أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

سبع سنوات في الزنزانة: حين تعتقل قسد الطفولة وتكسر الآباء

عائلات تواصل الانتظار أمام سجن الأقطان

هناك لحظة لا تنفع معها اللغة المحايدة، ولا التحليل البارد، ولا تقارير المنظمات. لحظة يقف فيها أب يحتضن ابنه الذي غاب عنه سبع سنوات، لا لأنه مات، بل لأنه كان حيا في سجن. 

طفل دخل المعتقل في السابعة وخرج في الخامسة عشرة، ووالده يبكي وهو يقول: منذ سبع سنوات لم أره ولا أعرف عنه شيئاً. دموع الأب ودموع الطفل لا تطلب شرحاً ، بل تفضح السياسة نفسها، وتعري سلطة لا تحتاج إلى لائحة اتهام، لأن وجهها الكامل يظهر في هذا العناق المكسور.

هذه ليست قصة فردية، ولا مشهداً عاطفياً عابراً، بل عنوان سياسة. مئة وستة وعشرون قاصراً خرجوا من سجن الأقطان في الرقة، جميعهم دون الثامنة عشرة، بعضهم احتجز أشهراً، بعضهم سنوات، وأحدهم سبع سنوات كاملة من عمره. 

مئة وستة وعشرون اسماً كان يجب أن يكونوا في مدارسهم، لا في زنازين، وفي دفاترهم لا في سجلات الاعتقال. لكن "قسد" قررت أن الطفولة ليست مرحلة يجب حمايتها، بل خطرا يجب تطويقه.

أي ذهنية هذه التي ترى في طفل في السابعة تهديدا يستحق الإخفاء؟ أي عقل يحول الأبوه إلى ضعف يجب معاقبته، والعائلة إلى بيئة مشتبه بها، والبيت إلى ملف أمني؟ هذا ليس خطأ تقدير، ولا فلتان عناصر، بل قناعة راسخة بأن المجتمع لا يحكم إلا إذا كسر من أضعف نقطة فيه: الطفل. كسر الطفل يعني كسر العائلة، وكسر العائلة يعني كسر أي إمكانية لمستقبل خارج إرادة السلاح.

ثم تأتي الكذبة الجاهزة: "داعش". لكن الأعمار تفضحها، والتواريخ تقتلها. معظم هؤلاء الأطفال اعتقلو بعد دحر التنظيم، وبعضهم ولد بعده أصلاً. لا علاقة لهم بسلاح ولا بتنظيم، علاقتهم الوحيدة أنهم عبروا ، صوروا، هتفوا، أو وجدوا في المكان الخطأ أمام سلطة لا تحتمل أي صوت، حتى لو خرج من حنجرة طفل. هؤلاء معتقلون سياسيون صغار السن، وهذه هي الحقيقة العارية.

سجن الأقطان ليس سجناً، بل غرفة كسر. لا محاكمات، لا مدد قانونية، لا معايير عدالة. فقط زمن مفتوح تعلق فيه الطفولة، ويُترك الأب سبع سنوات لا يعرف إن كان ابنه حيا أم ميتاً، وتترك الأم على باب الانتظار. أي سلطة تحتاج إلى هذا النوع من القسوة لتثبيت وجودها هي سلطة تعرف في داخلها أنها بلا شرعية، وأن الخوف هو لغتها الوحيدة.

والجريمة لا تتوقف عند الاعتقال. ذهنية قسد واحدة، وإن اختلفت الأدوات. في المناطق العربية، تستباح الطفولة بالسجن والترهيب المبكر، لأنها تصنف خطراً سياسياً وديمغرافيا. وفي المناطق الكردية، تستباح الطفولة بالتجنيد والأدلجة، لأنها تصنف مورداً بشرياً. عرب يكسرون، وكرد يستنزفون، والنتيجة واحدة: طفولة مسروقة، وجيل يعاد تشكيله بالقوة.

الدعم الدولي الذي تتلقاه "قسد" لم يوقف هذه الجرائم، بل وفر لها مظلة صمت. تحت هذه المظلة، يمكن لطفل أن يكبر في زنزانة، ويمكن لأب أن يشيخ في الانتظار، ويمكن للعالم أن يتحدث عن شراكات وتعقيدات، بينما الحقيقة تبكي الحجر. لا مشروع تقدمي يمر فوق سبع سنوات مسروقة من عمر طفل، ولا محاربة إرهاب تبرر تربية الأطفال خلف القضبان.

حين يحتضن الأب ابنه بعد سبع سنوات، لا يعود السؤال: لماذا اعتقل؟ بل: أي سلطة هذه التي فعلت ذلك؟ أي إدارة هذه التي لا ترى في هذا المشهد جريمة كبرى؟ وأي أخلاق سياسية تسمح بأن يتحول العناق إلى خبر، والدموع إلى دليل إدانة لا أحد يريد قراءته؟

"قسد" لا تخطئ حين تعتقل الأطفال، لأنها تفعل ما تؤمن به. سلطة تخاف المجتمع، وتخاف الزمن، وتخاف الأجيال القادمة. ولهذا، حين تشعر بالخطر، لا تبدأ بالمقاتلين، بل بالأطفال، وتترك الآباء يبكون أمام الكاميرات، شهوداً أحياء على جريمة اسمها: اعتقال الطفولة.

ريم الناصر - زمان الوصل
(1256)    هل أعجبتك المقالة (12)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي