أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

خصخصة الأمن السوري وتهدّم الدولة العميقة

سقط النظام وبقي، أو ربما يبقى بشار الأسد رئيساً، وإن لأجل، بعد الاستقواء بمنطق القوة والردود الفاترة، عربياً ودولياً على ترشحه لولاية وراثية ثالثة، خلفاً لوالده حافظ الأسد، والاكتفاء "بالاشمئزاز" والتحذير من ديمومة الصراع على سوريا، لردح من الوقت، قد لا يعرف إطاره الزمني، حتى من يرى في "الحرب" وربما "التقسيم والفيدرالية" مشروعاً مكملاً للشرق أوسطية الجديدة، أو استمراراً "للستاندرز" العراقي الذي ترك محرضاً لدول الربيع العربي، قبل اتخاذ القرار بالتوافق، أن يدفن الربيع الذي ولد في تونس، في عاصمة الأمويين دمسق.

التعامي الدولي على جرائم النظام السوري، والتراجع عن "الخطوط الحمراء" حتى خلال جريمة كيماوي الغوطة واستمرار المجازر عبر طرائق لم تعرفها الحروب، عبر تاريخ البشرية، تنم شكليا عن اختلاف المصالح في توزيع كعكة الخراب وإستعادة الهيمنة وإعادة الإعمار، واختلاف رأي حول إعادة رسم الجغرافيا، لمنطقة ربما لا عظيم خلاف، أن تبقى على صفيح ساخن ويمنع على أهليها، العيش بحرية، التعاطي الديني أحد أركانها.

الخلاف على المنابر وفوق الطاولة، الذي يتأتى عبر الوجبات الإعلامية، التي اعتاد المنتظرون اقتياتها يومياً، قد لا يعكس حقيقة ما يجري في الغرف المغلقة، أو من تغيّر ملامح الأوصياء وربما توافق المصالح، بعد دخول عناصر جديدة إلى معادلة الصراع والإقرار بقوى كبرى ظهرت عبر "الحالة السورية" كندّ، إن لم نقل قطباً جديداً، لتعمل وفق منطق التعطيل وتفرض شروطها على الصيرورة، لتضمن حقها بالنتائج، هذه الآونة على الأقل.

بيد أن هذا الاختلاط الذي يعيشه "الكبار" والذي دفع بحكام دمشق للتمادي و"البصق" في وجه المجتمع الدولي وما تمخض عن مؤسساته من قوانين من خلال رفض الحل السياسي وقرارات "جنيف1" التي أوصت بحكومة انتقالية وإلا لم يأخذ على ما يبدو -الاختلاط- التغيرات العميقة التي حققها "المواطن العربي الجديد" وعلى طرفي الحالة، إن لما يتعلق "بالردة" والقبول بالديكتاتوريات بعد التخويف من "الديمقراطيات المستوردة" كما حدث في الجزائر ومصر، أو التصميم على التغيير مهما عظم الثمن، كما حدث في ليبيا ويحدث في سوريا. 

فالدولة السورية العنكبوتية الذي بناها نظام البعث عبر عقود، وأفلح في تسويقها بعد "الحركة التصحيحية" على أنها سوريا العلمانية التعددية الحديثة، مستخدماً أدوات المقايضة وتعميق الدولة عبر تأميم كل ما يوصل للحريات أو يهدد بنى "دولة البعث الأسدية"، من خلال التجويع حيناً ومطرقة الأمن وسلاح الجيش بقية الأحايين، بدأت تفقد تلك الأدوات وتخسر ما كان يعتبر عوامل ضمان استمرار وتوريث السلطة.

فالجيش الذي أبرم هدنة مع إسرائيل، وأمّن لها حدودها لنحو أربعين عاماً، استمر أربابه في استيراد الأسلحة وتعظيم السلاح الكيماوي، تحسباً للحظة تهديد أركان الحكم كالذي لاح في آذار 2011، هذا الجيش الذي عومل كطفل وحيد مدلل، لم تعرض موازنته يوماً على برلمان أو حكومة، قوّض بين انشقاق وقتل، ولم يعد العصا الغليظة المحتفظة بعوامل الترهيب والقمع، بل عرّت صموده وقوته، حالات استيراد "إخوة العقيدة" من العراق وإيران ولبنان.

أما المؤسسة الأمنية السورية، والتي لا يدخل من فيها ضمن قانون العاملين الأساسي في سوريا، بمعني أنها غير منتمية للحكومة ولا تسري عليها قوانين الدولة، شأنها شأن "المنظمات" الرديفة في دولة الأسد العميقة، من طلائع بعث وشبيبة ثورة ومؤسسات تتبع للقيادتين القومية والقطرية، أيضاً نالت حصتها من التعري والتهديم، بعد سنوات ثلاث من الثورة، دفعت بنظام الأسد، لزج عناصر الأمن وحتى قادته، في ميدان المعركة، بعد أن حافظوا عبر حكم الأسد، الأب والإبن، على إبقاء الأمن أداة لترهيب الشعب و"كشف المؤامرات" وحالات الاختراق الخارجية.

هذه المؤسسة الأمنية، التي ينسب بعض الفضل في بقاء الأسد لها، بدأت بإعلان الهزيمة أخيراً، فوقت أصدر بشار الأسد العام الفائت المرسوم 55 القاضي السماح بتأسيس وترخيص شركات حراسة وحماية، لم يصل الظن بأكثر المحللين تفاؤلاً، إلى أن الأسد قد يستعين "بأمن خاص غير مؤدلج" ليحمي مناطق سيطرته، وفي دمشق تحديداً، أكثر معاقل النظام قوة وتحصيناً.

ففي الأمس، رخصت دمشق لثاني شركة أمنية تعنى بالحراسة وحماية الأهالي والممتلكات "قاسيون" بعد أن رخصت قبل ذلك لشركة "الحصن"، لتعطي تفسيرين اثنين.

الأول إعطاء الطمأنة لمن وقف مع نظام الأسد من الشعب السوري فقتل واعتقل، عبر قوننة عمله وضمان دخله ومستقبله.

والثاني أن الأمن السوري لم يعد قادراً على العمل على غير جبهة، فقد تفرغ لحماية النظام، ولابد من إيجاد "أمن آخر" في تجربة تذكر السوريين بثمانينات القرن الماضي، وقت وظف الأسد الأب عناصر حزب البعث، الذين تخلوا اليوم في معظمهم عن الإبن، لحماية كل ما يريده "القائد" إلى جانبه، ولكن لا يعنيه لدرجة تفرغ أمن النظام لحمايته.

نهاية القول: أياً بلغت مبررات النظام لدخول شركات أمنية إلى الواقع السوري، وفي هذه الآونة بالذات، وأن يفتح تسليحها إلى ما بعد المسدس والبندقية الآلية، فذاك يدلل على تصدع عميق في دولة الأسد العميقة، وهو ما تحقق عبر تصميم السوريين الذين أسقطوا النظام، وإن تآمر الآخرون على إبقاء بشار الأسد ريثما يؤدي آخر ما طُلب منه.

(87)    هل أعجبتك المقالة (181)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي