أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الرقة بين مركزية القرار وانسحاب الكفاءات… كيف يتحول الإقصاء إلى سلوك عام؟

أرشيف

في الرقة، لا يمكن قراءة التعيينات منذ تحرير المدينة وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في 18 كانون الثاني/يناير 2026، وما رافق ذلك من تعيينات إدارية، بوصفها مجرد إجراءات عابرة، بل باعتبارها مؤشّراً كثيفاً على خلل مركّب في بنية الإدارة وعلاقتها بالمجتمع. فحين تتوزّع مواقع القرار والخدمة على كوادر غير محلية – من المحافظ، إلى الأمن، فإدارة التعاون الدولي، مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، التنمية الإدارية المسؤولة عن رفع قدرات الموظفين الحكوميين، شؤون المنظمات، الثقافة، الصندوق السيادي، الدفاع المدني، الإعلام، والنقل، وصولاً إلى مؤسسة المياه – ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يمتد إلى مواقع مفصلية كالمحامي العام، الأمن الداخلي، الأمانة العامة للمحافظة، ومعاون المحافظ.

من هنا يبرز سؤال مهم: لماذا لم يُعيّن أبناء الرقة؟ وهل هناك سبب اجتماعي يتجاوز مسألة التعيينات من فوق؟

في الرقة، تتشكّل ظاهرة لافتة آخذة في الاتساع، تتمثّل في عزوف شريحة واسعة من أبناء المدينة عن التقدّم لشغل المناصب الحكومية والإدارية، وهو عزوف لا يمكن فصله عن سياق اجتماعي ضاغط. ويمكن استحضار المثل الشعبي "مزمار الحي لا يُطرب" بوصفه مدخلاً دالاً على هذه الحالة، وإن كان يعبّر هنا عن ظاهرة تتجاوز حدود الحكمة الشعبية إلى سلوك اجتماعي متكرّس.

فالمشكلة لم تعد محصورة في سلطة تعيّن موظفين من خارج المحافظة، بل في بيئة اجتماعية باتت تُرهِب أبناءها من الاقتراب من مواقع المسؤولية؛ بيئة تنقسم في مواقفها إلى ثلاثة أنماط: إمّا التشكيك بثورية المتقدّم وانتمائه، أو النظر إليه من زاوية الثقل العشائري ومنح الأفضلية على هذا الأساس، أو الطعن بأحقيته بحجة أن قيده المدني مسجّل في مدينة أخرى رغم كونه من أبناء الرقة. وهي، في كل ذلك، لا تكتفي بعدم التقدير، بل تُقابل من يحاول التقدّم بسيل من الشكوك والتنقيب والنبش في الماضي، وكأن المنصب تهمة ينبغي الدفاع عنها، لا مسؤولية يُسعى إليها. في مثل هذا المناخ، يصبح العزوف سمةً عامة، حتى وإن لم يكن مبرّراً؛ إذ تدرك الكفاءات أن كلفة القبول، اجتماعياً ونفسياً، قد تفوق كلفة الرفض.

غير أن هذا التفسير، على أهميته، لا يكفي وحده. فالمشهد الإداري في الرقة لا يمكن فصله عن بنيته الأوسع. إذ لا يزال قوام مؤسسات الدولة يعتمد، إلى حدّ كبير، على كوادر تعود إلى زمن النظام السابق، ثم إلى مرحلة سيطرة "قسد"، خصوصاً في المفاصل الخدمية والإدارية. أما على مستوى المواقع القيادية، فالغالبية تأتي، كما أسلفنا، من خارج المحافظة.

وفي قلب هذا الواقع الإداري المأزوم، تبرز مسألة موازين القوة بوصفها عاملاً حاسماً في تفسير ما يجري. إذ يميل مركز القرار التنفيذي في الرقة إلى درجة عالية من التركّز بيد المحافظ، في ظل غياب قوى محلية قادرة على خلق موازنة أو التأثير في مسار قراراته. كما يلفت الانتباه محدودية أو ندرة حضور شخصيات من الصف الأول محسوبة على البنية الأساسية لـ "هيئة تحرير الشام" ضمن البنية الإدارية والأمنية في المدينة، بخلاف ما هو قائم – بدرجات متفاوتة – في مناطق أخرى من سوريا. ولا يمكن النظر إلى هذا الغياب باعتباره تفصيلاً تنظيمياً محضاً، بل عنصراً يعيد تشكيل بنية السلطة المحلية، ويمنح الإدارة القائمة هامشاً أوسع للحركة دون شراكات أو توازنات تفرض عليه قيوداً معقّدة.

ويُضاف إلى ذلك أن ندرة وجود كوادر منافسة للمحافظ من أبناء الرقة داخل البنية الصلبة لـ "هيئة تحرير الشام" نفسها، قد أسهمت في تعزيز هذا النمط من المركزية، ومنحت صانع القرار هامشاً أوسع في إدارة ملف التعيينات وتوزيع المواقع الإدارية، في ظل غياب توازن داخلي قادر على خلق منافسة فعلية داخل بنية النفوذ المحلية.

ولا ينفصل هذا النمط من تركّز القرار عن طبيعة موقع المحافظ نفسه ضمن شبكة السلطة الأوسع؛ إذ يُنظر إليه بوصفه من الدائرة الضيقة والمقرّبة للرئيس السوري أحمد الشرع، بحكم عمله السابق مرافقاً له ومعرفته القديمة به، ما يجعله أقرب إلى "رفيق درب" ضمن هذا المسار العسكري والسياسي. ومن شأن هذا القرب أن يفسّر، جزئياً، ارتفاع منسوب المركزية في إدارة التعيينات، بوصفها امتداد لثقة مباشرة، أكثر من كونها نتاج توازنات محلية أو اعتبارات تمثيلية.

وفي ضوء هذه البنية المركّزة للقرار، لا تبدو المشكلة مرتبطة بنقص الكوادر بقدر ما تتصل بظروف أعمق وأكثر تعقيداً. فالرقة، كغيرها من المدن السورية، تمتلك رصيداً معتبراً من الكفاءات المتعلمة، غير أن هذا الرصيد تعرّض عبر مراحل متعاقبة من السيطرة – نظام الأسد، داعش، قسد – لعمليات استنزاف متعددة، شملت التهجير والإقصاء والتهميش والتهشيم، وغلب عليها طابع استبعاد الكوادر المحلية من مواقع القرار. واليوم، نتيجة هذه الأهوال، أضحى كثير من كفاءات المدينة خارجها أو خارج البلاد، فيما جرى تحييد من بقي داخلها لصالح اعتبارات أخرى، في مقدمتها الولاء والارتباط بأشخاص من الصف الأول.

وفي سياق يُعزّز هذا الطرح، برزت مؤشرات عملية على نهج الإقصاء من المركز خلال التحضيرات للاستحقاق الانتخابي الأخير لمجلس الشعب في الرقة. إذ أثار إعلان القائمة الأولية للهيئة الناخبة موجة احتجاجات من ناشطين محليين، على خلفية ما وصفوه بخلل في آليات الاختيار، تمثّل في إدراج أسماء شغلت مواقع متقدمة خلال مراحل سابقة، بعضها محسوب على منظومات "قسد" أو على النظام السابق، في مقابل استبعاد واضح وصريح شريحة واسعة من أبناء الثورة والحراك المدني.

هذا الجدل لا يقتصر على تفاصيل إجرائية، بل يعكس إشكالية أعمق تتعلق بمعايير الأهلية ومن يملك حق الدخول إلى العملية السياسية من أساسها. إذ إن استبعاد فاعلين من أبناء الثورة - حتى وإن جرى جزئياً - يقوّض الثقة بسلامة المسار، ويطرح تساؤلات حول مدى اتساق الخطاب الرسمي مع التطبيق العملي، خصوصاً حين يقابله إدراج شخصيات مرتبطة بنظام الأسد أو داعش أو قسد.

بهذا المعنى، لا تعكس التعيينات - ولا حتى المسارات التمثيلية - أزمة كفاءة بقدر ما تعكس أزمة ثقة. السلطة تميل إلى اختيار "الولاء" على حساب "الأكفأ"، وهي بطبيعة الحال لا تبحث عن الخبرة بقدر ما تبحث عن السيطرة. والمجتمع يفقد ثقته بجدوى المشاركة، أو يخشى كلفة الانخراط، ويسهم - عن قصد أو عن غير قصد - في إعادة إنتاج نمط الإدارة من فوق.

النتيجة ستكون حتما دائرة مغلقة ومفرغة في آن واحد، من سلطة تستورد المسؤولين لأنها تبحث عن السيطرة، ويسهل عملها هذا انكفاء الخبرات المحلية عن المشاركة، والمجتمع الذي يضغط على أبناءه ويدفعهم للانسحاب، من ثم يلوم السلطة على غيابهم!

ولا يقف أثر هذه الدائرة عند حدود الإدارة، وإنما يمتد إلى إضعاف المجتمع نفسه. فتغييب أهل المدينة عن مواقع القرار ليس مجرد خلل إداري، بل يُفهم كإشارة إلى عدم الرغبة في تمكين المجتمع المحلي من إدارة شؤونه. ومع تراكم هذا الشعور، يتعزز الإحساس بالغبن والتهميش، وتتسع فجوة الثقة بين الناس والحكومة، ما يضعف أي محاولة لبناء استقرار حقيقي ومستدام.

في المحصلة، مشكلة الرقة متعددة الطبقات فجزءٌ منها نتاج إفراغ المدينة من كوادرها خلال سنوات الحرب، وجزء آخر نتيجة سياسات تُقدّمُ الولاء على الكفاءة، أما الجزء الأعمق، فيكمن في غياب إرادة واضحة لإشراك أبناء المحافظة في إدارة شؤونهم، وفي بيئة اجتماعية لا تزال تعاقب من يحاول أن يتقدّم بدل أن تحميه وتشجعه.

لهذا، فإن كسر هذه الحلقة هو مسؤولية جميع أبناء الرقة ونخبها المدنية، لدفع السلطة إلى تغيير طريقة إدارة المحافظة، وتغيير ثقافة المجتمع ونظرته إلى من يتصدّى للمسؤولية. المنصب تكليف وليس تشريف، وهو ليس مساحة اشتباه وإنما مساحة للخدمة العامة، ومسؤولية المجتمع أن يشجع أبناءه على التقدم للوظائف الحكومية ومنحه حدّاً أدنى من الثقة، لكسر هذه الحلقة من الخوف والانكفاء خشية العار الاجتماعي.

في النهاية، حتى وإن شاع مثل "مزمار الحي لا يُطرب" بحمولته السلبية، فإن المقابل لا يقل حضوراً في الوعي الجمعي: "أهل مكة أدرى بشعابها". وبين المثلين تتجلى المفارقة التي تعيشها المحافظة اليوم؛ فغياب أبناء المدينة عن مواقع القرار لا يمكن فهمه كمسألة كفاءة فقط، بل كحصيلة تفاعل تشاركي معقّد بين السلطة والمجتمع، حيث تتداخل الثقة المفقودة مع الإقصاء.

بهذا المعنى، لا يكفي الوقوف عند تشخيص المشكلة، بل عند سؤال أعمق: كيف يمكن إعادة بناء العلاقة بين المجتمع ومؤسسات القرار، بما يجعل الحضور المحلي قاعدة لا استثناء، والمشاركة استحقاق؟ 

عمر الهويدي - زمان الوصل
(5)    هل أعجبتك المقالة (3)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي