هذه المادة لا تقصد المتورطين في دماء السوريين ودعم المليشيات.
تضع نقاشاً مفتوحاً سمعته "زمان الوصل"، واحدة من أدق القضايا على طاولة النقاش الوطني: كيف يمكن للدولة أن توفق بين مكافحة الفساد واسترداد حقوق الخزينة، وبين توفير بيئة استثمارية آمنة وجاذبة؟
إن قراءة هذا المشهد تقتضي الابتعاد عن الأحكام المتطرفة؛ فلا يمكن إغفال حق الدولة في تفعيل أدوات الرقابة والحوكمة، وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الصرخة التحذيرية لقطاع الأعمال التي تنبه إلى أن الإفراط في الإجراءات الاحترازية قد يؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالاقتصاد الوطني.
هواجس الدولة ومخاوف المستثمر: قراءة في المبررات
لحسم هذا التباين في وجهات النظر، من الضروري فهم دوافع كل طرف لتبني مقاربة تشاركية:
• منظور الدولة (مكافحة الفساد وصون الحقوق): تنطلق لجان مكافحة الكسب غير المشروع من مسؤولية وطنية لحماية المال العام ومنع التهرب، وهي مهمة أساسية لضمان العدالة الاجتماعية وتوفير موارد للخزينة في مرحلة إعادة البناء. والسرعة في اتخاذ بعض التدابير قد تكون مدفوعة بالرغبة في منع تهريب الأموال أو الأصول قبل البت في المخالفات.
• منظور مجتمع الأعمال (الأمان الاقتصادي والقانوني): في المقابل، يرى المستثمر أن الجمع بين عقوبات متزامنة (منع سفر، حجز أموال، تجميد سجلات) بمجرد وجود شبهة أو شكوى، وقبل صدور حكم قضائي قطعي، يمثل "مخاطرة تشغيلية عالية". هذا الأسلوب لا يتيح للمنشأة فرصة الدفاع أو الاستمرار في الإنتاج، مما يهدد وجودها مالياً.
نقطة التوازن:
إن الحجز الاحتياطي على الأصول العقارية أو الثابتة للمنشأة يُعد ضمانة كافية وممتازة لحفظ حقوق الدولة.
أما تجميد الحسابات الجارية والسجلات التجارية فهو يقطع "الشريان الحيوي" للعمل اليومي، مما يتسبب في أضرار تفوق أحياناً حجم المبالغ المتنازع عليها، ويؤثر سلباً على العمالة والإنتاج.
تداعيات غير مقصودة: الارتداد نحو "الكاش" وانكفاء المغتربين
إن الهدف من مكافحة الكسب غير المشروع هو تعزيز الشفافية، لكن الآليات الحالية قد تؤدي – دون قصد – إلى نتائج مغايرة:
1. الاضطرار للاقتصاد النقدي: دفع الخوف من تجميد الحسابات المصرفية الفجائي بعض التجار إلى تقليص الاعتماد على القنوات البنكية واللجوء للتعاملات النقدية (الكاش). هذا السلوك يضعف النظام المصرفي ويعرقل جهود الدولة في ضبط الحركة المالية.
2. تردد الرساميل المهاجرة: تسعى سوريا جاهدة لتهيئة الأرضية لعودة المستثمرين السوريين في الخارج. إلا أن غياب "الاستقرار القانوني" والخوف من تقييد الحركة بسبب نزاع تجاري أو إداري بسيط، يشكل عامل طرد حقيقي يُبقي هذه الرساميل في حالة ترقب وانتظار.
رؤية توفيقية: توصيات لترسيخ "الأمان الاستثماري"
إن النداءات الموجهة إلى رئاسة الجمهورية تمثل فرصة صالحة لإعادة صياغة العلاقة بين السلطات الرقابية والقطاع الخاص على أسس أكثر مرونة تخدم المصلحة العامة، وذلك عبر عدة خطوات ناصحة:
• مأسسة الإجراءات وحوكمتها: حصر التدابير المقيدة للحريات والحركة التجارية (كمنع السفر وتجميد الحسابات الجارية) في أضيق نطاق، وألا تُتخذ إلا بناءً على دلائل قطعية تقرها جهة قضائية مستقلة، وليس بناءً على مجرد شكاوى كيدية.
• الفصل التجاري السريع: إيجاد مسارات قضائية مستعجلة للبت في قضايا الكسب غير المشروع والنزاعات المالية، بما يضمن عدم تجميد أعمال المستثمر لمدد طويلة دون حسم.
• تكريس مبدأ التناسب: تفعيل مبدأ أن تكون الإجراءات الاحترازية متناسبة مع حجم المخالفة المفترضة، بحيث لا تؤدي حماية "حق محتمل" للدولة إلى "تدمير محقق" لمنشأة إنتاجية قائمة.
كلمة لا بد منها
إن حماية الاقتصاد السوري في هذه المرحلة الدقيقة تتطلب معادلة ذهبية: "يد تضرب الفساد بقوة القانون، ويد تحمي المنتج وتمنحه الأمان".
إن استجابة رئاسة الجمهورية لتقييم آليات عمل لجنة الكسب غير المشروع ستسهم في بناء جسور الثقة مجدداً بين الدولة والقطاع الخاص، وهو الممر الإجباري لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وخلق فرص عمل يحتاجها المجتمع السوري اليوم أكثر من أي وقت مضى.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية