أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بيت الآغا في حمص.. نموذج رائع لفن العمارة العربية الأصيلة

في منطقة مكتظة بالمشيدات الأثرية داخل سور مدينة حمص القديمة وهي منطقة بستان الديوان، يقع واحد من أجمل البيوت الأثرية القديمة وهو بيت الآغا الذي تعرض خلال السنتين الماضيتين للكثير من الدمار من جرّاء القذائف والصواريخ التي رمتها عليه قوات النظام وبالذات في باحته الكبيرة والليوان المقابل لها.

ويمثل هذا البيت الذي يرقى تاريخه إلى أكثر من قرن ونصف نموذجاً رائعاً للبيوت ذات الطابع الأصيل والطراز المعماري الفريد لما يتضمنه من عناصر جمالية غاية في الإبداع سواء في الأجنحة التقليدية الواسعة أو في المقرنصات الركنية أو في الأقواس والعقود بمختلف أنواعها أو في العناصر الزخرفية النباتية والهندسية البديعة. 

تم البدء ببناء هذا المعلم الرائع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وآخر توسعاته انتهت في مطلع القرن الماضي علماً أن أحد أجزائه وهو القبو يعود تاريخه إلى أكثر من ثلاثمائة عام، وقد تم ترميم بيت الآغا وإعادة تأهيله منذ سنوات ليتحول إلى مطعم شرقي يعكس دفء الضيافة العربية وأجواء العمارة التقليدية الحميمية. وحكاية هذا البيت الذي قام ببنائه أحد وجهاء حمص في القرن التاسع عشر وهو (عبد الله فركوح) وأورثه لبناته من بعده ليست مجرد حكاية بناء منزل بقدر ماهي حكاية شاهد على عظمة وأصالة فن البناء والمعمار العربي الأصيل. 

أول ما يستقبل زائر البيت واجهته الخارجية الشاهقة الارتفاع كما هي واجهات البيوت العربية القديمة التي تنتهي في أعلاها بصف من النوافذ الصغيرة وفي أسفلها صف آخر من النوافذ الأكبر التي أطرت بالحجارة البيضاء والسوداء في تناظر هندسي بديع .



القاعة القبلية:
مدخل البيت مزين بالحجارة الأبلقية (البيضاء والسوداء) المتناوبة يتوسطه باب خشبي قديم مزين بالنحاس المطروق ويؤدي المدخل عبر ممر ضيق إلى فسحة سماوية تحيط بتا الأجنحة من جميع الجهات، وفي الوسط يرى الزائر نافورة حجرية مثمنة الأضلاع يتدفق فيها الماء المتناوب وإلى يسار البهو يقع (المستراح) وهي دورات المياه النسائية والرجالية –حسب التسمية العثمانية– وإلى اليمين من الباحة غرفة صغيرة كانت تستخدم لوضع أغراض المونة يعلوها سقف من العوارض الخشبية والنوافذ العالية المزينة بالزجاج الملون والأطر الخشبية المحفورة، وعلى امتداد جدران هذه الغرفة تتوزع الكتبيات التي كانت تستخدم لوضع الحاجيات اليومية وإلى يسار غرفة المونة مصب مزين بالحجارة الملونة المزخرفة بطريقة جمالية رائعة وإلى جانب غرفة المونة تقع القاعة القبلية، وسميت بذلك لأن أقسام البيوت العربية القديمة كانت تسمى بحسب الجهة الموجودة فيها ومن هنا جاءت تسمية القاعة القبلية التي يتجه مدخلها إلى القبلة، وكانت هذه القاعة تستخدم للنوم، وفي جدران هذه القاعة تتوزع عدد من الكتبيات المزينة بالخشبيات المحفورة والمفرغة على الطراز الإسلامي.

أما سقف هذه القاعة فمكون من مجموعة من العوارض الخشبية وإلى جانب مدخل القاعة القبلية، مصب غاية في الإبداع والجمال وهو مصنوع من الرخام الأبيض المزين بالعناصر الهندسية النباتية المنوعة ولا زال باب هذه القاعة الخشبي المزخرف بالرسوم والمكعبات الخشبية هو الباب الأصلي لها وهو قطعة نادرة من الفن الإسلامي الرفيع وإلى جانب القاعة القبلية غرفة خُصصت لنوم الأطفال زودت بكتبية ويوك كبير لوضع الفرش واللحف فيه. 



قاعة الآغا:
إلى الشمال من القاعة القبلية درج حجري صغير يفضي إلى قاعة الآغا التي تشرف على باحة الدار من علٍ، وهي قاعة واسعة جدرانها من الحجر الأسود البازلتي ذات سقف من القرميد المشوي وإلى يمين المدخل مصب ينقسم إلى قسمين: علوي وأسفل يستخدم العلوي منهما لوضع أواني شرب الماء كالإبريق والشربة فيما يستخدم القسم الأسفل لوضع (الزير)، وهو خابية كبيرة من الفخار كانت تُملأ بماء الشرب، وخاصة أيام الصيف ليظل بارداً وإلى جانب المصب "يوك" كبير لوضع اللحف والشراشف والملاءات ولوازم غرفة الآغا وفي الجدار الغربي عدد من الكتبيات تتوزع فيها أدوات الاستخدام اليومي كبابور الكاز والنواسة التي كانت تُحمل باليد لإضاءة الطريق أمام الماشي وكانت تعبأ بالزيت والفانوس الزجاجي وعدد من قطع الفازات وآنية النحاس وعدد من مكاوي الفحم وراديو قديم كبير الحجم ويعود إلى أكثر من سبعين عاماً ويزين صدر القاعة مرآة كبيرة يحيط بتا عدد من الصور الفوتوغرافية التي تمثل كل واحد منها مهنة من المهن والأعمال التي كانت سائدة منذ أكثر من قرن ونصف مثل حلاقة الشعر على قارعة الطريق والحدادة العربية والرسم وحياكة النسيج والنول اليدوي ومظاهر من العلاج الشعبي ولوحة تمثل الكتّاب تحت الشجرة. 

وفي الركن الجنوبي من باحة البيت تقع قاعة القبو التي كانت تستخدم لوضع الأشياء المستعملة والحاجيات التي لا لزوم لها (العفش) وهذه القاعة عبارة عن عدد من العقود الحجرية المتصالبة المرتكزة على عمودين في الوسط وللقبو سقف منخفض ونوافذ مطلة على باحة الدار وهي مؤطرة بالخشب المحفور والحديد المشغول ومزينة في أعلاها بالفوانيس النحاسية المزخرفة وأرضية هذا القبو الذي يعود إنشاؤه إلى أكثر من ثلاثمائة عام من الآجر الأحمر والخشب والبلاط المزخرف وهو منخفض عن أرض (الديار).



جناح حرم الآغا:
إلى يسار مدخل البيت ممر بشكل قوسا متسلقا مع الدرج يفضي إلى الليوان وإلى يمينه قاعة حرم الآغا (الحرملك)، وهي مزينة بعدد من الكتبيات الخشبية المزخرفة وعدد من اليوكات المزينة بالخشب المدهون وكانت نساء الآغا يقمن في هذه القاعة حفلات الاستقبال وجلسات الصبحية والعصرونية وعلى الجدار الشرقي لقاعة حرم الآغا عدد من المشربيات الخشبية المطلة على الخارج التي تسمح للنساء أن يرين من بالخارج ولا يراهن أحد، ويفضي الليوان عبر درج صغير إلى فسحة سماوية سميت (السطيحة) كانت تستخدم من قبل نساء البيت للاسترواح وإلى يسار الليوان غرفة خاصة بالآغا كان يجلس فيها للاستراحة والاختلاء.

ويذكر أن رأس النظام زار هذا البيت الأثري مع عائلته منذ سنوات وتناول طعامه في المكان الذي حولته قواته الى حجارة مدمرة.

فارس الرفاعي - زمان الوصل
(11)    هل أعجبتك المقالة (10)

hocine benafa

2014-04-01

طلب مخطط منزل من معالم سوريا الاثرية.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي