أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الحسكة ليست غنيمة تفاوض ومن يختبر صبر الجزيرة يفتح أبواب المجهول

ليست المسألة مرسوماً إدارياً عابراً، ولا صورة بروتوكولية التقطت في ردهات مؤتمر دولي، بل سؤال وجودي يطرح اليوم على أبناء محافظة الحسكة: من يملك حق تقرير مصير هذه الأرض، ومن فوضه بذلك؟

المرسوم الصادر بتوقيع الرئيس أحمد الشرع والقاضي بتعيين نور الدين عيسى أحمد محافظاً للحسكة لم يمر كخبر إداري اعتيادي. الاسم مرتبط بقيادة سابقة في قوات سوريا الديمقراطية، وارتبط اسمه بإدارة سجن "علايا" في القامشلي، وهي مرحلة لا تزال حاضرة في ذاكرة كثيرين ممن يتحدثون عن اعتقالات وانتهاكات. حين ينقل شخص من موقع أمني مثير للجدل إلى موقع مدني أعلى في المحافظة نفسها، فإن الرسالة السياسية تكون أقوى من أي تبرير إداري.

وفي الخلفية، صورة ميونيخ لا تقل دلالة. في أروقة مؤتمر ميونخ للأمن ظهر مظلوم عبدي إلى جانب إلهام أحمد ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. الصورة قالت ما لم يكتب بعد: هناك مسار يرسم، وهناك تفاهمات تتبلور. لكن السؤال الذي بقي معلقاً في الحسكة: هل تمثل هذه اللقاءات كل مكونات الجزيرة، أم أنها تعيد تعريفها من خلال طرف مسلح واحد؟

الجزيرة لم تكن يوماً أرضاً أحادية اللون. هي منطقة ذات غالبية عربية تاريخياً، إلى جانب حضور سرياني/آشوري عريق، ومكون كردي تعزز حضوره بقوة خلال القرن العشرين نتيجة موجات لجوء من جنوب تركيا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. هذه الحقيقة لا تستخدم لنفي أحد، لكنها تمنع اختزال المحافظة في رواية واحدة أو قوة واحدة. أي اتفاق يمنح نفوذاً سياسياً أو أمنياً واسعاً لفصيل مسلح من دون ضمانات دستورية واضحة ومحاسبة شفافة عن المرحلة السابقة سينظر إليه على أنه إعادة توزيع للسلطة فوق رؤوس السكان، لا شراكة وطنية جامعة.

حتى اللحظة، لم يعرض نص تفصيلي كامل للاتفاق المعلن بين الدولة و "قسد" في صيغة منشورة للرأي العام تشرح بدقة آليات الدمج، وسقف الصلاحيات، وضمانات الحقوق، ومسار المحاسبة. الغموض هو الوقود الأخطر في بيئة متوترة. وحين يترافق الغموض مع تقارير يومية عن حملات دهم، تفتيش هواتف، اعتقالات، وضغط أمني في أحياء ذات غالبية عربية، فإن أي حديث عن استقرار يفقد معناه العملي. الشرعية لا تقاس بالتصفيق الدبلوماسي، بل بشعور المواطن بالأمان في بيته وشارعه ومسجده وكنيسته.

الأخطر أن المزاج الشعبي في أوساط عشائرية واجتماعية داخل الجزيرة لم يعد يحتمل رسائل ملتبسة. هناك قلق يتصاعد، وهناك تحذيرات واضحة من أن أي خطوة تفهم باعتبارها تخلياً عن التوازن المجتمعي أو تسليماً لقرار المحافظة إلى طرف واحد ستقابل برفض واسع. ليس لأن الناس تبحث عن صدام، بل لأنهم يخشون أن يتحول الاتفاق إلى مظلة قانونية لإدامة نفوذ يخضعهم لسلطة لا يثقون بها. في بيئة كهذه، يكفي خطأ سياسي واحد غير محسوب ليدفع الأمور إلى مسارات لا يريدها أحد.

وإذا كان الهدف المعلن هو وحدة الدولة، فالوحدة لا تبنى بإعادة إنتاج مخاوف الناس، ولا بتجاهل ذاكرة السنوات الماضية، ولا بتمرير ترتيبات كبرى عبر صور وبيانات مقتضبة. الوحدة تبنى بعقد اجتماعي واضح، بضمانات مكتوبة، بتمثيل حقيقي لكل المكونات، وبفصل صارم بين العمل العسكري والإدارة المدنية. ما دون ذلك سيبدو وكأنه صفقة سياسية أكثر منه مشروع استقرار.

الحسكة ليست ورقة تفاوض تحسم في ميونيخ، وليست منصباً يختزل بمرسوم. هي أرض لها مجتمع حي وذاكرة وتوازنات دقيقة. ومن يظن أن بإمكانه إعادة رسمها من فوق، من دون موافقة أهلها وثقتهم، إنما يختبر صبر منطقة أثبتت عبر تاريخها أن الاستقرار فيها لا يفرض، بل يبنى.

ريم الناصر - زمان الوصل
(8)    هل أعجبتك المقالة (9)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي