بين جزيرة أرواد الوادعة في طرطوس، حيث ولد، وبين زنازين الموت في دمشق، تُلخص حكاية عبد الرحمن ياسين مأساة وطن بأكمله. عبد الرحمن، خريج إدارة الأعمال الذي لم ينل في حياته ولا مماته ما يستحقه من إنصاف، كان يدير حياته متنقلاً بين السعودية حيث مستقر عمله، ودمشق حيث تقيم عائلته، دون أن يعلم أن رحلته القادمة ستكون بلا عودة، وأن خطوته التالية ستكلفه إبادة عائلته بالكامل.
ليلة الهجوم وابتزاز "الأمن"
بدأت المأساة العاصفة بيوم اعتقال عبد الرحمن المفاجئ عام 2013. وفي اليوم التالي مباشرة، أحضرته عناصر الأمن السوري إلى منزله بدمشق مكبلاً، وجسده يحمل آثار تعذيب وحشية غيّرت ملامحه. وقف الشاب أمام زوجته رانيا العباسي وأطفاله المذعورين، مجبراً تحت التهديد على إيصال رسالة واحدة: "أطيعي أوامر الأمن، وسلميهم كل ما يطلبون".
لم تكن تلك مجرد زيارة، بل كانت عملية نهب بغطاء أمني؛ حيث جردت الأجهزة الأمنية العائلة من كل ما تملك: الأوراق الثبوتية والشخصية بالكامل، المدخرات المالية والذهب، وأجهزة الكمبيوتر والهواتف.
بعد إتمام عملية السلب، أُعيد عبد الرحمن إلى مسلخه الأمني، وبقيت الزوجة رانيا العباسي تحت وطأة تهديد مرعب؛ حيث أجبرها الأمن على إبقاء الأمر سراً مطلقاً. على مدار يومين، كانت عائلة عبد الرحمن تتصل للاطمئنان عليه، فترد رانيا بصوت يرتجف خوفاً: "إنه نائم"، تنفيذاً لأوامر الجلاد.
الإبادة الشاملة.. اعتقال العائلة وإعدام الأطفال
لم يكتفِ النظام باعتقال الأب وسلب البيت، فبعد يومين فقط من التهديد، اقتحمت القوات الأمنية المنزل مجدداً واعتقلت الزوجة رانيا والأطفال. انقطع الأثر تماماً، ولم تعلم عائلة عبد الرحمن بالحادثة إلا لاحقاً عبر شقيقة رانيا التي كشفت المستور. ولم تتوقف الملاحقة عند هذا الحد، بل امتدت لتطال شقيقة عبد الرحمن نفسها، والتي اعتُقلت لاحقاً لعدة أشهر تنقلت خلالها بين أفرع أمنية سيئة السمعة.
لكن الكارثة الأشد قسوة، والتوثيق الذي يندى له جبين الإنسانية، تمثلا في مصير الأطفال. فوفقاً لمقاطع فيديو مجزرة التضامن، أظهرت التواريخ والساعات المسجلة في المقاطع أن أطفال عبد الرحمن ياسين أُعدموا ميدانياً بعد 3 ساعات فقط من لحظة اعتقالهم.
وساطات دولية اصطدمت بجدار التعتيم
أمام هول الفاجعة، حاولت عائلة ياسين بشتى الطرق كشف مصير ابنهم وعائلته. ووفقاً لشهادة العائلة، نجحت الجهود في الوصول إلى الرئيس اللبناني السابق إيميل لحود، الذي استجاب للمناشدات الإنسانية وطرح القضية بشكل شخصي ومباشر على رئيس النظام السوري بشار الأسد، لكن دون إجابة.
صرخة من أجل الإنصاف
تغيب اليوم عائلة عبد الرحمن ياسين بالكامل؛ أبٌ غُيّب في زنازين التعذيب، وأمٌ سُلبت حريتها، وأطفالٌ قُطفت أرواحهم بعد ساعات من الاعتقال. وتبقى قصتهم صرخة ممتدة تطلقها العائلة المكلومة لإيصال صوت "الشهيد الذي لم ينل ما يستحق"، وشاهدة حية على حقبة أُبيدت فيها عائلات سورية كاملة خلف جدران الصمت المطبق.
تشعر شقيقة عبد الرحمن بالغبن، حيث لم ينل شقيقها حقه في التوثيق الإعلامي، فقد كان تفصيلاً صغيراً في قصة العائلة حين تُروى، بينما هو الأصل، وهو رب الأسرة.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية