أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

كتاب المقارنات: حوارات تاركوفسكي أم تداعياته؟!

كتاب المقارنات: حوارات تاركوفسكي أم تداعياته؟!
من أهم الحوافز والمغريات لشراء كتابٍ ما أو قراءته أن يكونَ لكاتبٍ معروف أو ذا عنوان مثير للاهتمام أو من إصدار مؤسسة ثقافية مرموقة.
 (كتاب المقارنات: حوارات مع تاركوفسكي) إعداد الباحثة السينمائية أولغا سوكورفا وترجمة يونس كامل ديب وإصدار وزارة الثقافة- المؤسسة العامة للسينما بدمشق يملك جميع هذه المقوّمات ، مع ذلك جاء مخيباً للآمال.
لم تمتلك أولغا سوكورفا منهجاً محدداً للحوار الصحفي، وحاولتْ تبريرَ ذلك في المقدمة: "لقد تكوّن هذا الكتاب بشكل غريب نوعاً ما- لذلك أعتقد أنه من الضروري إعطاء تفسير ما حول بنيته... لقد ظهر الكتاب من كثرة الأحاديث غير المختصة وغير المرتبة غالباً، التي كنت قد أجريتها مع أندريه تاركوفسكي"، ووضحتْ أنّ هدفها كان "الحفاظ على نبرته من أجل المشاهد وعلى منطق تفكيره وأسلوب معاشرته للجلساء".
 وزّعتِ الحوارات على اثني عشر فصلاً بحسب الموضوعات (حول الفن، الزمن، ظهور السينما، الصورة...الخ)، لكن طبيعة الحوار والأسئلة العريضة التي طرحتها جعلت تنسيقها عديمَ الجدوى.  في الفصل الأول (حول الفن) تسألُ  المخرجَ العالمي تاركوفسكي: ماهو الفن بشكل عام؟ فيجيبُها بأكثر من ثلاثين صفحة دون أن تختلف إجابته عما يقوله معظمُ الفنانين والمفكرين: "الفن هو لغة يحاول الناسُ بواسطتها مرة أخرى أن ينفذ أحدهما للآخر، وأن يخبر أحدهما الآخر عن نفسه... " (24). 
 يُفترض أن تكون أسئلة المحاوِرة الصحفية موجزة ودقيقة، أمّا أولغا فقامتْ بمداخلات طويلة تصل إلى أربع صفحات أو أكثر (33-36)، (89-93)، (97-100)، (107-111)، فغابتْ ملامح أسئلتها في المطمطة، و فقدَ المخرجُ الكبير اتجاهَ الحديث وراح يستطردُ من فكرةٍ فلسفية لعشراتٍ غيرها، وتاهَ القارئ.
 تعتذرُ عن هذا في المقدمة: "نرجو ألا يتكدّر القارئ كذلك من تلك الحالة اللاإرادية وغير المستقرة التي يشغلها من يدير الحديث. لقد ظهرت مونولوجاته عندما كانت توجد حاجة عضوية وطبيعية لإضافة شيء ما". إنّ كلمة مونولوج هي وصف تجميلي لطبيعة الحوار في الكتاب، فالأحاديث في معظمها هذيانات مثقفين، وعلى القارئ أن يسبحَ في تيارات اللاوعي المتدفقة عند تاركوفسكي ليلتقط لآلئه الفكرية الثمينة. وهذا الكلام لايمكن أن يحملَ السخرية، فقد ظهرت أفكار هامة بين الحين والآخر لكنّها بعيدة المنال.
يتوقع القارئ من العنوان أنّ هناك مقارنات بين تاركوفسكي ومخرجين آخرين أو بين سينما وسينما، لكنه يتفاجأ أنّ المقصودَ رصدُ التناقض أو التطور في أفكار تاركوفسكي. تقول في المقدمة: " من هنا جاء عنوان الكتاب الذي يستفز القراء لمقارنة مقاربات المخرج مع بعضها البعض، ومع تفسيراتها".  اعترافها هذا يشير إلى إخفاق في اختيار عنوان مناسب، فالمقارنة تكون بين شيء وشيء آخر خارج عنه.  وربما كان أفضل - بسبب مداخلاتها الطويلة- لو استخدمت كلمة مناقشات بدل حوارات.
إنّ امتلاكَ أولغا لمقدرة لغوية وثقافية عالية لايعفيها من مسؤولية التنظيم، ورغبتها بتقديم تاركوفسكي كما هو في أحاديثه العفوية والمباشرة لاتكفي لصنع كتاب جيد.  لقد جاءت معظمُ حواراتها معه حول فيلمه (المرآة)، والذي يعد بمثابة سيرة ذاتية للمخرج يختلط فيه الحلم والخيال بالواقع على شكل جعلَ الكثيرين من مشاهديه يغضبون لأنهم لم يفهموه كما قالت. 

فهل كان خيارها النقديّ أن تحاوره بأسلوب موازٍ لأسلوبه في الفيلم؟ وهل يعني هذا أنّ تحليلَ العمل الفني بشكل جاد وتوضيحه لم يعودا من مهام الناقد؟  أم الأمر ببساطة أنها وقعت في فخ تقديس الأشخاص، فظنت أنّ كلَّ حديث يصدرُ عن تاركوفسكي هو عظيمٌ وهام بالضرورة؟!
 ترجمة نصّ يتسم بالفوضى أمرٌ غير يسير، لكنّ من يتكبّد هذا الجهد عليه أن يتذكر أن الترجمة الجيدة هي التي لاتبدو ترجمة.  يلاحظ القارئ تباين المستوى بين لغة يونس كامل ديب الجيدة في مقدمته وبين ترجمته للكتاب.  لقد أضاف سوءُ الترجمة مزيداً من التشتت.  استخدم المترجمُ الظروفَ (فقط، قط، بالتأكيد، بالفعل، تماما، مطلقاً...الخ) بكثرة ودونما داعٍ مما جعل الحشو الزائد في الجمل أحد معوّقات فهمها، وكان بناءُ جملته وسوء استخدام علامات الترقيم عائقاً آخرَ: "قيمة الفن يجب كما يبدو لي أن تحدد من خلال التطابق مع الواقع. ولكن التعقيد يتلخص في فهم التحفة حسب كلام غوته، مثل الصعوبة في خلقها. أضف إلى ذلك أنه لاأحد يستطيع أن يدعي بموضوعية تقييمه لوجهة نظره، تبرز إحدى الحقائق الموضوعية نسبياً من خلال تنوع تفسيراتها الذاتية" (29). 

 ويتكرر عدم التطابق بين كلمتي الناس وأحدهما في قوله: "الفن هو لغة يحاول الناس بواسطتها أن ينفذ أحدهما للآخر..." (24) كمثال عن ضعف الصياغة.
ساهمتِ المؤسسة العامة للسينما في دمشقَ بنشر كتبٍ قيّمة وممتعة وتستحق القراءة بينما رفضتْ نشرَ كتب أخرى، فضمن أي منظورٍ صرّحتْ لهذا الكتاب أن يظهرَ باسمها؟ هل وقعتْ أيضاً في فخ الأسماء الكبيرة والعناوين البرّاقة؟ أليس ظلماً لمخرج عالمي كبير وصاحب رؤى فلسفية كتاركوفسكي أن يقدَّم للجمهور العربيّ من خلال أحاديثه غير المرتبة؟!  ألا يعنيها أخيراً أن تسببَ للقارئ الإحباط والاستياء؟!

امل عريضة - زمان الوصل
(41)    هل أعجبتك المقالة (40)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي