أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الذاكرة المؤلمة: رحلة الوجع من "الفدية" إلى "صيدنايا".. أين "أبو أحمد"؟

علي المدفع

في حياة السوريين تواريخ لا تُنسى، ليست لأنها توثق رحيل عابر، بل لأنها تؤرخ لبداية مأساة ممتدة ترفض أن تنتهي. في الأول من حزيران/يونيو 2014، كانت عائلة "علي المدفع" على موعد مع فاجعتين في يوم واحد؛ الأولى برحيل العم، والثانية باختفاء الأب "أبو أحمد - علي المدفع" في غياهب النسيان والخطف، لتبدأ من هناك رحلة تنقلت فيها العائلة بين أمل كاذب، وابتزاز مالي، وصولاً إلى جحيم "صيدنايا".

الفاجعة المزدوجة: صوت الجنازير خلف الهاتف
بينما كان الأب في مدينة حماة برفقة زوجته وابنته لتقديم امتحانات شهادة الثانوية العامة (البكالوريا)، جاء نبأ وفاة شقيقه في الرقة. حزم الأب أمتعته فوراً متوجهاً إلى هناك للمشاركة في الجنازة، دون أن يعلم أن غيابه سيمتد لسنوات طويلة.

انقطعت الاتصالات بالأب نتيجة غياب التغطية الخلوية في الرقة آنذاك. ومع تصاعد القلق، حاولت ابنته المتواجدة في حماة الاتصال به.

"في أول ربع ساعة من الاتصال، لم نكن نسمع سوى أصوات صياح، وضرب مبرح، وصوت سلاسل وجنازير تضرب الأجساد، قبل أن يرتد الصوت بغلظة عبر الهاتف: (أبوكم مخطوف عندنا وبدنا فدية)".

تحول سرادق عزاء العم في يومه الأول إلى مأساة مضاعفة، وامتزجت دموع الفقد بدموع الرعب على مصير الأب المخفي.

الابتزاز المالي: مليونان.. ووعد كاذب بالكراج
توالت الاتصالات مع الخاطفين عبر هاتف الأب نفسه. كان "أبو أحمد" يتحدث ببكاء مرير، محاولاً طمأنة عائلته بعبارات أدرك الجميع أنه لُقِّن إياها تحت وطأة التعذيب: "أموري زينة.. بس تدفعون يتركوني".

بعد أيام من المفاوضات القاسية، رضخت العائلة للشروط وتم تسليم مبلغ الفدية المطلوبة البالغ مليوني ليرة سورية في المنطقة المحيطة بـ "دوار البياضة"، على أن يتم إطلاق سراحه بعد ساعة واحدة في "كراج سلمية".

لم يأتِ أحد. وحين واجه الأعمام الخاطفين عبر الهاتف، تذرعوا بأن "الطريق ليس آمناً"، ثم سُمح للأب بالحديث لمرة أخيره طالباً من إخوته العودة إلى الرقة، واعداً إياهم باللحق بهم، قبل أن يغلق الهاتف وينقطع الأثر تماماً، ليدخل الجوال دائرة "خارج التغطية".

بصيص أمل من وراء القضبان: "لا تسألوا عنه"
عاشت العائلة ثلاثة أشهر ونصف على أعصاب الترقب، حتى جاء اتصال مفاجئ رد عليه شقيق الرواي، ليتحدث الأب مجدداً ويؤكد أنه لا يزال على قيد الحياة. تلا ذلك سنوات من الصمت والبحث المضني في الأفرع الأمنية دون جدوى، حتى عام 2022، حين حملت وسائل التواصل الاجتماعي مفاجأة غير متوقعة.

تواصل أحد المعتقلين المفرج عنهم من سجن "صيدنايا" السيء الصيت مع ابن المحتجز عبر "ماسينجر"، حاملاً أمانة عهد بها إليه "أبو أحمد":
• تأكيد الحياة: أكد الشاهد أنه كان مسجوناً مع "أبو أحمد" في صيدنايا، وأنه تركه حياً قبل ستة أشهر من خروجه.
• تحذير صارم: وجّه المعتقل السابق نصيحة قاسية للعائلة بالامتناع التام عن دفع أي مبالغ للمحامين أو السماسرة، قائلاً: "إذا بدك أبوك ما ينضر لا تسأل عنه.. في صيدنايا اللي ينسأل عنه أو وراه واسطة بيصفوه.. إذا له عمر بيطلع".

السجلات الرسمية.. والنهاية المفتوحة على الغصة
في عام 2023، تقاطعت الشهادات الشفهية مع معلومة مؤكدة من ضابط انشق عن النظام، تفيد بوجود اسم "علي المدفع" بشكل رسمي مئة بالمئة في سجلات معتقلي سجن صيدنايا، دون القدرة على تحديد حالته الصحية أو مصيره النهائي (حي أم ميت).

ومع سقوط النظام، هرعت العائلة كآلاف العائلات السورية تنبش في قوائم الناجين، وتتواصل مع الخارجين من الزنازين، وتبحث في القوائم والوثائق والمقابر الجماعية، لكن دون جدوى.. لا أثر يدل عليه، ولا قبر يضم رفات جسده المتعب.

تبقى قصة "أبو أحمد" غصة في قلب عائلته، جرحاً مفتوحاً يرفض الالتئام، لخصه ابنه بنعي يملؤه الرضا والاحتساب: "غصة للممات يا أبو أحمد.. أحتسبك عند الله من الشهداء" . 

زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي