أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"مصطفى خليفة" في رواية "القوقعة.. يوميات متلصص" .. سجن عن سجن لا يختلف

صدرت عن دار الآداب البيروتية 2008 رواية "القوقعة ـ يوميات متلصص" للروائي مصطفي خليفة .تحكي الرواية قصة ذلك المواطن العربي المسيحي، الذي عاد إلي بلاده بعد غياب ست سنوات بسبب الدراسة في فرنسا، ليجد نفسه مقبوضًا عليه في مطار بلده بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين!. وهكذا يمضي الراوي اثني عشر عاماً في السجون والمعتقلات "القومية"؛ بسبب تهمة مستحيلة، يكتشف بعد انقضائها انه مسيحي لا علاقة له بذلك كله. والجدير بالذكر أن المؤلف أيضًا بقي مُعْتَقَلَاً ثلاثة عشر عامًا، بسبب تقرير كتبه أحد زملائه في فرنسا. والكاتب خليفة متزوج من شقيقة المعارض "أكرم البني" الذي قضي بدوره ستة عشر عامًا رهين المعتقلات.


الكاتب قام بكتابة الرواية بذهنه، ونقلها إلى الورق عندما خرج من السجن، فكانت رواية مؤلمة حد البُـكاء، ما إن تبدأ قراءتها لا تستطيع ترك صفحاتها حتى تؤتي عليها، فكمّ الألم في فصولها يشدك حتى فيها إلى النهاية 

بدأتُ الرواية بداية طريفة، مسيحي وبتهمة الأخوان!!!، ولكن مع تسارع أحداث الرواية وجدت أنها لم تكن نكتةً أو فكاهةً بل كانت تحفر في وجداننا عميقًأ، مُني بها شخص ضاع عمره في أقبية السجون السورية، حيث أبدع رجال الأمن بابتكار ألوان من القهر والتعذيب والاضطهاد النفسي والجسدي، لا قبل لأحد بوصفها أو احتمالها...

كانت الرواية من العيار الثقيل، كلمات نابية يستعملها رجال الأمن والشرطة والبلديات مع السجناء، انزعجت منها بادىء الأمر، ثم سخرت من نفسي، فهل كنت أتوقع أن يقولوا لهم يا حبيبي يا عيني مثلاً؟؟ لا أدري!!!
يصرّ الراوي في "القوقعة" علي القيام بمحاولة إبلاغ السلطات بماهيته الدينية والسياسية، ولكنه يقابل بصمم سجانيه، فيعاني اضطهادًا مزدوجًا؛ اضطهاد السجان من ناحية، واضطهاد المسجونين من الجماعات الاسلامية من ناحية أخرى، يتمثل هذا الاضطهاد الأخير في فرض جدران العزلة عليه، فيظل صامتًا طوال أعوام اعتقاله.

وتأتي المصادفة التي تمنح الراوي ثقبًا في جدار الغرفة، فيتلصص منه بعد أن يحكم الغطاء علي نفسه مقرفصًا. يتلصص علي باحة السجن، حيث التعذيب، وتنفيذ الإعدامات، سواء بأحكام صورية أم من دون أحكام.

في الصفحات الأخيرة من الرواية، بعد الخروج من المعتقل، تتحول لغة السرد إلي مونولوج داخلي غني، تكتسب اللغة أبعاداً مختلفة بفعل خواطر المعتقل السابق عندما يصطدم بجدران سجن كبير هو الوطن. يرسم الكاتب صورة ساخرة سوداء للحظات العفو عن مجموعة من السجناء بمناسبة مبايعة "الرئيس"، مصورًا كيف جلب السجانون أربعمائة سجين، ومعهم مايقارب من مائتي سجين مشلول إلى أكبر ساحة في المدينة، ليهتفوا بحياة السجان. هم مرضى، مشلولون، شيوخ، عجزة، كلهم وقفوا تحت لافتة ضخمة كُتِب عليها "مبايعة مكتوبة بالدم".

أجواء مأساوية تحيط بانتحار صديق الراوي والسجين السابق "نسيم"، بينما يعود البطل إلي قوقعة أكثر سماكة وقتامة، وصوته يردد "الآن قد مضي عام كامل (علي الإفراج). لا رغبة لدي في عمل شيء مطلقاً.. أرى أن كل ما يحيط بي هو فقط: الوضاعة والخسة.. والغثاثة. تزداد سماكة وقتامة قوقعتي الثانية التي أجلس فيها الآن.. لا يتملكني أي فضول للتلصص علي أي كان!. أحاول أن أغلق أصغر ثقب فيها، لا أريد النظر إلي الخارج، أغلق ثقوبها لأحول نظري بالكامل إلي الداخل.. إليّ أنا.. إلي ذاتي!.. وأتلصص". 

إن قراءتك لهذه الرواية تجعلك تشعر بقيمة كل شيء يحيط بك، سريرك المتواضع مثلًا، ستراه أعظم نعمة تستحق الشكر.

لقد طرت بروحي إلى ذلك السجن الذي لا يعرف سوى العنف واللاإنسانية، عشت معه هناك، شاهدت مشاهد الإعدام ومشاهد القتل والعنف والضرب، جربت معه الكهرباء، بساط الريح والدولاب... عجبت لثقة ذاك الشاب وثباته، مع زملائه في السجن، مررت بالأحداث التي ذكرها بحزن بالغ كافة، شاهدت ذاك الأب وهو يودع أولاده الثلاثة، وهم يساقون إلى الإعدام، بكيت بحرارة وأكملت، عشت يوم موت نسيم توأم روحه، فُجعت به، وبكيت بحرارة، ولكن أكملت، يحدوني أمل بغد ستشرق شمسه لا محالة، من المكان نفسه على نوافذنا، معلنة موعدًا مع صبح سرمدي.

سماح حكواتي - مساهمة لـ"زمان الوصل"

أبو عبد الرحمن

2014-11-23

الكتاب فعلا جميل جدا....ولأول مرة نتعرف على السجون السورية من الداخل....فهل هناك كتب في نفس الموضوع...أو كتب أخرى للكاتب.....شكرا جزيلا.


Nour

2018-04-16

يو جد كتاب عن نفس الموضوع السجون السورية اسمه يسمعون حسيسها للكاتب نجيب الكيلاني.


التعليقات (2)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي