أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

لغز الرخصة 39: كيف تحولت مخالفة بناء في حي العدوي الدمشقي إلى أربعة طوابق إضافية؟

في مطلع صيف عام 2025، وتحديداً في السادس عشر من تموز/ يوليو، أصدرت محافظة دمشق رخصة البناء رقم 39 للمقسم التنظيمي رقم 36 في منطقة “العدوي إنشاءات” (حي الديوانية الجوانية). لم تكن الرخصة مجرد إذن عادي لإتمام بناء متوقف، بل حملت في طياتها ميزة استثنائية سمحت لمالك العقار، التاجر محمد خير الحلبي، بإضافة أربعة طوابق جديدة فوق الارتفاع الأساسي المسموح به في المخطط التنظيمي للمنطقة، والذي يحدد الارتفاع المعتاد بقبو وطابق أرضي وثلاثة طوابق فقط.

هذه الرخصة أعادت إشعال فتيل أزمة قانونية وعمرانية تعود جذورها إلى عمليات هدم واسعة طالت منازل عشرات السكان في عام 2023. وبينما دافعت الجهات الرسمية والمستثمر عن هذه التوسعة باعتبارها جزءاً من مساعي تنشيط الإعمار ومعالجة حقوق الشاغلين، تكشف الوثائق والقرارات الإدارية عن شبكة معقدة من التجاوزات والثغرات القانونية.

بين المبررات الرسمية والواقع القانوني للقرار 7 م.د
استندت محافظة دمشق ولجنة الشكاوى والتظلمات في إجازة الطوابق الأربعة الإضافية بشكل رئيسي إلى القرار رقم “7 م.د” لعام 2020، إضافة إلى مذكرات قانونية داخلية. صُمم هذا القرار أصلاً لمعالجة أوضاع المقاسم ضمن المناطق التنظيمية وتسهيل تنفيذ المخططات عبر منح ميزات تنظيمية واستثنائية للمشاريع، شريطة أن يقوم المالك بتأمين سكن بديل للشاغلين وتخفيف الأعباء المالية عن المحافظة.



غير أن الخبراء القانونيين يواجهون هذا التبرير بتفنيدات جذرية، أبرزها:
1. انعدام الانطباق الموضعي: القرار “7 م.د” مخصص أصلاً لمعالجة المقاسم غير المبنية وغير المرخصة (الأراضي الفضاء). أما المقسم 36 فلم يكن أرضاً فارغة، بل بناءً قائماً ومرخصاً منذ عام 1989، وتجددت رخصته لاحقاً برقم 225/1 لعام 2024.
2. القفز فوق المرسوم التشريعي رقم 5 لعام 1982: تنص المادة الخامسة من المرسوم بوضوح على آلية صارمة لتعديل المخططات التنظيمية ومناهج الوجائب (مساحات البناء والارتفاعات)، وتشمل إعلان التعديلات في بهو المحافظة، فتح باب الاعتراض أمام الأهالي لمدة 30 يوماً، وعرض الملف على “لجنة فنية إقليمية” مؤلفة من سبعة أعضاء برئاسة المحافظ للبت فيها. وتؤكد الوثائق أن هذه الإجراءات تم تجاوزها بالكامل لصالح لجان بديلة وشكليات إدارية مستعجلة.
3. تجاوز القيود الحكومية العليا: صدرت الرخصة في وقت كان فيه البلاغ الحكومي رقم “17/15 ب” لعام 2023 الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء يمنع صراحةً أي تعديلات تتعلق بزيادة عدد الطوابق. وعلى الرغم من تبرير مدير التخطيط والتنظيم العمراني في المحافظة، محمود هلال، بأن الالتزام الحرفي للبلاغ كان سيؤدي إلى تعطيل إعادة الإعمار وتوقف معظم الرخص، يؤكد القانونيون أن البلاغات الصادرة عن رئاسة الوزراء تتمتع بأولوية قطعية على القرارات الإدارية المحلية.

هندسة تدارك الأخطاء بأثر رجعي
أظهرت الوثائق الرسمية وكتب مديرية التخطيط والتنظيم العمراني الموجهة إلى لجان التظلمات قبل أيام من صدور الترخيص، تحذيرات صريحة من مغبة تجاوز أحكام المرسوم رقم 5. ومع ذلك، مُنحت الرخصة متجاوزة تلك التنبيهات.

ولاحقاً، وفي محاولة لتدارك الإشكالات القانونية التي رافقت الخطوة، تشكلت لجان فنية مغايرة لإقرار تعديل “منهاج الوجائب” للمقسم بأثر إداري لاحق (عبر القرار 61 م.ت الصادر في شباط 2026). وقد اعترف مسؤولون في المحافظة ضمن تسجيلات رسمية بأن الإجراءات اللاحقة جرى توجيهها خصيصاً لتدارك خلل وخطأ إداري رافق منح الرخصة أصلاً.

وفي هذا السياق، يرى فقهاء القانون الإداري والاجتهاد المستقر لمجلس الدولة أن أي قرار إداري يصدر بمعزل عن السند القانوني السليم يُعتبر “معدوماً”، ولا يمكن تصحيحه أو إحياؤه بأي إجراءات لاحقة لا تستند إلى الأصول الناظمة.

طريق مسدود وحلول مؤجلة
بينما يصر المستثمر على أن إجراءات الإخلاء والتعويض جرت وفق الأصول القانونية الموثقة وأنه أبرأ ذمته تجاه من استلم مستحقاته، وترى محافظة دمشق في الرخصة أداة ضرورية لتجاوز تعثر المشاريع القديمة، يقف السكان المتضررون أمام جدار من التعقيدات الإدارية والقضائية.

فمن جهة، جرى تصنيف من لم يستكمل شروط البدائل ضمن خانة “المستنكفين”، ومن جهة أخرى، تحولت الاحتجاجات والاعتراضات المعيشية إلى أروقة المحاكم عبر دعاوى قضائية اتخذت طابعاً جزائياً، تاركةً خلفها تساؤلات مفتوحة حول حدود التوازن بين متطلبات إعادة الإعمار وحماية الحقوق العمرانية والقانونية الثابتة للمواطنين. 

زمان الوصل - المادة عن "سراج"
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي