أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

لم تعد الأعمال تعرف بأسمائها بل بأسماء النجوم فيها

يُدرك المتابعون للدراما التلفزيونية أنّ النجاح الذي حققته الدراما السورية في وجه نظيرتها المصرية، يعود لجملة أسباب يأتي في طليعتها أهميّة جيل الشباب الذين تصدروا في مرحلة ما لإخراج المسلسلات السورية، حتى أنها عرفت بدراما المخرجين، فكنت تقوّل هذا مسلسل هيثم حقي، أو عمل لنجدت أنزور، أو دراما حاتم علي .... مقابل دراما النجم الواحد في الأعمال المصرية، حيث يتابع المشاهدون مسلسلاً ليحيى الفخراني، أو عملاً ليسرى مثلاً، من دون الاهتمام بأسماء باقي طاقم العمل حتى المخرجين منهم، ووصل الأمر حد أنّ الفخراني تقاضى عن عمله الأخير 'شيخ العرب همام' مبلغ 8 ملايين جنيه مصري من أصل ميزانية العمل التي بلغت 60 مليون جنيه، وفي تسريبات أخرى تراوح الأجر ما بين 14 مليون إلى ستة ملايين فقط.
بينما كانت قوّة الدراما السورية في عجزها عن صناعة النجوم، حيث يحشد المخرج في عمله عدداً من الممثلين المتميزين الذين يتسابقون على تقديم أفضل ما عندهم حتى لو كانوا في أدوار صغيرة أو ثانوية. يُضاف إلى ذلك الجرأة في اختيار النصوص ومعالجة الموضوعات، بحيث تتكامل القاعدة الإنتاجية ما بين المخرج والنص والممثلين.
ويبدو أنّ الأشقاء في مصر استفادوا من القاعدة السابقة وعملوا على ترميم القاعدة الدرامية لديهم قدر الإمكان، كما يدعي أحد صناع الدراما السورية بعبارة 'لقد علمناهم'، لكن الأشقاء المصريين لم يرتاحوا لعجزنا، فأخذوا على عاتقهم عملية تصنيع النجوم السوريين وإعادة تصديرهم إلينا، حتى أصبح من عمل في الدراما المصرية من الممثلين السوريين أو رفض بعضا من عروضها على ذمته يدعي النجومية. وهكذا أصبحت 'بقعة ضوء' أيمن رضا، و'ملك التاكسي- أبو جانتي' سامر المصري، و'كليوباترا' سلاف فواخرجي، وأنا لا أقول ذلك من باب الافتراض، بل أتكئ على الاستبيان الذي أعدته صحيفة 'الثورة' كعادتها كل عام بعد انتهاء الموسم الرمضاني، حيث أفردت حقلاً في استبيانها لأفضل ممثل وآخر لأفضل ممثلة، بينما غاب وجود المخرجين في الاستبيان السابق.
حتى في الإجابة عن السؤال عن دوافع المشاهدين لتفضيل مسلسل عن آخر، جاءت النتيجة بـ 42.23 ' من الأصوات لصالح أهمية الموضوع، وفي المرتبة الثانية 26.79 ' من الأصوات لصالح وجود ممثلين يحبهم المشاهد، أي لصالح النجوم. وفي المرتبة الثالثة حلّ السبب 'لأنه مُسلٍ فقط' بنسبة 14.7 ' بينما لم ينل 'الأسلوب الإخراجي' أكثر من اهتمام 11.34 ' من المصوتين فقط، وجاءت في النهاية نسبة ضئيلة 5.55 للأسباب الأخرى.
هذه المسائل تشكل انقلاباً في صناعة الدراما السورية، وسيكون لها تأثير كبير في المستقبل، لجهة الاهتمام بنوعية من التلقي، قد تمتع جمهوراً ولكنها لا تمنح أهمية للعمل، كما حصل مع مسلسل 'أبو جانتي' الذي نال شعبية معينة صوتت له في استبيان 'الثورة' كثاني أفضل ممثل، لكنها لم تستطع أن تمنحه أي أهمية لدى النقاد.
وبالقياس على أجور الفنانين المصريين وهي بالجنيه المصري، نجد أن أجور الممثلين السوريين تحسب بالدولار، وذلك لغاية في نفس يعقوب، فجاء في وكالة أنباء 'آيكي' الإيطالية أن أجور الفنانين الممثلين قد ارتفعت خلال العامين الأخيرين ما بين 50 ' وبين 500 ' وفقا لشهرة الممثل وللملاءة المالية للشركة المنتجة، وفي تصريح للمخرج الليث حجو أن بعض نجوم الدراما السورية باتوا يتقاضون أكثر من مليون دولار عن العمل الواحد، وحتى مع احتمال وجود مبالغة بالرقم السابق، وحتى لو اختزلناه إلى النصف فإن المبلغ يبقى كبيرا بالقياس إلى الميزانيات الإنتاجية للدراما السورية. لكن الليث حجو يضيف 'أن الدراما التلفزيونية تحولت إلى دراما النجم الواحد، ولم تعد تذكر الأعمال بأسمائها بل بأسماء النجوم الذين عملوا فيها'.
وإذا كان بسام كوسا قد حلّ بدون منازع في مرتبة أفضل ممثل بنسبة 36.16 ' من المصوتين، فإنّ القائمة بعده وعلى التوالي حملت أسماء: سامر المصري، قصي خولي، أيمن رضا، وائل شرف، مع الإشارة إلى أنّ المرتبة الرابعة في هذا الحقل حُجبت بنسبة 11.80' من الأصوات.
بينما في حقل أفضل ممثلة حُجبت المرتبة الأولى، لتأتي في المرتبة الثانية السيدة منى واصف كأفضل ممثلة بنسبة 20.06 ' من الأصوات، تليها: صبا مبارك، سلافة معمار، نادين، تاج حيدر.
أمّا في حقل المسلسل الأكثر مشاهدة، جاء مسلسل 'وراء الشمس' للمخرج سمير حسين أولاً بنسبة مئوية 38.42 '، 'باب الحارة' للأخوين الملا ثانياً بنسبة 35.15 '، و'ما ملكت أيمانكم' لنجدت أنزور بنسبة 26.41 وجاء بعدها على التوالي كل من مسلسل 'أبو جانتي'، 'ضيعة ضايعة'، 'تخت شرقي'، 'لعنة الطين'، 'أهل الراية 2'، 'صبايا 2'، 'الدبور'، 'الخبز الحرام'، 'أسعد الورّاق'، 'ذاكرة الجسد'، 'القعقاع'، 'الصندوق الأسود'، 'أنا القدس'، 'كليوباترا'، 'بعد السقوط'، 'ساعة صفر'، 'رايات الحق'، 'بقعة ضوء'.
وإذا كان مسلسل 'وراء الشمس' قد كسب رهان الجرأة هذا العام في طرح موضوع جديد وشائك، فإنه اعتمد على نجومية بسام كوسا في دور صعب ومُعقد، إضافة لأداء الطفل علاء الدين الزيبق وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي منحَ العمل مصداقية كبيرة، رغم المطمطة في عشرين حلقة على الأقل من أصل ثلاثين، وعلى الرغم من النهاية المفبركة وغير الواقعية في الحلقة الأخيرة، التي ذكرتنا بالنهايات السعيدة لقصص الجدات قبل النوم. وكذلك الأمر في مسلسل 'ما ملكت أيمانكم'، وهو ما يُعطي أهمية واضحة للدراما الاجتماعية، في حين تراجع الاهتمام بمتابعة المسلسلات التاريخية، فجاء مسلسل 'القعقاع' في المرتبة 14، ومسلسلا 'أنا القدس' و'كليوباترا' في المرتبة 16 وفي المرتبة 18 حلّ مسلسل 'رايات الحق'، رغم علمنا بضخامة هذه الإنتاجات التاريخية. فيما لا زالت تحتل أعمال البيئة الشامية مرتبة متقدمة إذ جاء 'باب الحارة' في المرتبة الثانية رغم أنّ طاقم العمل باعتقادي ملّ من هذه السلسلة الشامية من دون أن يملها المشاهدون، كما حلّ الجزء الثاني من 'أهل الراية' في المرتبة الثامنة.
الإشكالية الكبيرة كانت في الأعمال الكوميدية التي منحت المرتبة الرابعة لمسلسل 'أبو جانتي' والخامسة لمسلسل 'ضيعة ضايعة' وهي مفارقة باعتقادي، كما جاء مسلسل 'صبايا 2' في المرتبة التاسعة وحلّ 'بقعة ضوء' في المرتبة الأخيرة.
وأستطيع الجزم من خلال متابعتي الإعلامية ومع الزملاء النقاد أنّ مسلسل 'ضيعة ضايعة' كان الأفضل في هذا الموسم الرمضاني، لكن حساب البيدر لم يوافق حساب الحقل، لأنّ الجرعة النقدية في هذا العمل لم يستطع البعض أن يتحملها، خاصة عندما تباد 'قرية أم الطنافس الفوقا' لأنّ أحد المهربين 'أبو شملة/ محمد حداقي' طمر في أحراجها الجميلة النفايات النووية، ولأنّ البعض منذ البداية اعتبر في هذا العمل هزءاً من طرف جهوي نسبةً 'لجهة ما' أيضاً لم يتحملها، كما أنّ النهاية كانت قاسية حتى لمحبي العمل والذين تابعوه بحب وشغف ودموع في الحلقة الأخيرة والتي كانت معبرة عن خراب البصرة أكثر ممّا يتحمله أي واقع بصراوي.
المسألة في هذه الاستبيانات وهي صحيحة بالنتيجة، لا تكمن في غبن هذا المسلسل أو ذاك، إذ غبنت أعمال مهمة بالتأكيد لصالح أعمال رديئة. فلا يُعقل أن يكون 'أنا القدس' في المرتبة 15 و'صبايا2' في المرتبة 9 أو 'باب الحارة' في المرتبة الثانية مثلاً!
هناك مسائل كثير تتدخل في تحديد متابعة عمل أكثر من سواه، قد يتعلق الأمر بالمحطات التي تبث العمل، كما بتوقيت عرضه، بازدحام الشاشة الرمضانية، بأشياء كثيرة. لكن في المحصلة كيف نستطيع تفسير تقدم مسلسل 'أبو جانتي' على مسلسل 'ضيعة ضايعة'؟! أعتقد أنّ الموضوع ببساطة يتعلق بالمتلقي الذي هبط في تحديد خياراته، من دون أن أعني بذلك أنه إدانة لأحد، لكن أغلب الآراء النقدية لم تستسغ الكوميديا التي تابعناها في 'أبو جانتي' أو 'صبايا 2'، إن وجدت كوميديا خارج حدود التهريج السمج لهذين العملين. ومع ذلك يبدو أنّ نجوم الدراما السورية مشوا أولى خطواتهم على منحدر الهبوط، بعد أن غابت أسماء المخرجين المهمين وراء الغيم أو راء الطين عن أعمال لم يخرجوها، وأخرى ليتهم لم يخرجوها.

 

القدس العربي - انور بدر
(97)    هل أعجبتك المقالة (109)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي