في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، وإغلاق مضيق هرمز، تعمل الحكومتان العراقية والسورية على إحياء مشروع خط أنابيب استراتيجي لنقل النفط الخام من حقول كركوك إلى ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط.
وأعلنت وزارة النفط العراقية، يوم الخميس، عن تحول جذري في طبيعة المشروع، حيث تم الانتقال من خطة تأهيل الخط القديم المتضرر إلى دراسة إنشاء خط جديد بالكامل، بطاقة تصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً، وذلك لضمان مرونة التصدير وتقليل الاعتماد على الممرات المائية المهددة.
تفاصيل المشروع: من التأهيل إلى الإنشاء الجديد
أكد نائب وزير النفط العراقي باسم محمد خضير في تصريحات صحفية أن الخط القديم (كركوك-بانياس) أصبح غير صالح للعمل بسبب عقود من الإهمال والتخريب. وأشار إلى أن الوزارة تجري حالياً دراسات متخصصة لإنشاء خط جديد، يعرف بمشروع "خط البصرة-الحديثة"، والذي سيتضمن فروعاً استراتيجية تمتد نحو الأردن ونحو سوريا وصولاً إلى بانياس.
- المسار المحتمل والطول:
يبلغ طول الخط القديم حوالي 800-850 كيلومتراً. أما المسار الجديد المقترح (البصرة-الحديثة) فسيكون أطول بكثير، حيث يهدف إلى ربط الجنوب العراقي بالشمال الغربي، مما يسمح بتحويل الخام من الحقول الجنوبية إلى الشمال في حال تعطلت المصادر التقليدية، مما يمنح العراق مرونة غير مسبوقة في عمليات التصدير.
القدرة الاستيعابية والتكاليف
- القدرة التصميمية:
بحسب الدراسات الأولية، يهدف المشروع الجديد إلى تحقيق طاقة نقل ضخمة تتراوح بين 700 ألف و1.5 مليون برميل يومياً. هذا يتناقض بشكل كبير مع القدرة المحدودة للخط القديم التي كانت لا تتجاوز 300 ألف برميل يومياً قبل توقف العمل به.
- التكاليف التقديرية:
تشير التقديرات إلى أن المشروع يتطلب استثمارات ضخمة:
· تكلفة إعادة تأهيل الخط القديم: تشير التقديرات الأولية (قبل قرار الإنشاء الجديد) إلى أن إعادة تأهيل الخط القديم بسعة 700 ألف برميل يومياً كانت ستبلغ حوالي 8 مليارات دولار .
· تكلفة الإنشاء الجديد: تقدر بعض المصادر تكلفة إعادة بناء شبكة الأنابيب والمحطات الجديدة بالكامل بأكثر من 4.5 مليار دولار، مع الأخذ بعين الاعتبار أن خط الأنابيب سيكون ثنائياً (لنقل نوعين مختلفين من النفط) وسيشمل إنشاء محطات ضخ جديدة.
أكد خضير أن المشروع لا يزال في مراحل التصميم والتخطيط، وسيتم طرحه للمنافسة أمام الشركات المتخصصة لضمان كفاءة التنفيذ، ومن المتوقع أن يتم تصنيع الأنابيب محلياً وفق المواصفات العالمية.
الفوائد الاقتصادية لسوريا والعائدات
يمثل هذا المشروع فرصة حيوية لسوريا التي تعاني من أزمة طاقة خانقة. قبل عام 2011، كانت سوريا تنتج نحو 387 ألف برميل يومياً، لكن الإنتاج انخفض حالياً إلى حوالي 8 آلاف برميل يومياً فقط، مع استهلاك محلي يصل إلى 120 ألف برميل يومياً .
- العائدات المالية:
ستحصل سوريا على عوائد مالية كبيرة من عبور النفط عبر أراضيها. تشير الدراسات إلى أن الإيرادات السنوية لأنظمة النفط العابرة في المنطقة تتراوح عادة بين 1 إلى 2 دولار للبرميل الواحد. وبناءً على ذلك، يُتوقع أن يحقق الخط الجديد عائدات عبور لسوريا تصل إلى حوالي 200 مليون دولار سنوياً في حال وصول الطاقة إلى 1.5 مليون برميل يومياً.
- تأمين احتياجات السوق المحلي:
بعيداً عن العوائد، سيوفر الخط مصدراً آمناً ومنخفض التكلفة للنفط الخام لمصافي بانياس وحمص، مما يقلل الاعتماد الكبير على واردات النفط الروسية القادمة عبر أساطيل الظل، والتي تعرض دمشق لمخاطر العقوبات الثانوية وتكاليف الشحن المرتفعة .
المعدل العالمي لعوائد النقل وأهمية المشروع
في مثل هذه المشاريع العابرة للحدود، تعتمد عوائد النقل (رسوم العبور) على عدة عوامل تشمل حجم الكميات المنقولة، واتفاقيات الشراكة بين الدول، وتكلفة صيانة الخط. المعدل العالمي لرسوم عبور خطوط الأنابيب طويلة المدى يتراوح عادة بين 0.5 إلى 5 دولارات للبرميل الواحد، وتقع العوائد المتوقعة لهذا المشروع ضمن الشريحة المتوسطة إلى المنخفضة نظراً للعلاقة الاستراتيجية بين البلدين والحاجة المتبادلة لتأمين التدفقات.
الجدول الزمني المتوقع للإنجاز
بحسب التصريحات الرسمية والجهات الهندسية، فإن المدة اللازمة لإنجاز المشروع تقدر بحوالي 24 إلى 36 شهراً، وذلك بافتراض البدء الفوري بالأعمال وتزامن عمليات إعادة البناء من الجانبين الشرقي والغربي. وأشار يوسف قبلاوي، المدير العام للشركة السورية للبترول، إلى أن المشروع يمثل أولوية قصوى، وأن بعض المؤسسات المالية التنموية، بما فيها في السعودية، أبدت اهتماماً بالتمويل.
السياق الجيوسياسي والدافع الاستراتيجي
يأتي الإسراع في تنفيذ المشروع في ظل الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منذ 28 فبراير 2026، والتي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز بشكل فعلي، مما خنق الصادرات النفطية العراقية التي تعتمد بنسبة 90% على هذا الممر. يهدف العراق من خلال هذا الخط إلى فتح نافذة تصديرية بديلة نحو أوروبا عبر البحر المتوسط، وتعزيز قدرته التصديرية التي انخفضت بنسبة 80% في الحقول الجنوبية.
علاوة على ذلك، فإن نجاح المشروع سيساهم في تقليل النفوذ الروسي في سوريا، حيث يمثل النفط الروسي أداة ضغط رئيسية حالياً، وسيوفر بديلاً أكثر أمناً واستقراراً للإمدادات.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية