أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

نزار قباني يرثي الشاعر وصفي قرنفلي

رميت نفسك من قطار الذاكرة العربية ونجوت (مرثية نادرة) ..

في صباح شتائي من أحد أيام عام 1971 رحل الشاعر السوري وصفي القرنفلي الذي يعتبر أحد رواد القصيدة العمودية في سورية وغم أنه ظل مجهولاً للكثير من نقاد حركة الشعر العربي المعاصر بسبب إصراره على البقاء في مدينة حمص وزهده في الشهرة والأضواء ، وقد شكل القرنفلي مع شاعرين آخرين هما عبد الباسط الصوفي وعبد السلام عيون السود ثالوثاً مميزاً في حركة الشعر السوري المعاصر وانتهى كل واحد منهم نهاية مأساوية مما دعا الشاعر الراحل نزار قباني إلى القول : إنني أبحث عن حادثة فرح واحدة في الشعر العربي ، فلا أرى إلا حشرجات عبد السلام عيون السود وسقوط عبد الباسط الصوفي منتحراً في كوناكري ، وانطفاء وصفي القرنفلي كشمس شتائية ، فهل كُتب على حمص منذ ديك الجن إلى اليوم أن تقدم وحدها كل ضحايا الشعر وأطهر قرابينه ؟ .

ومثل قرينيه الصوفي وعيون السود رحل وصفي القرنفلي مودعاً حياته الشعرية بعد أن فرد اليأس جناحيه القاتمين على رحلته في دروب الوجود المضني ، وبعد أن أنشب المرض أظافره في جسده الواهن الرقيق النحيل ، فصار شبحاً ضاوياً في صورة إنسان كما يصفه رفيق عمره الشاعر ممدوح السكاف ، وقد ختم هذه الرحلة بقصيدة نظمها في قرية تومين بين مدينتي حمص وحماة عام 1971 ونشرها في مجلة الأديب اللبنانية خلال العام نفسه ، وقدم لها بالمقدمة الموجزة التالية (( أخي ـ يقصد ألبير أديب ـ صاحب المجلة المذكورة ..... للأديب في قلبي ذكريات ، فعلى صفحاتها أنهي بهذه الأبيات حياتي الشعرية .. عش سعيداً .. واسلم لأخيك وصفي )) .

شاعر الشعب

ولد الشاعر وصفي القرنفلي في حي من أحياء مدينة حمص القديمة عام 1911 وفيها تلقى علومه الابتدائية والإعدادية والثانوية ، ثم التحق بوظيفة في دائرة المساحة في حمص إلى أن ألزمه المرض العضال الفراش سنوات عدة حتى وافته المنية في أحد أيام كانون الأول من عام 1971 بعد أن كرمته الدولة بمنحه وسام الاستحقاق السوري الذي علقته على صدره وزارة الثقافة تكريماً لدوره الطليعي في حركة الشعر العربي المعاصر ، وكان وصفي القرنفلي يمثل صوت المتعبين الكادحين بعد تفتح وعيه القومي على نكسات الحروب وجشع الطبقة الإقطاعية المستغلة لتعب الكادحين وعرقهم ، مما جعل صوته يرتفع منادياً بالعدالة الإنسانية والحرية المطلقة للشعوب المقهورة وبالاشتراكية طريقاً للعدالة الإنسانية والاجتماعية لذلك أطلق عليه لقب (( شاعر الشعب )) كما يقول الناقد محمد غازي التدمري في كتابه " من أعلام حمص " ، وانسلت روح الشاعر من جسده ليمضي إلى حضن أمه الأرض غريباً أبياً أمنيته الأخيرة أن تنقش هذه الأبيات على قبره :

لقد غدوت ترابأ لا يحركني

بيت من الشعر أو زهر على فنن

وحسبي ـ ولا حسب ـ خلف القبر متكئي

في حضن أمي وأني في ثرى وطني

وإني كنت ـ والأحرار ـ تعرفني

حراً أضأت دروب الشعر في زمني

سقوط الستارة

شارك الشاعر الراحل الكبير نزار قباني في حفل تأبين وصفي القرنفلي الذي أقيم في حمص بكلمة كحد السيف تقطر مرارةً وألماً وحزناً على رحيل صديقه قرنفلي وهي تعتبر من أجمل كلمات الرثاء وأكثرها صدقاً وشفافية لأنها لامست هموم الجماهير العربية وغاصت في عمق الجرح العربي، ولم تنشر هذه الكلمة من قبل لأنها كانت ارتجالية، وقد عثرنا عليها لدى أحد أصدقاء الشاعر الراحل وصفي القرنفلي وهو الأديب يوسف الحاج الذي كان حاضراً في حفل تأبينه، ويقول الشاعر الراحل نزار قباني في كلمته هذه :

( في طريقي من بيروت إلى حمص كان سؤال شرس ونزق ولئيم يثقب جمجمتي، لماذا يجتمع الشعراء العرب دائماً على مائدة الموت ، ولا يجتمعون على مائدة الحياة ؟ . هل قدرهم المسطر في اللوح المحفوظ أن يحملوا أجساد زملائهم على أكتافهم ويطمروها في السر حتى لا يراهم التاريخ ولا تراهم المروءات ؟ .

ويضيف الشاعر قباني : هل هناك اتفاق مكتوب أو شبه مكتوب يحتم على الشعراء العرب أن يكونوا في حال حداد دائم .. وألا يتعانقوا إلا بعد سقوط الستارة وانصراف المتفرجين.. هل قدر الشاعر العربي أن يموت هذا الموت الدراماتيكي فلا تتعرف على جثته وعلاماته الفارقة وأوراقه الثبوتية سوى ديدان الأرض وأسراب النحل وكواسر الطير... هل العالم العربي لا اليونان هو وطن التراجيديا.. وهل على شعرائنا أن يلاقوا مصير هاملت، ويطعنوا في ظهورهم كيوليوس قيصر ؟ .

هل الحزن هو الميراث الوحيد للشاعر العربي منذ سقوط رأس الحسين في كربلاء حتى اليوم ؟ إنني أبحث عن حادثة فرح واحدة في الشعر العربي فلا أرى إلا حشرجات عبد السلام عيون السود وسقوط عبد الباسط الصوفي، وانطفاء وصفي القرنفلي كشمس شتائية، فهل كتب على حمص منذ ديك الجن حتى اليوم أن تقدم وحدها كل ضحايا الشعر وأطهر قرابينه ؟ هل على وصفي القرنفلي أن ينتهي بهذه الطريقة الروتينية التي ينتهي بها الأميون، والصعاليك، والتافهون، والمرابون، فيحمل في سيارة إسعاف مستعجلة ووراءه مشيعون مستعجلون ليصلى عليه في كنيسة ما، ويدفن في حفرة ما... حتى لا يراه التاريخ.. ولا تراه المروءات ؟ إذن لمن تكون عربات المدافع، ووراء من تلهث الجياد الحزينة، ويعزف جنود البحرية موسيقى باخ الجنائزية ؟ . أكيد أن( وصفي) لا يريد عربة مدفع تحمله في رحلته الأخيرة ولا طائرات هيليو كوبتر تحلق فوق جسده المحمول، فهو من طبقة الشعراء الدراويش الذين يكرهون قواعد البروتوكول، ويفضلون الصعود إلى السماء مشياً على أقدامهم.. وأكيد أن وصفي القرنفلي لا يحب في دقائقه الأخيرة أن تعزف له موسيقى باخ الجنائزية ..فلقد شرب وصفي من بحار الدمع حتى امتلأ، وكانت حياته كلها إيقاعاً رمادياً وجرحاً لا ضفاف له .

موت سابقاً لأوانه

ويرى قباني في كلمته الرثائية المؤثرة أن وصفي القرنفلي لم يكن لديه مواهب استعراضية، ولا يجيد ارتداء الملابس التنكرية، ولا يعرف دبلجة الصوت ، لذلك لم يستطع وصفي لضعف موهبته التمثيلية أن يسرق الأضواء وينال جائزة الأوسكار ، كان كالبحر مكتفياً بموجه وصدفه ، وكالقصيدة الصوفية ، تطرب كلما قرأت نفسها ، وكان كزجاجة النبيذ ، كلما فكرت بنفسها سكرت بتفكيرها ، وهذا الاكتفاء المدهش عند وصفي القرنفلي جعله كالسحابة كلما عطشت فتحت شرياناً من شرايينها الداخلية وشربت .

ويردف الشاعر الكبير قائلاً:

سألوني أن أتكلم في أربعين وصفي القرنفلي ، ولكن هل مات وصفي القرنفلي منذ أربعين يوماً فقط ؟ .

أعتقد أنه مات قبل ذلك بكثير ، مات في نهاية القرن الخامس عشر ، يوم سقطت غرناطة ، ومات مرةً ثانيةً حين أُخرج العرب من فلسطين عام 1948 ، ومات مرةً ثالثةً يوم تمزقت خريطة العالم العربي وكبرياؤه بمقص إسرائيل في حزيران عام 1967 ، وخوفاً من أن يموت موته الرابع تركنا وذهب.

ويناجي الشاعر نزار قباني صديقه الراحل بقوله:

أيها الشاعر الصديق ، لم أقطع مئات الأميال لأبكيك ، فلا أجيد حرفة البكاء ، ولا أنت تقبل مذلة الدموع ، ولكنني أتيت لأهنئك لأن جهازك العصبي قد توقف عن الفعل والانفعال ، وأعصابك لم تعد كأعواد الكبريت قابلة للاشتعال في كل لحظة ... أنت رميت نفسك من قطار الذاكرة ونجوت .. ولا يُسمح لنا أن ننتصر.. ولا يُسمح لنا أن ننتحر.

هنيئاً لك أيها الشاعر ، فقد صرت في منطقة لا تصل إليها صحف عربية ، ولا تُعقد فيها مؤتمرات عربية ، ولا تُصدر فيها بلاغات عربية ، من حسن حظك أنك أخذت إجازة من حواسك الخمس ..وما زلت مضطراً مع الأسف أن أفتح شراييني وأكتب .

يا صديقي وصفي .. لقد اتّحد وجعك بوجعي ، وتداخل موتك بموتي ، حتى لم أعد أدري من يرثي من ....‍‍‍‍‍!! .

خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
(46)    هل أعجبتك المقالة (46)

جمان

2007-07-16

نيّاله الي مات ورثاه نزار قباني! اي بربّي كأنه بعثه من جديد!.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي