أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"لجان المكافآت" في السورية للبترول: كيف تسرق "الحاشية" تعب العمال باسم القانون؟

في تفصيلة جديدة تكشف أبعاداً أعمق لأزمة الفساد الإداري في الشركة السورية للبترول (SPC)، تبرز ظاهرة خطيرة تتعلق بتحويل "اللجان" إلى آلة لصرف المكافآت، وإعادة تشكيل العمل الطبيعي بشكل مشوه. 

فما كان يفترض أن يكون عملاً يومياً ضمن مهام الموظفين، تحول إلى فرصة لتجميع المكافآت عبر الانتماء إلى لجان متضخمة، بعضها لا يخدم سوى مصالح فئة ضيقة. 

المكافأة التي كشفت المستور.. 300 دولار عن عمل من صلب الواجب 
تشير معلومات حصلت عليها "زمن الوصل" إلى نموذج صارخ: مكافأة بقيمة 300 دولار تم صرفها لبعض الموظفين عن "نقل وترحيل أصول شركة صينية كانت تعمل في سوريا وانسحبت". المفارقة أن هذا العمل هو من صلب اختصاص ومهام الموظفين الذين تمت مكافأتهم أصلاً. فبدلاً من أن يكون تأدية العمل واجباً وظيفياً يدخل ضمن الراتب الأساسي، تم تحويله إلى "إنجاز استثنائي" يستحق مكافأة إضافية، بينما حُرم منه آخرون شاركوا في ذات الجهد. 

هذا النموذج ليس حالة معزولة، بل يعكس منهجية متبعة: تحويل أي عمل، حتى لو كان طبيعياً وروتينياً، إلى مشروع لجنة، ثم رشها بمكافآت لا تتناسب مع قيمة العمل أو نتائجه. 

كيف أصبحت اللجان آلة للفساد؟
ما كان يفترض أن يكون أسلوباً تنظيمياً استثنائياً للحالات المعقدة، تحول إلى نمط إداري دائم. اليوم، يتم تقليب العمل الطبيعي في الشركة عبر قوالب لجان لا حصر لها: لجنة للحفر، لجنة للمشتريات، لجنة للتدقيق، لجنة للمكافآت، لجنة لنقل الأصول... إلخ. 

هذا التحويل لم يأتِ عبثاً، بل خدم أهدافاً عدة: 
أولاً: اللجان حكر على فئة ضيقة
اللجان لم تعد مفتوحة للكفاءات، بل أصبحت حكراً على بعض رؤساء الأقسام والمقربين منهم. وقد وصل الأمر ببعض رؤساء الأقسام إلى المشاركة في عشر لجان مختلفة، بينما يُمنع بقية العاملين - حتى من هم أكثر كفاءة - من أي دور حقيقي. هكذا يتحول العمل إلى إقطاعيات صغيرة. 

ثانياً: أداة قانونية للمكافآت والدخل غير المشروع
اللجان تمنح غطاءً نظامياً لصرف مكافآت غير مبررة. فبدلاً من أن تخضع المكافآت لمعايير واضحة (كحجم الإنجاز، صعوبة العمل، الجهد المبذول)، يتم تمريرها تحت مسمى "أعمال لجان". هذا يسمح بتحويل مبالغ مالية كبيرة لجيوب فئة محددة، تحت غطاء نظامي. 

ثالثاً: احتكار المعلومات وحجب فرص التعلم 
اللجان تعني حجب المعلومات عن غير أعضائها. فعندما يُحصر العمل ضمن لجنة مغلقة، فإن المعرفة والتجارب والخبرات تبقى محصورة داخل هذه اللجنة. والنتيجة أن بقية الموظفين، وخاصة الكفاءات الشابة أو النزيهة، يُحرمون من فرصة التعلم والتطور والمشاركة الفعلية. 

رابعاً: أداة إدارية للفساد
اللجان أصبحت الغطاء المثالي لتمرير الفساد. فعندما يُتخذ قرار داخل لجنة، يصبح من الصعب محاسبة فرد بعينه، لأن القرار جماعي. هذا يخلق منطقة رمادية تسمح بتوزيع العقود، صرف المكافآت، وتوجيه العمل لمصلحة شبكات المحسوبية. 

خامساً: تقسيم العمل وتحويل الواجب إلى إنجاز
الأخطر هو أن العمل الطبيعي - الذي هو واجب أساسي للموظفين - يتم تفكيكه إلى أجزاء، وكل جزء يتحول إلى "لجنة". ثم يُقدم عمل هذه اللجنة على أنه "إنجاز استثنائي" يستحق مكافأة. هكذا، بدلاً من أن يكون الموظف يؤدي عمله اليومي كواجب، يصبح وكأنه يقدم "خدمة إضافية" تمنحه حقاً في مكافأة تتجاوز راتبه الأساسي. 

المكافأة تفوق قيمة العمل ونتائجه
في كثير من الحالات، تكون المكافأة الممنوحة لعمل لجنة ما أكبر من القيمة الحقيقية لذلك العمل، بل وأحياناً تفوق الراتب الشهري للموظف العادي. هذا الخلل يخلق حوافز منحرفة: يصبح الموظف مهتماً بالانضمام إلى أي لجنة، بغض النظر عن قيمتها المضافة، لأن ذلك يعني دخلاً إضافياً كبيراً. أما العمل الأساسي والروتيني، فيُهمل أو يُؤجل. 

ماذا نحتاج؟ ضوابط لعمل اللجان
لمنع تحول اللجان إلى أداة فساد واحتكار، نقترح الآتي: 
1. تحديد عدد اللجان
يجب وضع سقف لعدد اللجان في كل مديرية، وألا تتجاوز ثلاث لجان دائمة. أما اللجان المؤقتة فيجب أن تكون بقرار معلل ومدة زمنية محددة لا تتجاوز شهرين. 
2. وضع سقف للمكافآت لكل موظف
حتى لو استوجب عمل الموظف المشاركة في عدة لجان، يجب أن يكون هناك سقف أقصى للمكافآت التي يمكن أن يحصل عليها في الشهر أو السنة. هذا يمنع تراكم المكافآت وتحولها إلى دخل موازٍ يفوق الراتب الأساسي. 
3. عدم استخدام اللجان إلا عند الضرورة القصوى 
يجب أن يكون مبدأ العمل الأساسي هو الهيكل4. تغيير الثقافة من الداخل:
- برامج تدريب إلزامية في أخلاقيات الوظيفة العامة.
- تفعيل دور النقابات المهنية في الرقابة.
- دعم الصحافة الاستقصائية ومنظمات المجتمع المدني كخط دفاع أخير. 

إما بناء السد أو انتظار الطوفان 
الشرخ الصغير لا يصلحه دهان سريع، بل يحتاج إلى مهندسين يحفرون في الأساسات ويعيدون البناء من جديد. إذا تركنا هذه الشروخ دون علاج، سنستيقظ يوماً على دولة "جديدة" لا تختلف عن القديمة إلا بشعاراتها، حيث يدير الفاسدون أنفسهم المؤسسات باسم الثورة. هذا هو الخطر الوجودي الذي يهدد كل التضحيات. 

الطريق طويل وشاق، لكنه يبدأ بخطوات حاسمة: قوانين واضحة، رقابة فاعلة، إرادة لا تقبل المساومة على النزاهة. إما أن نبدأ اليوم في إعادة بناء السد مؤسسة تلو الأخرى، وإما أن ننتظر الطوفان الذي لن يفرق بين فاسد ونزيه. 

الخيار بأيدينا الآن. ولن يبقى طويلاً. الوظيفي الطبيعي (مدير ← رئيس قسم ← موظفين). واللجان تكون استثناءً لحالات معقدة أو عابرة، وليست بديلاً عن العمل اليومي. 

4. منع تكرار الأسماء في اللجان لأكثر من سنتين
لمنع احتكار اللجان، يجب وضع نظام مداورة إلزامي. لا يسمح لأي موظف بالبقاء في ذات اللجنة لأكثر من سنتين، ويتم تغيير الأعضاء دورياً لإتاحة الفرصة للجميع. 

5. شفافية كاملة
يجب أن تكون عضوية أي لجنة معلنة، وأن تصدر محاضر اجتماعاتها وتوصياتها بشكل علني، مع توثيق المبررات المالية لأي مكافأة. 
اللجان في الشركة السورية للبترول تحولت من أداة تنظيمية إلى آلة لصرف المكافآت، واحتكار العمل، وحجب المعلومات، وتمرير الفساد. مكافأة 300 دولار لنقل أصول شركة صينية ليست سوى مثال صارخ على كيف يمكن تحويل عمل طبيعي إلى "إنجاز استثنائي" يُكافأ عليه، بينما يُهمش الآخرون. 

بدون ضوابط صارمة وشفافية كاملة، ستبقى اللجان أداة بيد فئة ضيقة لنهب المال العام تحت غطاء نظامي. المطلوب اليوم: تحديد عدد اللجان، وضع سقف للمكافآت، منع تكرار الأسماء، والعودة إلى الهيكل الوظيفي الطبيعي كأساس للعمل. وإلا، فستستمر قصة "لجنة لكل شيء" في إنتاج الفساد وتكريس التهميش.

زمان الوصل
(11)    هل أعجبتك المقالة (9)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي