أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

منير شعراني.. يرسم حروفاً ثائرة تصرخ بوجه القمع والقتل في سوريا

"لو كنت أخشى الاعتقال، لبقيت في القاهرة، حيث لي أسرة وبيت ومرسم"


"شاركت والفنان يوسف عبد لكي وزملاء آخرون في تنظيم إضراب لطلاب بكلية الفنون الجميلة"

"كرّس العصر العثماني، الإتقان الحرفي كفن بحد ذاته، بزعم أنّ خطّ القرآن مقدس"

"غداً هو بداية الثورة.. وللثورة فضل كبير على الفنانين التشكيلين"

 
مثلما رفض منير شعراني في مشروع تخرج القمع والتسلط العسكري، كذلك تمردت الأحرف في لوحاته، فهي لا تعرف الخضوع للسائد أو الالتواء وفقاً لرغبة القالب، فالخط العربي وفقاً لشعراني فن، ولذلك لا يقبل القدسية، بل لا بد من إعادة تشكيل انحناءاته وكسر نمطيته، لتتمكن المعاصرة من الدخول إليه.. ولأن الفن عند شعراني "يرتقي، كلما اهتم بقضايا الناس ودخل بالعمق"، تركت ثورة الشعب السوري أثرها الواضح على وجه أعمال الفنان، الذي قالت لوحاته على لسان الشعب السوري: نعم للحرية لا للاعتقال.

"زمان الوصل" حاورته وكان التالي:


 
-حدثنا بداية، عن مشروع تخرجك (القمع والتسلط العسكري)، الذي قدمته لكلية الفنون الجميلة في دمشق عام 1977.. ما الذي ألهمك الفكرة؟ وكيف تجرأت على تنفيذها؟

كنت سأقدم مشروعاً لتصميم خط عربي جديد مع تطبيقاته، لكن التدخل السوري في لبنان بدأ في ذلك الوقت، فقررت تغيير المشروع.

حاول المرحوم الأستاذ عبد القادر أرناؤوط إقناعي بتقديم مشروعي الأول أو اختيار موضوع آخر للمشروع الجديد، لكنني أصررت لأنه لم يكن ممنوعاً تقديم مشروع يتناول موضوعاً سياسياً، واللجنة تحكّمه فنياً.

مُنع الطلاب من الدخول إلى قاعة التحكيم لحضور المناقشة، واختلف الأساتذة على الدرجة التي يجب أن ينالها المشروع، لأن بعضهم كان يخشى من التبعات السياسية، ومع ذلك كانت المحصلة لصالحه فنال 85% وكنت الأول على الدورة.

 

-     هل كان هذا المشروع أولى خطوات طريقك السياسي؟

كنت في المرحلة الثانوية في الاتجاه اليساري لحزب البعث، لكني انسحبت منه بعد انقلاب حافظ الأسد، وعندما قدمت المشروع كنت عضواً في رابطة العمل الشيوعي. وقد شاركت والفنان يوسف عبد لكي وزملاء آخرون في تنظيم إضراب لطلاب كليتنا، بدأ مطلبياً وتطوّر فتم سحب الثقة من اللجنة الإدارية لاتحاد الطلبة، وانتخاب لجنة بديلة كنت أحد أعضائها، بعدما فشلت محاولات عميد الكلية بامتصاص الموقف، ثم تطور الموقف وجاء رئيس فرع أمن الطلاب يهدد ويتوعد إن لم نوقف الإضراب.

 

-     ما الذي أجبرك على ترك سوريا لسنوات طويلة؟

أثناء أدائي الخدمة العسكرية في الإدارة السياسية، كمخرج لمجلة "جيش الشعب"، وبعد صدور عدد واحد بتصميم جديد عملته، علمت أني مطلوب للاعتقال من قبل الأمن العسكري، بتهمة الانتماء لرابطة العمل الشيوعي، فتركت الخدمة وبقيت متخفياً في سوريا لمدة عام، ثم تسللت إلى لبنان، حيث استخدمت منذ لحظة دخولي إليها اسم "عماد حليم" بدلاً من اسمي الحقيقي تجنباً للملاحقة، وعملت كمصمم للمطبوعات، ومدير فني للمؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ بعد الغزو الإسرائيلي عام 1982 وانتخاب بشير جميل اضطررت لمغادرة بيروت إلى طرابلس بمساعدة الكاتبة المناضلة نهلة الشهال، ومن طرابلس إلى قبرص، حيث عملت ثلاث سنوات مع مجلات ودور نشر عربية، لأنتقل بعدها إلى القاهرة بعدما حصلت على جواز سفر جزائري باسمي الحقيقي مكنني من الحركة.

 
-     وكيف عدت إلى سوريا؟

رجعت في نهاية عام 2004، بعدما صدر عفو عام يشمل المجندين الفارين، وكان قد صدر قرار بكفّ البحث عن الملاحقين والمطلوبين سياسياً -بعدما ضرب النظام التنظيمات اليسارية المعارضة- في محاولة لإيهام الناس أن عهد بشار سيكون مختلفاً، في مطار دمشق أعطوني مغلفين أحدهما للقضاء العسكري لتسوية وضعي باعتباري مشمولاً بالعفو، والآخر لمراجعة فرع فلسطين ليتم إغلاق ملفي الأمني، راجعت القضاء العسكري في اليوم التالي فألقي القبض علي موجوداً وبقيت لمدة 13 يوم بين سجن الشرطة العسكرية وفرع فلسطين، حيث أجري تحقيق معي على الرغم من ادعائهم أن اعتقالي كان بالغلط وأنهم آسفون لذلك، أنجزت بعد خروجي معاملاتي واستخرجت جواز سفر، لكنهم أعطوني موافقة على السفر لمرة واحدة مدعين أن الأمر سيعود طبيعياً بعد ذلك، عدت في عام 2005 لأفاجأ أن مغلفاً من فرع فلسطين ينتظرني في المطار، فرفضت استلامه، فاستدعوني إلى الفرع ولم استجب، وكان وضع النظام مرتبكاً بعد اتهامه باغتيال رفيق الحريري، بعد أسابيع علمت أن اسمي لم يعد على الحدود.
 

-     من الواضح أنك منذ البداية حمّلت فنك هموماً ورسائل اجتماعية؟

أنا لا أؤمن أن (الفن للفن).. يرتقي الفن كلما اهتم بقضايا الناس ودخل بالعمق دون الوقوع بالمباشرة، وهو بنظري مرتبط بالمجتمع دائماً، لذلك كانت عبارة ابن العربي "كل فن لا يفيد علماً لا يعوّل عليه" محتوى واحدة من أوائل لوحاتي الخطية.

 
-     كيف تختار العبارات التي تشكلها؟

أختار العبارات التي لها علاقة بالإنسان والوطن والحريّة من موروثنا الثقافي النثري والشعري أو من القرآن والإنجيل، وقد أختار عبارات مترجمة من الثقافات الأخرى، أو أؤلف بعض العبارات.

 
-     يمكن ملاحظة خروجك عن نمطية الخطوط في أعمالك؟

كسر نمطية الخط العربي وتطويره يشكل محوراً في مشروعي الفنيّ، وأنا لا أهتم بالتغيير على مستوى العبارة فحسب، بل على كل المستويات التي من شأنها أن تجعل اللوحة الخطية حيّة ومعاصرة ومكافئة للأعمال التشكيلية الحديثة الأخرى، ففن الخط العربي من وجهة نظري، توقف عن النمو منذ العصر العثماني، الذي كرّس تجويد الأداء أي الاتقان الحرفي كفن بحد ذاته، بزعم أنّ خطّ القرآن مقدس، ولا بد من إحيائه واستكمال مسيرة تطوره عبر العودة إلى جذوره والبحث فيها، والعمل على تطويرها وتحديثها وصولاً إلى المعاصرة بعد إخراجه من قفص القدسية الذهبي، لذلك غصت في الموروث الخطي، وأخرجت منه أنوعاً مهملة، ولكنها تمتلك قيماً غرافيكية عالية، وطورتها وعملت عليها وعلى التشكيل بها بعين معاصرة تربط بين القيم الجمالية الخاصة لفن الخط العربي، وقيم التشكيل الحديث، وولدت أنواعاً جديدة، لأن من حق من يمتلك ناصية الخط العربي أن يضيف إليه، فمن ابتكر الأشكال الخطية الأولى وطورها أناس مثلنا مبدعون في زمانهم.

 
-     قدمت تصاميم جديدة للبسملة أيضاً؟

كانت الفكرة السائدة أن البسملة قُدّمت بمئات الأشكال، وبالتالي لا يمكن تقديم تصاميم جديدة لها، فبرهنت على بطلان هذه النظرية، من خلال تقديم أحد عشر شكلاً جديداً للبسملة دفعة واحدة، تلاها الكثير، لكي أؤكد أن الخط العربي كغيره من الفنون لا حدود له ولا ذروة كما يزعم البعض، فهو متطور تطور الحياة ذاتها؛ وقد عملت أيضاً في معظم أعمالي على التشكيل بعبارات ذات صلة بالسؤال الإنساني والحق والخير والجمال.

 
-     ومنها الأعمال التي أهديتها للثورة السورية: (نعم للحرية، ولا لل...) وغيرها؟

نحن اليوم ضمن حدث فرض نفسه على كل تفاصيل حياتنا، ولكل منا مشاركته المختلفة في هذا الحدث، بدوري قدمت مجموعة مكونة من تسع لوحات لها علاقة بالمطالب التي خرج الشعب من أجلها: الحرية والكرامة ورفض القمع والديكتاتورية والإرهاب.. إلخ، وأكدت في إحدى اللوحات على وحدة النسيج السوري المتشكل من أفكار وديانات ومذاهب وإثنيات متعددة، لا يكتمل بغياب إحداها. وهناك ثلاثية اللاءات، التي قسمتها إلى لوحة لاءات ضد ممارسات النظام قبل الثورة ومعها (لا للقتل، لا للاعتقال، لا للقمع، لا...)، والثانية لاءات موجهة للناس في سياق الثورة (لا للخوف، لا للصمت، لا للنفاق، لا ...)، والثالثة لاءات المستقبل الذي نحلم به بعد نجاح الثورة (لا للجهل، لا للمرض، لا للفقر، لا...)، وقدمت أيضاً لوحة (لاءات) أخرى ضد ما يرتكبه النظام بحق الشعب من سجن وقتل وترويع وحصار وقصف.. إلى آخره، ولوحتين الأولى: الحر وصفاته، والثانية: الحرة وصفاتها، وأخرى عن الوطن.

ويتابع: شاركت بلوحتين من هذه المجموعة في معرضي (فنانون من سوريا الآن) في مصر وبيروت، بمناسبة مرور عام على الثورة.

 
-     بالعودة للحديث عما أنجزته من كسر لنمطية الخط العربي، يستوقفني رأي يقول إن الخطاطين الأتراك متفوقون على العرب.. ما هو تعليقك؟

لا أتفق مع هذا الرأي، لأن هناك قلة من الخطاطين الأتراك المجودين الذين كرستهم (الأرسيكا) التابعة لمنظمة العالم الإسلامي، ولأن مقر المسابقة في تركيا، تقوم الأخيرة بإبراز خطاطيها -الذين يمكن عد المبرزين منهم على أصابع اليد- رغم تفوق عشرات الخطاطين أكثريتهم من العرب في مسابقات الأرسيكا على نظرائهم الأتراك، وقد فاز الخطاطون السوريون بمعظم الجوائز على مدى الأعوام السابقة، أما على مستوى الإبداع فلا يستطيع الخطاطون الأتراك تقديم جديد لأنهم محافظون مهتمون بتقليد الأسلاف، لذلك فمنهم من هم مجودون متمكنون من الأداء لكنهم غير معنيين أو قادرين على التطوير والإبداع.

-     ساهمت في تأسيس صفحة (الفن والحرية) على "فيس بوك"، ما هو هدف الصفحة؟

سعينا من خلال (الفن والحرية) إلى المشاركة في الحراك المدني بأعمال فنية متفاعلة معه ومع سعيه إلى الحرية والكرامة والوحدة الوطنية، وإلى حث الفنانين بمختلف أجيالهم على المشاركة، وقد لجأنا إلى هذه الطريقة لصعوبة إقامة أنشطة أو معارض لأعمال من هذا النوع في الداخل، فكان الحل الأفضل الذي اتفق عليه المشاركون في المبادرة هو تأسيس هذه الصفحة، وجعلها مفتوحة أمام جميع الفنانين، بشرط أن يصرّح الفنان عن اسمه كموقف معلن، لكننا اتفقنا على أن الأعمال التي تنشر يجب ألا تقل عن حد معين من السوية الفنية.

-     هل غيرت الثورة السورية من ملامح الحركة التشكيلية؟

للثورة فضل كبير في إلقاء الضوء على بعض الفنانين الشباب الذين كانوا واقعين بين مطرقة الغاليريات الخاصة، الباحثة عن الفنان المشهور الذي يمكنها الكسب من ورائه، وسنديان الصالات والمعارض الرسمية، ومعارض النقابة ووسائل الإعلام الرسمية التي يحكمها الفساد، الأمر الذي أدى إلى إحباط بعضهم والتعتيم على البعض الآخر، وجاءت الثورة ففتحت باب المشاركة واسعاً أمام الفنانين جميعاً، وعاد الحكم للقيمة الفنية على عمل الفنان، وتنافس الفنانون من خلال صفحة الفن والحرية وغيرها، مما انعكس إيجاباً على نوعية أعمالهم، ولعبت الثورة دوراً كبيراً في تقصير المسافة بين الفن التشكيلي والمتلقين، وفي الحوار وتقوية الروابط بين الأجيال المختلفة من الفنانين.
 

-     شكّلتم تجمع الفنانين التشكيليين المستقلين الذين أعلنوا انفصالهم عن الاتحاد الرسمي، ما هي خلفية وأهداف هذا التجمع؟

لا بد أن تترافق مع الثورة ثورة ضد المؤسسات والنقابات التي فصّلها النظام على مقاسه، ولذلك اتفقت مجموعة من الفنانين التشكيليين على تشكيل نواة لبديل نقابي مستقل لاتحاد الفنانين التشكيلين التابع للنظام.

 والتجمع هو التشكيل الوحيد الذي أُعلن من داخل سوريا، ومنذ وقت مبكر بشكل مستقل تماماً، وقد تم الربط بينه وبين صفحة الفن والحرية التي ينشر أعضاؤه فيها، ونحن نعمل على تطوير التجمع تبعاً لإمكانياتنا الذاتية.

 أنوه أننا في التجمع مع الحراك المدني السلمي، وأنا أرى أن تفعيله ضروري لنجاح الثورة، وبناء المستقبل وعلينا جميعاً العمل على ذلك، وهو من وجهة نظري الأكثر فعالية، لكن سوء التنظيم وتشتته، وعسكرة الثورة، بالإضافة إلى المواجهة القمعية لرموزه أدت إلى إقصائه، وأعتقد أن مدنية الحراك كانت ستُجنب الثورة الكثير من الأخطاء التي ارتكبت بحقها، وكانت ستحول دون تقوّية تشكيلات لها أهدافها الخاصة وارتباطاتها المناقضة لتطلعات السوريين ووحدتهم، الأمر الذي كلف الثورة الكثير، وجعل صوت الشارع ضعيفاً ومكتوماً ومشوشاً، وخلق مجالاً للحديث عن أن ما يجري في سوريا حرب بين كتائب مسلحة ونظام، وليس ثورة شعب انشق شرفاء جيشه للدفاع عن حقه في التظاهر والتعبير.

 
-        همجية النظام لا تستثني أحداً، ألا تخشى من الاعتقال؟

تعرضت للملاحقة واعتقلت مع وجود عفو، وموقفي معلن منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وعبرت عنه بالوسائل التي أجيد التعبير بها: الفكر والفن والثقافة، فهل في هذا جريمة؟! لو كنت أخشى دفع ضريبة قناعاتي لبقيت في القاهرة، حيث لي أسرة وبيت ومرسم.

 
-     هل ما زلت متفائلاً بالغد؟

غداً بداية الثورة، وأنا متفائل تاريخياً على رغم المهام الكثيرة التي علينا إنجازها، علينا الخروج أولاً من الحفرة التي أوصلنا إليها النظام، لنطهر الثورة بعد ذلك من الطحالب التي علقت بها، ونبني وطننا ودولتنا المدنية الديمقراطية التي تساوي مساواة تامة بين مواطنيها جميعاً.



دمشق - زمان الوصل
(90)    هل أعجبتك المقالة (71)

سوري

2012-11-07

مقال جميل وللأسف لم نسمع عنه من قبل كثيرا.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي