أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الدراما السورية في رمضان: 40 مسلسلاً على المائدة

حلّ الشهر الكريم وفي حوزته مائدة درامية مفتوحة على ما يقارب المئة مسلسل عربي، وبديهي أن أي مشاهد مهما بلغت درجة شراهته الفنية أو حجم فراغه وعزلته الاجتماعية، لن يستطيع تذوق الأطباق المعروضة كلها، حتى ولو تسمّر أربعاً وعشرين ساعة أمام شاشة التلفزيون، وبالتالي فإن عملية الانتقاء والمتابعة رهن بحجم الدعاية الإعلامية المسبقة، أو مدى نجومية الأسماء القائمة على العمل.

في هذا الإطار تقدّم الدراما السورية حوالى أربعين مسلسلا جديدا، أسهم في إنتاجها رأس المال المحلي والعربي، تتنوع بين الواقعي والكوميدي والفانتازيا، تمس إشكالاتنا المعاصرة، وتفتح صفحات التاريخ القديم والبعيد بما فيها السير الذاتية، تدخل مناطق الحضر والبدو، وتتناول مختلف الملفات الساخنة والباردة، السورية والعربية على حد سواء، بحيث إنها لم تبقِِ نجما أو كومبارساً من المخرجين والكتّاب والممثلين خارج دائرة العرض والطلب.
ورغم أن عددا لا بأس به من هذه الوفرة الدرامية السورية قد تخاطفته الفضائيات العربية في الموسم الحالي، لاسيما الجهات المنتجة منها، غير أن العدد القليل هو الذي يحظى بشغف المشاهدة، وعلى الظن الغالب أن الأمر لا يتعلق بالنواحي الفنية الصرفة، بل يتعلق بالشروط الإنتاجية الجيدة للعمل وبآليات تسويقه، ومن هذه الأعمال المتتاليات السنوية التي لا تنتهي من مثال "باب الحارة" و"أهل الراية"، فهذه الأعمال وإن كانت تنطلق من مواقع اجتماعية في غاية التخلف، إلا أنها تستمد جماهيريتها من كونها تداعب الخيال العربي المسكون بالهزيمة والطغيان بفكرة البطل الأصيل الذي سينتصر على الأعداء والمظالم، ويعيد الحق إلى أصحابه في نهاية المطاف.
ومن المؤكد أن نجومية الفنانة سلاف فواخرجي حين تقاطعت بعمل تاريخي ضخم، أنتجته روتانا، يضم كبار فناني سوريا ومصر ولبنان في سيرة مثيرة للاهتمام، هي سيرة كليوباترا، تلك المرأة التي جمعت بين الجمال والذكاء والشغف والسلطة، وتربعت على عرش مصر في مرحلة تاريخية حرجة، من المؤكد أن هذا التقاطع كان أحد مسببات الضجة الإعلامية التي رافقت تصوير "كليوباترا" ومن ثمة عرضه على أكثر من عشر فضائيات خلال رمضان الحالي، لكن من المؤسف أن يكتشف المشاهد منذ الحلقات الأولى الضعف الفني الكامن في بناء النص وإدارة الممثلين، فلا ندري ما هي مرجعيات كاتب السيناريو قمر الزمان علوش للوقوع في منزلق تركيب شخصيات وحيدة الجانب، وحوارات تلوي رقبة التاريخ كي تنطق بتصوراتنا الراهنة حول الطغيان الأميركي، ولا ندري ما هي مبررات المخرج وائل رمضان لتنميط سلوك شخوص العمل في قوالب جاهزة، تبدو وكأنها تضع أقنعة في حفل تنكري، فيتحول الملك بطليموس على سبيل المثال إلى نسخة مشوهة عن شون كورن.
عنوان شعري مثل "أبواب الغيم" يحمل كل عوامل التشويق بالنسبة الى شريحة واسعة من الجمهور العربي، فهو ينطق باللهجة البدوية، ومن إنتاج المكتب الإعلامي لحكومة دبي، وقد أخرجه أحد أهم مخرجي سوريا حاتم علي، عن نص يستلهم قصائد وخواطر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بعدما قام بكتابة السيناريو والحوار المؤلف عدنان العودة الذي أثبت جدارته في الموسم المنصرم مع عمله الأول "فنجان الدم"، ويضاف إلى ذلك نخبة من نجوم الدراما العربية أمثال: قصي حولي، عبد المحسن النمر، ورد الخال وسلافة معمار. ويبدأ المسلسل ببدوي شاب يقتحم مزرعة عائلة إنكليزية مستشرقة بحثا عن فرسه، ومن تلك الحادثة الغريبة وعلى وقع أسئلة الزوجين المندهشين تبدأ تفاصيل الحكاية بالتبلور استنادا إلى تقنية الراوي وأسلوب الفلاش باك، وفي هذا الإطار يعتمد بناء الأحداث المرجعية التاريخية، ويشمل المرحلة الواقعة ما بين أربعينيات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في بقعة جغرافية متعددة الأطياف تضم الجزيرة العربية ودمشق والقاهرة وإمارات الخليج، حيث يتنافس الأتراك والإنكليز والفرنسيون للسيطرة عليها، لكن جميع هذه المقدمات المشوّقة التي استهلكها الإعلام طوال الفترات السابقة للعرض، لم تثنِ المشاهد عن الإحساس بأن الحلقات الأولى من المسلسل تعاني من خلل ما في بنية الشخصيات وأسلوب أدائها، ومن تراجع اللمسة الإبداعية لكل من المؤلف والمخرج مقارنة بتجاربهما السابقة.
عمل آخر استرعى اهتمام النخبة المثقفة، وحظي بدعم إعلامي واسع منذ بدايات تحويله إلى مسلسل تلفزيوني، لاسيما وأن فضائية أبو ظبي التي تولت إنتاجه اختارت الفريق الفني الأساسي من السوريين، وفي مقدمهم كاتبة السيناريو ريم حنا والمخرج نجدت أنزور والنجم جمال سليمان.
العمل هو "ذاكرة الجسد" عن واحدة من أجمل وأشهر الروايات العربية لكاتبتها أحلام مستغانمي، فهذه الرواية التي صدرت في طبعتها الأولى قبل سبعة عشر عاما، باعت أكثر من ثلاثين ألف نسخة، وحازت على جائزة نجيب محفوظ للعام 1997، وجائزة "نور" للعام 1996، وجائزة "جورج طربيه للثقافة والإبداع" للعام 1999، لما تتمتع به من أدبية عالية، وحبكة يكتنفها الغموض اللذيذ، وشخصيات جذابة تنتمي إلى عالم الإبداع، وتجيد التأمل في ذواتها القلقة، وفي العالم المتخبط الذي يحيط بها.
وكان السؤال الأكثر إلحاحا إذا ما كانت الدراما التلفزيونية سوف تستطيع أن توازي شعرية الأديبة مستغانمي، وحساسيتها المرهفة في بناء عالم ملتبس يقبع ما بين الوقائع الحقيقية والأخيلة والتأملات، وقد جاءت الكثير من مشاهد الحلقات الأولى بمقترحات وحلول موفقة، تناسب علاقة الحب المحفوفة بالأسئلة والشكوك، المسكونة بآلام ماض مشترك يجمع ما بين العاشقين: المناضل الخمسيني خالد بن طوبال (جمال سليمان) الذي فقد يده أثناء ثورة تحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسي، فتحوّل إلى الرسم، وانتقل للعيش في باريس، وابنة رفيقه في النضال حياة (أمل بوشوشة) الشابة الجميلة التي تدرس في الجامعة، وتخوض تجربتها الأولى في كتابة الرواية، وهنا يجدر الإطراء بأداء الفنان جمال لأنه استطاع أن يبلور واحدة من أجمل شخصيات الدراما العربية في الموسم الحالي.
وفي الختام بالنظر إلى المشهد العام للمائدة الرمضانية السورية هذا العام قد تكون المتابعة الأولية للأعمال الضخمة لا تسرّ الخاطر كثيرا، غير أن الأعمال الأقل ضخامة من كوميديا ودراما اجتماعية وغيرها ليست في حال أفضل، فالعمل وفق وصفات وقوالب حسب الطلب، ولطش الأفكار والحوارات، والتغني بجرأة لا تقول شيئا، وتقديم هزليات لا تُضحك، مظاهر تحفل بها المسلسلات الجديدة، وصحيح انه من التعسف إطلاق أحكام قيمة في هذه المرحلة المبكرة من العروض، لكن الصورة الحالية إن لم تتحسن في الأيام المقبلة، فإن الدراما السورية سوف تسجل أسوأ مواسمها منذ بداية الألفية الثالثة.

الكفاح العربي
(27)    هل أعجبتك المقالة (30)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي