات على السوريين الراغبين بدخول مصر. 

أما الجارة الغربية لبنان التي لجأ إليها أهالي حمص ودمشق هربا من المذابح التي ترتكبها ميليشيات الشبيحه فقد وجدو أنفسهم في العراء دون أدنى استعدادات من الحكومة اللبنانية. المسؤولون الأردنيون يطلقون بين الفينة والأخرى نداءات استغاثة لتأمين مزيد من الدعم إلى مخيم الزعتري الصحراوي الذي يفتقد إلى المقاييس الدولية، والذي أصبح بمثابة رابع مدينة في الأردن. وضع مخيمات شمال العراق التي يقيم فيها حوالي 240 ألف لاجئ ليست أحسن حالا إذ إن الحكومة الإقليمية في أربيل هي الأخرى أعلنت حاجتها إلى دعم دولي لتحسين ظروف اللاجئين. الدولة الوحيدة التي اعتبرت السوريين هم بمثابة ضيوف لديها وأنها ستعاملهم على هذا الأساس هي تركيا، إذ أصدر رئيس الوزراء أردوغان في بداية الحراك تعليمات إلى دائرة الكوارث وجمعية الهلال الأحمر بتهيئة البنية التحتية لعدة مناطق مرشحة لاستقبال الضيوف حتى وصل أعداد المخيمات التي تستقبل السوريين إلى 22 مخيما في مدن مختلفة يقيم فيها ٤٠٠ ألف سوري.

وأصدرت وزارتا الصحة والتربية التعليمات للمدارس والمشافي بتقديم الخدمات المجانية إلى السوريين حاملي البطاقات التي يحصل عليها بسهولة من إدارات المخيمات ومنحت حق الإقامة خارج المخيمات لأي سوري يحمل وثائق سفر صالحة إضافة إلى استمرار العمل باتفاقية إلغاء التأشيرات الموقعة مع نظام دمشق في 2009 تسهيلا لدخول السوريين عبر الحدود والمطارات. 

وفي آخر خطاب جماهيري له صرح أردوغان أن تغطية الدولة لخدمات الضيوف السوريين بلغت 3 مليارات دولار على مدى الأعوام الثلاثة الماضية.

الثورة السورية من ناحية أخرى كشفت حجم الفساد في منظومة الدعم الإنساني الأممي والإقليمي على حد سواء فبينما أرقام الدعم التي تصدر باسم الثورة من عواصم الدول والمؤتمرات الدولية تجاوزت العشرة مليارات دولار لا تزال أحوال اللاجئين في مخيمات بعض الدول التي تستقبل الدعم مزرية على جميع المستويات وتفتقر إلى أدنى المعايير الأممية، وليست منظومة الدعم العسكري بعيدة عن هذا الواقع. 
حوالي 70 - 60 % من الدعم المعلن يقتطع كمصاريف إدارية قبل أن يذوب باقي المبلغ كعمولات للوسطاء والشركاء التنفيذيين ولا يقدم الدعم لمؤسسات الثورة بشكل مباشر حفاظاً على منظومة "الشركاء التنفيذيين" تلك. 

*آفاق الحل والخروج من حالة الركود
ما تقدم من معطيات يظهر أن على قوى الثورة في سوريا إعادة النظر في التعويل التام على الدعم الخارجي الذي لا يهدف إلى إحداث تغيير جذري في المنطقة إلا إذا ضمن الاستقرار وعدم تغيير الموازين الإقليمية، إضافة إلى أن حصر المعارضة الخيارات في الاعتماد على الخارج يزيد من بعدها عن نبض الشارع ويخفف من ثقلها الشعبي، ما يفقدها ثقلها لدى الداعمين في نهاية المطاف. 

ومن ناحية أخرى، فإن التجربة أثبتت أن الكتائب الفاعلة على الأرض والتي أغلبيتها ذات إتجاه إسلامي محايد لا يمكن لها أن تحسم المعركة بحصر الاعتماد على قوتها الذاتية والحاضنه الشعبية لها دون أن تبني علاقات ثقة مع العالم الخارجي وتؤمن استمرارية الدعم. لذا يبقى الحل في التقاء أطراف المعارضة الفاعلة بقواها الأساسية السياسية والعسكرية وحركة النشطاء على أرضية مشتركة تظهر تماسكاً حقيقيا واعتماد رؤية واضحة ومتكاملة في هدف إسقاط النظام، وطرح سيناريوهات التعامل مع التحديات الناتجة عن تبعات هذا الهدف في حين تحقيقه بعيدا عن الأجندات الخاصة التي تتعارض مع القواسم المشتركة للثورة من قبل الأطراف المؤثرة خاصة العسكرية منها، ومن ثم ترويج هذه الرؤية الجديدة إلى الداعمين. في هذا الإطار أصبح من الواضح بالنسبة للمجموعات التي تصنف نفسها بالسلفية وتتبنى مشروعا محلياً ضمن الإطار العام للثورة والتي تعمل تحت مظلة الجبهة الإسلامية الأكثر فاعلية على الأرض وكذلك اتحاد أجناد الشام خطأ الدخول في تنافس خطابي مع جبهة النصرة للحصول على مصادر الدعم.

على الحكومة المؤقتة كجسم تنفيذي للائتلاف إثبات فاعليتها في المناطق المحررة من خلال المياشرة بتنفيذ مشاريع خدمية في مجالات التعليم والصحة والبنى التحتية ضمن استراتيجية جديدة شاملة للمعارضة بالتعاون مع المجالس المحلية والجبهات العسكرية.

لا شك أن نجاح قوى المعارضة في الحصول على سلاح نوعي سيغير موازين المعركة لصالح الثورة بسرعة قد تفاجئ المراقبين إذ إن التفوق على الأرض هو لصالح المعارضة رغم استعانة النظام بميلشيات أجنبية شرسة فاستمرار دعم الحاضنه الشعبية للمعارضة وانقطاع حبل هذه الحاضنة مع النظام الحاكم في دمشق يشكل فارقاً أساسياً في المعركة، مما يفشل محاولات النظام بفرض سيناريوهات التقسيم ويساهم في الحفاظ على وحدة البلاد. وجود خطة بديلة لقوى الثورة للتعامل مع سيناريو التقسيم الذي يسعى إليه النظام مستفيداً من الوضع الراهن، والصمت الدولي مع احتمال استمرارية الفيتو الأمريكي على السلاح النوعي أمر يجب أن يؤخذ على محمل الجد في المرحلة الحالية قبل أن يتفاجأ الجميع في المرحلة القادمة بفرض سياسة أمر واقع جديدة.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
إنزال جوي لقوات التحالف بريف دير الزور      مجزرة بحق 6 فلاحين أثناء حصاد موسمهم في بادية حمص والأهالي يتهمون النظام      مقتل مجموعة من قوات الأسد في ريف اللاذقية      توتي يعلن استقالته من إدارة نادي روما      تركيا.. ضبط 585 كغ من الهيروين على متن شاحنة إيرانية      باسل خياط يعلق على قرار طرده من نقابة الفنانين التابعة للنظام      وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي      بولتون: ترامب لن يسمح لإيران بتطوير أسلحة نووية