الانفصال عن القاع.. بين الحقيقة والوهم
من خلال هذه الصورة لامرأة خيّرة تجسدها الممثلة يارا صبري بالكامل، يقدّم المخرج حسام سلامة عملاً درامياً محبطاً.
وللحفاظ على صرح تعليمي تركه زوجها المتوفى، تؤسس هناء – وهي امرأة سورية في الخمسين من عمرها – تقليداً في مدرستها الخاصة لتكريم الطلبة المتفوقين. وفي المقابل تظهر شخصية يارا، الفتاة الفاتنة البالغة ثمانية عشر عاماً، التي تؤدي دورها الممثلة ماسة الجمال. تتعرض الفتاة لمحاولة تحرش من مديرها في العمل، لكن هناء تلمح منذ النظرة الأولى بريق الذكاء في عينيها.
غير أن يارا تبدو أسيرة لشخصيتها الافتراضية، إذ تقع في حب صورة مثالية لنفسها؛ امرأة تشبه "السوبر وومان"، مثقفة ومتعلمة ولها مكانة اجتماعية، وكأنها تسعى إلى قطع صلتها بالقاع الاجتماعي الذي وُلدت فيه. ومع تطور الأحداث في العالم الدرامي، تبدو المشاعر مفتعلة وغير حقيقية. وتتداخل في هذا السياق قصة شخصية يؤديها الممثل جهاد عبدو، المصاب بمرض مرض ألزهايمر، حيث تختلط الحقيقة بالكذب في سردٍ مرتبك.
ظلال المرونة الدرامية المفقودة
منذ مسلسل أحلام كبيرة للمخرج الراحل حاتم علي، لم يظهر عمل درامي استطاع شرح الواقع الاجتماعي للأسرة السورية بعمق داخل تيه "مملكة الأبد الأسدية". ومع ذلك يكرّس عدد من كتّاب السيناريو، وفي مقدمتهم السيناريست لؤي النوري، أنفسهم لفن الاقتباس من دراما سطحية، على شاكلة أعمال مثل صبايا وغيرها من الأعمال التي تعتمد الخفة بدلاً من التحليل الاجتماعي.
يستغل السيناريو مرة أخرى ولعه بالتشويق، لكنه يعجز عن تحليل التأملات النفسية التي يضعها على عاتقه. وتتناول شخصية جهاد عبده المضطربة في المسلسل بوصفها شخصية معقدة متعددة الطبقات، يفترض أن تكون منطلقاً لخلق حضور درامي مثير للقلق. غير أن الأداء يميل إلى أسلوب يشبه سينما ألفريد هيتشكوك دون امتلاك أدواته، في محاولة لصناعة "نجم شباك".
الممثل العائد من المنفى، الذي اضطر خلال سنوات الهجرة القسرية إلى الابتعاد عن التمثيل والعمل في مهن متعددة، ظهر في أدوار قصيرة في بعض الأفلام الهوليودية. لكن تلك الأدوار بدت أقرب إلى "الكومبارس" منها إلى أدوار فنية حقيقية، وهو ما يبدو أنه أفقده مرونته الدرامية، وأحدث انقطاعاً فنياً واضحاً ينعكس على أدائه، ليضعه في موقع متأخر ضمن نجوم الدراما السورية.
ويبقى السؤال: هل يمكن للممثل أن يتكئ على تاريخه الفني بوصفه جواز مرور يمنع نقده؟
هناء.. بين النضج والوحدة
هناء أستاذة لامعة في مدرستها، تقترب من الخمسين؛ وهو سن يُنظر إليه في مجتمعاتنا المهووسة بالعمر باعتباره مرحلة مفصلية. ويزداد ألمها بعد وفاة زوجها المبكرة. يدفعها شعورها بالوحدة – رغم ثقافتها ونضجها – إلى الانخراط في نشاطات الدفاع عن حقوق المرأة، وفق ما يفترضه "النص المفقود" في التشريح الدرامي.
وللتغلب على حزنها، تتخيل نفسها مكان كل امرأة تتوجع. ويحاول السيناريو تشريح ألعاب القوة والتلاعب التي تتيحها الشبكات الاجتماعية بدقة شبه شيطانية. ومع ذلك، فإن المكانة الدرامية الممنوحة ليارا صبري تبدو محل شك أيضاً؛ ففي عالم درامي خاوٍ نسبياً، تبدو شخصية هناء باردة ومباشرة.
وعندما يتجه نظر المتلقي إلى تفاصيل الأداء – حركة اليدين، تقاسيم الوجه، وطريقة إلقاء الكلمات – يجد نفسه أمام ممثلة مختلفة عن تلك التي لا يُنسى دورها في مسلسل الفصول الأربعة. غير أن المجد الفني يُبنى بالتراكم، ولا يكفي الاتكاء على نجاح عمل واحد وتقديم نسخ متكررة منه.
أكثر ما يثير الضيق نقدياً هو الفقر الدرامي والمباشرة الفجة في الأداء؛ حيث تُردد كلمات السيناريو حرفياً، من دون أثر واضح لخبرة كان يُفترض أنها تراكمت عبر السنوات.
القصص المتداخلة والتنافر بين الواقعي والافتراضي
انطلاقاً من أزمة هوية في الدراما السورية الحديثة، ينسج حسام سلامة ولؤي النوري سرداً يقوم على عدة قصص متداخلة. يزخر العمل بعناصر مثل الكذب والحقيقة والخداع والتلاعب والشعور بالذنب والحب، لكنها عناصر تُقدم بصورة غير آسرة.
فالمغامرة الرومانسية لا تتأرجح بين الإثارة والتعليق الاجتماعي كما ينبغي، ولا يمتزج الواقع بالخيال بسلاسة. ويظل التفاعل بين عالم هناء الواقعي وعالم يارا الافتراضي محافظاً على توازن هش بين الخيال والعاطفة.
أما مشاهد الفلاش باك والمشاهد التمهيدية البصرية فتبدو غير متقنة، وكأن العمل يبحث عن أقسى درجات القتامة في تصوير دمشق، ليظهرها كمدينة أخرى، رغم أنها مدينة لم يغِب عنها ضوء الحب حتى في أحلك ظروفها.
شخصية متعددة الأوجه.. هل نجح الأداء في تجسيدها؟
إلى جانب ضعف الحبكة، يكمن الخلل الرئيس في الأداء. إذ تتردد يارا صبري في الكشف الكامل عن الشخصية متعددة الأوجه التي تؤديها. ورغم حضورها الجسدي الجذاب، إلا أن ذلك لا يكفي لتعويض فقدان العمق في الأداء أمام الكاميرا.
كان يفترض بهذه الشخصية المعقدة أن تُجسد بطيف واسع من المشاعر، وأن تتحول إلى شخصية آسرة ومقلقة في آن واحد. أما أداء ماسة الجمال، ففي بداياته يلفت الانتباه بأسلوبه الصوتي، لكنه في هذا النطاق الدرامي الذي لم تستكشفه كثيراً من قبل يبدو مفتقراً إلى الحساسية الدرامية المطلوبة.
لعبة الاختباء التي لم تُصِب هدفها
بعد محاولة استكشاف هشاشة النفس البشرية في مسلسل المقعد الأخير، يواصل حسام سلامة بحثه في الروح السورية عبر لعبة درامية تقوم على الاختباء والبحث. غير أن هذه اللعبة، في هذا العمل تحديداً، لا تصيب هدفها.
فالعمل يبدو وكأنه يطارد فكرة عميقة من دون أن يمتلك الأدوات اللازمة للإمساك بها، ليبقى في النهاية محاولة درامية غير مكتملة.
أحمد صلال - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية