في مشهد يملؤه التناقض مع سلوك معظم الشركات العالمية، تبرز تجربة الشركات الصينية العاملة في قطاع النفط السوري كحالة استثنائية.
فبينما أعلنت شركات عالمية وإقليمية حالة "القوة القاهرة" تلو الأخرى مع خروج حقول النفط عن سيطرة نظام الأسد مع عام 2011، اتخذت شركتان صينيتان عملاقتان مساراً مغايراً، وواصلتا عملهما في مناطق وصفت بالخطيرة، ليكشف قرارهما عن أبعاد تتجاوز الجدوى الاقتصادية المباشرة إلى حسابات جيوسياسية كبرى.
في خضم الثورة السورية منذ عام 2011، كان قطاع الطاقة من أكثر القطاعات تضرراً، حيث خرجت معظم الحقول عن سيطرة الأسد، وتوقفت عقود الاستثمار، وانسحبت شركات كبرى مثل "شل" و"توتال". لكن المفارقة كانت في موقف شركتين صينيتين: شركة "إس آي بي سي" (SIPC) التي انتهى عقدها في عام 2024، وشركة "سي إم بي سي" (CNPC) التي من المقرر أن ينتهي عقدها في عام 2027. المعلومات تشير إلى أن الأخيرة طلبت مؤخراً الانسحاب من سوريا، في تطور لافت يطرح تساؤلات حول مستقبل الاستثمار الصيني هناك.
موقف مغاير: لماذا لم تعلن الصين "القوة القاهرة"؟
بينما سارعت شركات أجنبية وعربية لإعلان "القوة القاهرة" - وهو بند تعاقدي يُعفى الطرف من التزاماته بسبب ظروف استثنائية خارجة عن إرادته - تمسكت الشركتان الصينيتان بعقودهما التطويرية.
فحتى عندما كانت حقول النفط التي تعملان فيها خارج سيطرة الأسد، حافظتا على مكاتبها التمثيلية وواصلتا العمل، أو على الأقل أبقيا على تمثيلهما قائماً.
هذا القرار يعكس نهجاً صينياً طويل الأمد لا يتعامل مع سوريا كسوق عابر، بل كحلقة استراتيجية في سلسلة مشاريعها الكبرى، مثل مبادرة "الحزام والطريق"، حيث يتم فصل المصالح الاقتصادية الكبرى عن التقلبات الأمنية والسياسية المؤقتة.
أين تتركز حقول النفط الصينية في سوريا؟
لفهم أهمية القرار الصيني، يجب أولاً معرفة أين تتمركز استثماراتها.
وفقاً للتقارير المتاحة، فإن النشاط الصيني لم يقتصر على منطقة واحدة، بل امتد ليشمل حقولاً في شرق البلاد وغربها، إلا أن المصير كان مختلفاً.
- حقول محافظة حمص (الوسط): تعتبر منطقة حقلي "قمقم" و"أبو رباح" في ريف حمص من أبرز المناطق التي شهدت نشاطاً صينياً مكثفاً. ففي بداية عام 2023، وصل خبراء من شركة "هيلونغ أويل" للخدمات والهندسة الصينية إلى هذين الحقلين، وبدأوا أعمال التنقيب وحفر الآبار بموجب عقود استثمارية جديدة . هذه المنطقة بقيت تحت سيطرة الدولة السورية، مما سمح باستمرار العمل بشكل طبيعي نسبياً.
- حقول شمال شرق البلاد (الحسكة): وهو الجزء الأكثر تعقيداً في القصة. تمتلك الشركات الصينية، وخاصة شركة النفط الوطنية الصينية (CNPC)، استثمارات قديمة في حقول رئيسية بمحافظة الحسكة، مثل حقل "عودة" وحقل "تشرين".
هذه الحقول، التي كانت تنتج آلاف البراميل يومياً، خرجت عن سيطرة الأسد لسنوات طويلة وكانت واقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في فترات سابقة، وتعرضت لعمليات نهب وتخريب واسعة، قدرت خسائرها بمئات الملايين من الدولارات.
القيمة الإنتاجية والمالية: كم تخسر الصين؟
تشير التقديرات إلى أن قطاع النفط السوري كان ينتج قبل عام 2011 نحو 400 ألف برميل يومياً، لكنه تراجع إلى حدود 100-120 ألف برميل يومياً فقط في السنوات الأخيرة.
وبينما لا تتوفر أرقام دقيقة لحصة الشركات الصينية من هذا الإنتاج، فإن وجودها في حقول رئيسية يعني أن خسائرها المالية نتيجة النهب والتوقف كانت كبيرة جداً. تقارير غير مؤكدة أشارت إلى أن خسائر الشركة الوطنية الصينية (CNPC) في حقلي "عودة" و"تشرين" وحدهما قد تقترب من 170 مليون دولار نتيجة عمليات النهب التي طالت المعدات والبنية التحتية.
ومع ذلك، يبدو أن هذه الخسائر لم تكن كافية لدفع الشركات إلى الانسحاب الفوري، بل فضلت البقاء وحماية أصولها واستثماراتها الطويلة الأجل. فالشركات الصينية تنظر إلى سوريا كسوق واعدة ليس فقط للنفط، بل لإعادة الإعمار والبنية التحتية والاتصالات في المستقبل.
قرار الانسحاب الآن: سياسي أم اقتصادي؟
مع سيطرة الحكومة السورية الجديدة على معظم حقول الشمال الشرقي في مطلع عام 2026، وإعلان وزير الطاقة السوري عن خطط طموحة لزيادة الإنتاج وإعادة تأهيل الحقول بالتعاون مع شركات عالمية، يبرز سؤال ملح: لماذا تطلب شركة "سي إم بي سي" الانسحاب الآن، بينما بدأت الأوضاع الأمنية تستقر لصالح الحكومة؟
هنا يتداخل الاقتصادي بالسياسي:
1. الضغوط الأمريكية: منذ سقوط الأسد، كثفت واشنطن ضغوطها على سوريا لترك التكنولوجيا والمعدات الصينية، خاصة في قطاعي الاتصالات والطاقة، حاثة إياها على التعاون مع شركات أمريكية أو حليفة، هذا الضغط قد يجعل بيئة العمل للشركات الصينية أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.
2. المنافسة الدولية الجديدة: بعد استقرار الوضع النسبي، تتسابق شركات عالمية من قطر والسعودية والإمارات وأمريكا وأوروبا للعودة إلى سوريا أو دخولها لأول مرة . هذا الزخم قد يعني أن العروض المقدمة للصين لم تعد حصرية كما كانت في السابق، وقد تفضل دمشق الجديدة تنويع الشراكات.
3. إعادة هيكلة العقود: قد تكون الشركات الصينية بصدد إعادة تقييم عقودها القديمة التي أبرمت مع نظام سابق، وتسعى للتفاوض على شروط أفضل مع الإدارة الجديدة. الانسحاب قد يكون ورقة ضغط في هذه المفاوضات، أو خطوة فعلية إذا لم تجد البيئة الجديدة مناسبة لاستثماراتها.
قرار الشركات الصينية بعدم إعلان القوة القاهرة خلال سنوات الحرب كان قراراً سياسياً بامتياز، عكس رغبة بكين في لعب دور طويل الأمد في سوريا وحماية استثماراتها الاستراتيجية. أما طلب الانسحاب المحتمل الآن، فيحمل بعداً اقتصادياً وسياسياً معاً، حيث تدرس الشركات جدوى استثماراتها في ظل خريطة تنافس جديدة ومعالم نظام دولي مختلف في مرحلة إعادة الإعمار.
الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت الصين ستتمكن من التكيف مع الواقع الجديد في سوريا، أم أن حقول النفط السورية ستشهد تحولاً في الشريك الاستراتيجي من الشرق إلى الغرب والخليج.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية