يُعد "ناصر محمد خير الحريري" شخصية محورية في المشهد السياسي السوري الذي أعقب سقوط نظام البعث ، حيث ارتبط اسمه بكونه أول برلماني يكسر حاجز الصمت ويقدم استقالته من "مجلس الشعب" التابع للنظام البائد في بداية الحراك الشعبي، مما جعل منه رمزاً مبكراً للمنشقين السياسيين.
وينحدر الحريري من محافظة درعا (مهد الثورة السورية)، وهي المنطقة التي كان لها دور استراتيجي في إطلاق الشرارة الأولى للاحتجاجات، وكان عضواً في مجلس الشعب السوري قبل عام 2011.
وفي إبريل 2011، أعلن الحريري المتحدر من مدينة الشيخ مسكين استقالته من مجلس الشعب على الهواء مباشرة في مقابلة تلفزيونية، احتجاجاً على استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين في درعا.
واعتبرت هذه الخطوة في ذلك الحين "زلزالاً سياسياً" داخل بنية النظام، حيث كانت المرة الأولى التي يعلن فيها نائب برلماني انشقاقه صراحةً.
وخرج الحريري بعد ذلك من سورية ويلجأ إلى الأردن في آب/ أغسطس 2012، ومن ثم يشارك في تأسيس التجمع الوطني الحر للعاملين في مؤسسات الدولة السورية في 15 كانون الأول/ ديسمبر من العام ذاته.
وبعد سقوط النظام السابق، عاد الحريري إلى الواجهة كجزء من عملية إعادة هيكلة المؤسسات الوطنية وإشراك القوى التي ناهضت النظام مبكراً.
وتم تعيينه (أو اختياره) في "المجلس الجديد" (الذي تشكل في المرحلة الانتقالية).
وركز الحريري نشاطه في المرحلة التي تلت السقوط على تعزيز مفاهيم المصالحة الوطنية، وتفكيك بنية النظام القديم، والعمل على تأطير العمل السياسي ضمن المؤسسات الجديدة لضمان الانتقال السلمي للسلطة.
دلالات رمزية وسياسية
ووفق مراقبين يحمل تعيين الحريري في المجلس الجديد دلالات رمزية وسياسية عميقة، يمكن تلخيصها في عدة نقاط ومنها الشرعية الأخلاقية فتعيين شخص انشق مبكراً يمنح المجلس "شرعية ثورية"، حيث يُنظر إليه كشخص غامر بموقعه وامتيازاته في وقت كان النظام فيه لا يزال في ذروة قوته، مما يعزز الثقة في التزام المجلس الجديد بأهداف التغيير.
ويعكس وجوده في المجلس حالياً جسراً بين الكوادر التي كانت جزءاً من النظام وفهمت آليات عمله من الداخل، وبين تطلعات المرحلة الجديدة. هذا يوفر خبرة مؤسساتية ضرورية في عملية بناء الدولة.
وكون الحريري من محافظة درعا، فإن تعيينه يحمل دلالة على إعطاء وزن سياسي للمناطق التي قادت الحراك الشعبي، وتأكيداً على أن المجلس الجديد يمثل كافة أطياف الشعب السوري.
ولم يكن عمل الحريري في المرحلة الانتقالية سهلاً؛ فقد واجه تحديات متعلقة بـ: الإرث المؤسساتي من خلال محاولة إصلاح مؤسسات الدولة التي كانت متهالكة أو مخترقة من أجهزة أمنية سابقة وكذلك التوازنات السياسية الصعوبة في الموازنة بين مطالب الشارع الثوري وبين الضرورات السياسية الواقعية لعملية الانتقال.
وخلاصة القول أن البرلماني ناصر الحريري يمثل نموذج "المسؤول المنشق" الذي تحول من جزء من منظومة النظام إلى أحد مؤسسي المرحلة الانتقالية. ولعل وجوده في المجلس الجديد لم يكن مجرد تعيين إداري، بل كان قراراً سياسياً يهدف إلى تعزيز المصداقية، والاستفادة من الخبرة السياسية، وتجسيد التحول الديمقراطي في بنية الحكم الجديدة.
فارس الرفاعي - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية