في الرقة، لا يكفي أن يرفع الصوت كي تصنع الحقيقة. ولا يكفي أن تتعدد الروايات كي تتبدل الوقائع. فالمدن لا تتحرر بالبيانات، ولا تدار بالشعارات، بل تستقر حين تعود إليها مؤسسات الدولة كاملة، بجيشها وقضائها وإدارتها.
يطرح اليوم سؤال بصوت مرتفع: “من حرر الرقة؟” ويقال إن أبناءها فعلوا ذلك وحدهم، وإن الجيش دخلها بعد أن أصبحت محررة. غير أن السؤال الأصدق الذي ينتظره الناس هو: إذا كانت القدرة الذاتية موجودة طوال السنوات الماضية، فلماذا لم تمارس قبل عام؟ ولماذا استمرت الوقائع الميدانية كما كانت؟
وأين كانت هذه القوة حين كانت الأنفاق قائمة، والمتاريس ثابتة، والسلطة المفروضة تدير تفاصيل الحياة اليومية؟
الانسحاب المفاجئ لأي قوة مسلحة قبل وصول الجيش النظامي لا يقرأ بوصفه تحريراً ذاتياً، بل بوصفه إعادة تموضع أو خشية مواجهة مباشرة. القوى التي تؤمن بقدرتها لا تترك تحصيناتها طوعاً. والتجربة السورية خلال الأعوام الماضية واضحة: لا مدينة استعادت استقرارها الكامل خارج إطار الدولة، ولا منطقة ثبت أمنها إلا بعودة المؤسسة العسكرية والإدارية معاً. هذه ليست وجهة نظر، بل خلاصة مسار طويل في عموم سوريا.
في الرقة، لا يستدعي التاريخ من باب الحنين، بل من باب القلق. فكلما ارتفع صوت يتحدث عن “إدارة ذاتية عشائرية” أو عن أحقية هذا المكون أو ذاك في حكم منطقة بعينها، تعود إلى الذاكرة روايات قديمة تناقلتها الأجيال عن ليالٍ مضطربة، حين ضعفت الدولة وغاب القانون، فصار البيت مكشوفاً أمام ميزان القوة لا أمام مرجعية القضاء. قد يختلف الناس في دقة التفاصيل، وقد تتباين الروايات، لكن الثابت أن الخوف من غياب الدولة رافق الرقة في مراحل مبكرة من تاريخها، حين كانت بلدة صغيرة على تخوم البادية، تتأثر أكثر مما تؤثر، وتخضع لتوازنات القوة الاجتماعية أكثر مما تستند إلى مؤسسات راسخة.
قبل قرن من الزمن تقريباً، خرجت المنطقة من الحكم العثماني المثقل بسنوات الحرب العالمية الأولى، ودخلت مرحلة انتقالية مضطربة انتهت بوضعها تحت الانتداب الفرنسي عام 1920 ضمن ما أصبح لاحقاً سوريا. في تلك السنوات، لم تكن الرقة مدينة كبيرة ذات أجهزة إدارية متكاملة، بل تجمعا سكانياً محدوداً تحيط به بادية واسعة، يغلب على محيطه الطابع العشائري. الإدارة في سنواتها الأولى اعتمدت أسلوب الوساطة مع شيوخ القبائل أكثر مما اعتمدت بناء مؤسسات تفصيلية في الأطراف، الأمر الذي جعل حضور الدولة ضعيفاً ومتقطعا في بعض الفترات. وفي بيئة كهذه، كان ميزان القوة الاجتماعي يتقدم حين يتراجع المركز، وكانت أي هزة أمنية كفيلة بأن تفتح الباب أمام انفلاتات محدودة تتحول مع الزمن إلى ذاكرة جمعية أوسع من حجمها الفعلي.
الروايات التي تتحدث عن دخول مجموعات إلى بيوت داخل المدينة في زمن قديم، وسحب أغطية أو مؤن في ظل غياب الرادع، قد تعود إلى تلك المرحلة الرمادية بين انهيار سلطة قديمة وتشكل سلطة جديدة. لا توجد وثائق تفصيلية تثبت حادثة بعينها، لكن التاريخ العام للمنطقة يؤكد أن الفترة الممتدة بين 1916 وثلاثينات القرن الماضي كانت مرحلة هشاشة فعلية في أطراف البلاد، حيث لم تكن الدولة الحديثة قد استكملت أدواتها بعد. ومع الاستقلال عام 1946، بدأ المشهد يتغير تدريجياً؛ توسع حضور الدولة، ثبّتت المخافر والمحاكم، نظمت السجلات العقارية، وتكرست مرجعية قانونية واحدة، ما أدى إلى تراجع فكرة الضبط الاجتماعي المسلح داخل المدن، وبروز مفهوم المواطنة المتساوية أمام القضاء.
اليوم، والرقة مدينة أكبر وأشد تنوعاً مما كانت عليه قبل مئة عام، يختلف تركيبها الاجتماعي عن ذاك الزمن اختلافاً جوهرياً. فهي تضم عائلات عشائرية وعائلات مدنية قديمة وطبقات مهنية وسكاناً من خلفيات متعددة. في مدينة بهذا التعقيد، لا يمكن لأي صيغة إدارة تقوم على الانتماء الجزئي أو الحماية الخاصة أن تؤمن العدالة الشاملة. العشيرة، بوصفها إطاراً اجتماعياً، تبقى مكوناً من مكونات المجتمع، لها حضورها واحترامها ودورها الأهلي، لكن تحويل هذا الدور إلى مرجعية حكم مناطقية مغلقة يعني العودة إلى منطق التوازنات، لا إلى منطق الدولة.
التاريخ لا يدان ولا يمجد ، بل يفهم. وما يفهم منه أن الفراغ لا يبقى فارغاً، وأن غياب الدولة يفتح المجال أمام الأقوى اجتماعياً لملء المساحة. غير أن الرقة اليوم ليست بلدة على حافة البادية، بل مدينة داخل دولة، ومصلحتها ليست في تعدد المرجعيات، بل في تثبيت مرجعية واحدة تحمي الجميع بلا استثناء. الدولة وحدها تضمن أن لا يترك فرد بلا سند، وأن لا تتحول الخلافات الاجتماعية إلى صراعات مفتوحة، وأن لا يعاد إنتاج الخوف القديم بأشكال جديدة.
إن الحديث عن حماية المدينة أو الاعتزاز بدور اجتماعي في صونها أمر مفهوم ومشروع، لكن الشرعية في المدن الحديثة لا تستمد من القوة، بل من القانون. والرقة، التي عرفت في تاريخها فترات انتقال صعبة، دفعت ثمن غياب الاستقرار طويلا، لا تحتمل اليوم العودة إلى صيغ تفتح باب التأويل أو التجزئة. فالمعادلة واضحة: مدينة بحجم الرقة وتنوعها لا تستقيم إلا بدولة واحدة، وقانون واحد، وقضاء واحد، وجيش واحد. وأي نقاش خارج هذا الإطار، مهما حسنت نواياه، يضع المدينة أمام أسئلة تجاوزها الزمن، ولا يليق بها أن تعود إليها من جديد.
ريم الناصر - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية