أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

أسواق حمص القديمة.. التاريخ فيها يعانق الجغرافيا

أسواق حمص القديمة.. التاريخ فيها يعانق الجغرافيا
خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
تأتي أسواق حمص القديمة في طليعة أسواق المدن العربية والإسلامية من حيث جمالها واتساعها واحتفاظها بطابعها الأصيل، وهي تمتاز بسقوفها الاسطوانية وعقودها المقببة الضخمة التي تحمي روادها من قيظ الصيف وبرد الشتاء. 

وتبدو هذه الأسواق التي تهدّم معظمها الآن للأسف بعقودها الحجرية وواجهاتها الفخمة وأقواسها الرشيقة وكأنها خارجة من عصور القرون الوسطى، وعند تلاقي سوقين أو أكثر تبرز قبة كبيرة تتوج مفرق الطرق وكأنها قبة مسجد كبير، وبين مسافة وأخرى تتدلى حزم من نور الشمس من فتحات مربعة الشكل تثقب قنطرة السوق فتنير الشارع البازلتي دون أن يتمازج النور مع الظلام فيتعايشان معا بينما يسود خارج السوق نور باهر وكل شيء في هذه الأسواق شرقي ومحلي وقديم، ففي الدكاكين الصغيرة يجلس الباعة خلف سلعهم أو تجد الصانع يشتغل تحت أنظارالمشتري وهنا تعرض مئات من المنتجات كالأقمشة الحريرية والمقصبة والجوخ والشاش والآشيات والأصواف إلى جانب أسواق السجاد الشرقي الثمين والعطور والصاغة والخضاروالتوابل، وحيث يتجول المرء في هذه الأسواق القديمة يدرك أن التاريخ في هذا المكان من العالم ليس فكرة مجردة أو بطاقة مغبرة في مكتبة مهملة، بل هو تاريخ حي يعانق الجغرافيا فتراه العينان وتتلمسه اليدان وتستنشقه الروح، وتحت قباب هذه الأسواق ولدت عام 1885م أول جمعية اقتصادية مساهمة لصنع منسوجات وطنية تضارع المنسوجات الأجنبية ودعيت هذه الجمعية بـ (الجمعية الاقتصادية لتحسين المنتوجات الحمصية) وسارت هذه الجمعية بخطوات واسعة ونجاح مرموق. حتى كادت منسوجاتها أن تضارع المنسوجات الأوروبية وتفوقها في المتانة والاتقان.


من البابوش إلى الطربوش:
يعتمد تنظيم أسواق حمص القديمة على نوعية البضائع، تماماً كما كان عليه الأمر في الماضي البعيد ويجد الزائر في هذه الأسواق كل ما يخطر على باله من (البابوش إلى الطربوش) كما يقول المثل الشعبي. من الثياب الجاهزة والشرقيات والنحاسيات والأقمشة وستائر النوافذ والثياب الداخلية وأغطية الرأس والفضيات والثريات إلى النراجيل والحلي الذهبية والأحذية والقباقيب والجوارب والحقائب، إلى مختلف مستلزمات الكلفة والتطريز والعطور، وكل ما يلزم البيت من صمديات وزهور صناعية وشمعدانات إلى ما لا نهاية له من هذه السلع، ولم تكن هذه الأسواق في الماضي كما تذكر مصادرالتاريخ الاجتماعي للمدينة مجرد دكاكين لبيع البضائع بل كانت منتديات للتداول في قضايا الحياة اليومية وفض المشكلات وتنظيم عقود القِران وممارسة النشاطات الاجتماعية الأخرى، ولاتزال بعض هذه الأسواق تحتفظ بوظائفها الاجتماعية ولكن بصورة مختلفة عما كان يجري في العصور الماضية.

ومن أهم أسواق حمص القديمة سوق (القوافة) أو(النوري) المجاور لباب الجامع النوري الجنوبي وعرف قديماً باسم سوق (السلحفة) نسبة لسقفه الشبيه بظهر السلحفاة الذي كان قائماً على عوارض خشبية مقببة بألواح التوتياء، وكانت تشغل محلاته التجارية الكبيرة مقاهٍ متعددة منها (الزرابلية، الفاخورة), وعرف هذا السوق باسم (القوافة) لإشغاله من قبل الحرفيين الذين كانوا يمارسون مهنة صناعة الأحذية أو(الصرامي الحمراء) كما كانت تدعى في الماضي، وأُدخلت بعض التجديدات المعمارية على طراز السوق أيام الباشا عبد الحميد الدروبي، حيث أُبدلت الأرضية المرصوفة بالكتل الحجرية الصعبة المسلك، واستعيض عنها بالبلاط الحجري المشذب الأملس، وتتصدر واجهات المحلات أقواس حجرية ذات أشكال نصف دائرية كما تتوضع على عضائدها أشكال هندسية تاجية ذات زخارف بسيطة وتحيط بالسوق من الأعلى نوافذ للتهوية والإنارة، استخدم في بنائها الحجر الأسود، وهو الحجر الذي ميَّز البناء المعماري الحمصي عبر العصور.


قيسارية الحرير:
وإلى جانب سوق النوري وبالتصالب معه يقع سوق قيسارية الحرير الذي تم بناؤه بأمر من الوالي أسعد باشا ليكون خاناً لاستقبال المسافرين من تجار وحجاج وفلاحين، ولفظة (قيسارية) من أصل يوناني وتعني البناء الملكي الامبراطوري وتتميز قيسارية الحرير بعدد من الدكاكين على جوانبها الأربعة، ولها مدخل بمصراع كبير من الخشب المصفح بالحديد في وسطه باب صغير يسمى (خوخة) وقفل للباب (سكرة) ويلي الباب دهليز مسقوف بعقد يفضي إلى درج حجري يؤدي بدوره إلى الطابق العلوي الذي يتألف من 27 محلاً تجارياً تحيط بها أعمدة حجرية بيضاء تحمل السقوف الخشبية، وكان سوق القيسارية مخزناً كبيراً للزيوت في الفترة ما بين 1800، 1909 ولا تزال آثار المعصرة الحجرية قائمة حتى الآن، ثم استقل تجار الحرير في الطابق العلوي وتنوعت المهن في سوق القيسارية ما بين عامي 1939 -1940 فاشتمل على تجارة بضائع جديدة كالفاتورة ومال القبان.

وبموازاة سوق القيسارية يقع سوق عبدو آغا سويدان المعروف الآن بسوق العبي وكان هذا السوق ايام الاحتلال الفرنسي ملجأ للثوار يختبئون فيه بعد أن يقوموا بأعمالهم البطولية ضد الاستعمار الفرنسي. ويمتاز هذا السوق بطابع تراثي مضمخ بعبق التاريخ وأريج النضال وعظمة التجارة وجاذبية الشرق، وهو يمثل نموذجاً مدهشاً لروائع العمارة العربية الإسلامية وتنشط في هذا السوق مهن الخياطة العربية والتنجيد وبيع البسط القديمة.


البازرباشي والمعصرة:
ومن الأسواق المكشوفة في حمص سوق البازرباشي الذي يبدأ شرقاً من النهاية الجنوبية لسوق النوري ويحده من جهتها الشرقية حمام الباشا وينتهي بساحة تملؤها المحلات التجارية القديمة وفي المنتصف أكشاك صغيرة لبيع ادوات الكلفة والخياطة والتطريز ويتصدر الساحة جامع البارزباشي (رئيس السوق) أو (شيخ السوق) تتصل الساحة بأسواق مسقوفة لبيع الأقمشة مع سوق الصناعة كما تتصل بساحة صغيرة اخرى يتصدرها الحمام العثماني القديم ويتمتع هذا السوق بأهمية تاريخية ويعرف عند عامة الناس بـ (سوق النسوان) حيث كانت النسوة يتولين فيه بيع الأشياء القديمة أو المستعملة، وهكذا نجد أن المرأة كانت تمارس نشاطها التجاري في الحياة الاقتصادية منذ القديم، وهناك سوق المعصرة الذي عرف بهذا الاسم نسبة إلى مهنة عصر الدبس فيه منذ القديم وتظهر في الجهة الشمالية الشرقية منه داخل أحد المحلات آثار المعصرة الحجرية، والمحلات الأخرى كانت تستخدم كمستودعات لزبيب العنب ولكن هذا السوق تحول الآن إلى محلات تجارية واستخدام الطابق العلوي للسوق حتى عام 1959م لأصحاب مهنة الخياطة العربية والإفرنجية كما أن سقفه العلوي جدد عام 1956م ويستخدم حالياً لبيع مواد النوفوتيه والأقمشة وجوانب منه تستخدم كمستودعات للمنسوجات.



يتألف الطابق الأرضي من ثلاثة عشر محلاً تجارياً والطابق الأول يحتوي على إثني عشر باباً وعشر نوافذ والدرج لولبي الشكل ويحيط دهليز الطابق العلوي درابزين حديدي. وبالتقاطع مع أسواق القيسرية والعبي والخياطين يقع سوق الصاغة الذي يعود تاريخ بنائه إلى أواخر العهد العثماني ويشغل كما هو واضح من اسمه من قبل أصحاب مهنة الصياغة وبعض بائعي النوفوتيه، وهو أحدث عهداً من الأسواق المجاورة لكنه شبيه بها في العديد من أقسامه ويحتضن هذا السوق الحمام الصغير الذي يمتاز بالعديد من الميزات التاريخية والفنية والأثرية، ولكنه -للأسف- تحول إلى متجر لبيع النوفوتيه والألبسة الجاهزة وسيأتي الحديث عنه في زاوية قادمة.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
"كمال".. البعثي الذي ينشر عتمته على حوران ويمهد لعودة "عاطف نجيب"      "مطانيوس خوري" معارض ومعتقل سابق يفارق الحياة في منفاه      انطلاق المرحلة السابعة من الانتخابات البرلمانية الهندية      وزير النفط العراقي: نسعى لتحقيق الاستقرار في السوق النفطية      ديوكوفيتش يواجه نادال في نهائي إيطاليا      الرضاعة الطبيعية تقي الأمهات من خطر أمراض القلب      أنطونيو بانديراس: نوبة قلبية ساعدتني على إعادة اكتشاف نفسي      كومباني يرحل عن سيتي بعد تحقيق ثلاثية تاريخية