أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"مطبخ المدينة": حين تكشف الدراما السورية جراح المجتمع

يُجسّد المسلسل السوري "مطبخ المدينة" الواقع الاجتماعي بصورة قد تتفوّق أحياناً على كثير من الدراسات الاجتماعية. ومن هنا يبرز سؤال جدير بالتأمل: هل يمكن للدراما أن تكون وسيلة لفهم اختلالاتنا الاجتماعية وربما معالجتها؟ إنها وجهة نظر درامية تستحق أن يتوقف عندها المتلقي طويلاً.

في جحيم حقبة الأسد خلال سنوات الثورة، يؤدي الممثل عباس النوري دور "طلحت الجمال"، صاحب مطبخ بطعم دمشقي يتحول إلى ساحة للاحتدام والالتحام الدرامي. تبدأ المأساة عندما يفقد ابنته الصغيرة بعد أن رافقت أخاها الأكبر إلى مراجيح العيد. يختار الأخ الأكبر "عبد"، الذي يؤدي دوره عبد المنعم، الصمت بدل المجازفة بسمعة العائلة، ليصبح هذا الصمت عبئاً ثقيلاً يلاحقه لسنوات طويلة. يستعيد في منامه ويقظته ذلك الكابوس الأسود الذي يجثم على صدر العائلة كلها، ولا سيما على عبد الذي ينهشه شعور الذنب وجلد الضمير كل يوم.

يقدم مكسيم خليل شخصية الابن "شجاع"، الذي يُعرف بسمعته كمراهق متهور ومدمن على السرقة، ما يجعل حضوره جذاباً درامياً منذ اللحظة الأولى. أما الممثل ملهم بشير فيؤدي دور الابن الأصغر "رضا"، مدير الحسابات في مطبخ ومطعم المدينة. تُؤخذ كلماته على محمل الجد داخل العائلة، لكنه يفرّغ شكواه من ديكتاتورية والده بطريقة مختلفة؛ إذ يتحول ليلاً إلى كوميديان في أحد البارات، يعاني في الوقت ذاته من اضطراب نفسي يتلقى علاجاً بسببه.

في المقابل، تؤدي أمل عرفة دور امرأة متزوجة حرة الروح، بلا ارتباطات واضحة، لكنها تنشط في التسول على الأرصفة؛ وهي ظاهرة تفاقمت بعد اندلاع الثورة السورية. يجسد دورها صورة المرأة التي دفعتها قسوة الظروف الاجتماعية إلى هامش الحياة، لتصبح ضحية أخرى لتجاوزات المجتمع تجاه الفئات الأضعف.

تدور فكرة المسلسل البوليسي، من تأليف علي وجيه وسيناريو رضا حامد وإخراج رشا شربتجي، حول سؤال جوهري: كيف يمكن، خلال أكثر من عقد في سوريا، أن يُترك هذا العدد الهائل من ضحايا الحرب البطيئة – التي قتلت بدم بارد وعلى مهل – من دون دعم أو إصغاء حقيقي من السلطات؟ سؤال يطرحه العمل بمرارة، وهو في الواقع السؤال ذاته الذي يطرحه كثيرون مع كل قضية جديدة أو شهادة إنسانية.

لكن "مطبخ المدينة" ليس مجرد مسلسل بوليسي. فبالرغم من حضور التحقيق في بنية العمل، إلا أن قوته الحقيقية تكمن في كونه عملاً عن النساء، والعائلة، والصمود، والتضامن بوصفه ربما الحل الأكثر واقعية لمواجهة الفقر والتشرد والعالم السفلي الذي يختبئ في قلب دمشق.

في تلك المدينة الكبيرة، التي تبدو أحياناً مهجورة ومشمسة في آنٍ معاً، لا يحتكر البطولة ممثل واحد يتحول إلى "نجم شباك". بدلاً من ذلك، تتقاطع شخصيات متعددة تنتمي إلى خلفيات اجتماعية مختلفة. ومع ذلك، يظل ظل الديكتاتور حاضراً فوق المدينة كلها؛ ذلك الظل الذي راوغ حتى النهاية واستغل خيرات البلاد والناس، ليجمع هذه المصائر المتفرقة في لوحة واحدة من المعاناة.

وعلى الرغم من دقة أسلوب كاميرا المخرجة رشا شربتجي واهتمامها بالتفاصيل، فإن العمل لا يسعى إلى استعراض القوة الواقعية بقدر ما يترك المشاهد يتجول داخل عائلة تبدو في ظاهرها متماسكة، بينما هي في الحقيقة تتصدع تحت وطأة مجتمع مريض. فحين يمرض المجتمع، يُصاب كل فرد فيه بطريقة أو بأخرى، وتتحول العائلة تدريجياً إلى كيان يسير نحو الهاوية.

يُتابع المشاهد حركة مجموعة كبيرة من الممثلين الموهوبين الذين يعملون بتناغم واضح تحت إدارة شربتجي. ورغم الإشارة إلى تأثيرات فنية من أعمال أخرى مثل الفيلم الفرنسي "ألف ضربة"، فإن المسلسل يحاول تقديم نوع من "التبيئة الدرامية" التي تمنح الاقتباس مبرراً فنياً، وتجعل القصة أكثر ارتباطاً بالسياق السوري.

يتألق مكسيم خليل في دور "شجاع"، العائد إلى الدراما السورية بعد سنوات من الغياب خلال فترة الثورة. يظهر كشاب طموح يعيش تحت سلطة العائلة، حريصاً على إرضائها والحفاظ على هدوء البيت. في البداية يبدو صامتاً ومقتنعاً بقدرته على تجاوز المأساة بمفرده، كما فعل كثيرون قبله. غير أن تجربة التجنيد الإجباري خلال الحرب وصدماتها المتتالية تدفعه إلى إعادة النظر في حياته، خصوصاً بعد احتكاكه بعالم التشرد المنظم، حيث يكتشف أن لا شيء يجبره على قبول هذا الواقع القاسي، لا الأعراف الاجتماعية، ولا الشعور بالذنب، ولا حتى الجروح التي طال زمن شفائها.

في المحصلة، يُعد "مطبخ المدينة" عملاً درامياً ناجحاً بكل المقاييس. إنه عمل يثير الرهبة والقلق، ومع ذلك يجد المشاهد نفسه عاجزاً عن صرف نظره عن الشاشة. يعتمد المسلسل على توتر درامي متواصل، يكشف أسراره تدريجياً من دون افتعال أو مبالغة، ليضاعف من أثر المأساة الإنسانية التي يسردها.

أحمد صلال - زمان الوصل
(8)    هل أعجبتك المقالة (6)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي