أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الدولة العلوية الاستبدادية... عدنان عبد الرزاق*

الجريمة بالصمت

ترى، هل الأفعال الطائفية المستمرة بأشكال وأطوار متصاعدة بسورية، هي الجريمة. أم ردة الفعل عليها والتصدي لها؟! 
لأن مجرد تبيان الحال وما آل إليه الخلل ببنية الدولة والحكومة والأجهزة الأمنية والجيش، ينعت الموصّف، وإن بهدف بحثي أو وطني، بالطائفي؟!

وهل من الطائفية بمكان، إن تم توصيف سلوك نظام بشار الأسد الذي تعتبر الدوافع الطائفية، أسه وأساسه، سواء بالتوظيف أو البعثات أو الميزات قبل الثورة، أو القتل والقصف والتهجير بعد عام 2011؟!

أم أن الطائفية المدمرة بأداء نظام يدعي العلمانية حيناً والقومية معظم الأحايين، وما عدم التوصيف مخافة الاتهام بالطائفية، إلا هروب وجبن وخيانة للعلمية والواقع والوطن.

بعيداً عن الكلام الفضفاض والاتهامية، ربما الأدلة هي الفيصل، رغم المخاطر، حتى من التطرق إلى هذا الفخ المدمّر الذي حفره من عيّن الأسد الأب بمنصبه، ليؤدي الأسدان، الدور الوظيفي، بكل دقة ومنهجية وعداء.

لن نتطرق إلى الوزراء ومعاونيهم والمديرين العامين، ونسبة العلويين بتلك المناصب إلى نسبتهم من السوريين، رغم أنه بتلك المقاربة، أحد أهم أسباب ما وصل إليه السوريون، من فساد وإحباط.

ببساطة، ليقيننا المطلق أن القرار والسطوة بسوريا الأسد، لا تعود لشاغلي كراسي تلك المناصب، وما يقال كنكات بين السوريين، إن المساعد "أبو علي" يملي على مدير عام وربما وزير، هي حقيقة لمسها السوريون وعلى مدى خمسين عاماً.

لذا، قد يكون البحث بمناصب إدارات وأفرع الأمن وقيادات فيالق وفرق الجيش، هو الأقرب لعكس الواقع الطائفي الذي تعيشه سوريا منذ ما سمي "اللجنة العسكرية" وانقلاب 1966 وتبلور بوضوح بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970 ليخرج للعلن والاستقواء مطلع الثمانينات، بعد الاصطدام مع حركة الطليعة التي يحسبها النظام على حركة الإخوان المسلمين وتنكر الحركة تبعيتها لها...ويأخذ الشكل المافيوي الهرمي، ورأسه بشار، من بعد الثورة السورية عام 2011.

تعتبر سوريا وباعتراف قياداتها، دولة أمنية بامتياز، فهي محكومة من نحو 4 أفرع أمن بكل محافظة "إن فرضنا أن لكل شعبة أو إدارة فرعا، عدا ما يتفرع من أفرع تخصصية كالمعلومات والخارجي ..."، وتتبع تلك الأفرع لإدارة أمن الدولة أو المخابرات العامة، وشعب والأمن السياسي والأمن العسكري والمخابرات الجوية، ومن المفترض، ولو نظرياً، تتبع تلك الشعب والإدارة إلى الأمن القومي أو ما يسمى الوطني لاحقاً.

ولو فكر أي باحث محايد استعراض أسماء ومناطق وانتماء رؤساء الأفرع والشعب والإدارة، فسيجد أن نسبة العلويين وعلى الأقل، توازي نسبة نجاح بشار الأسد بالانتخابات"95.1%"، وكذا بالنسبة لقادة الفيالق والفرق العسكرية ورؤساء الأركان وضباط أمن الفرق والوحدات العسكرية.

قصارى القول: هنْدس حافظ الأسد ومنذ وصوله للسلطة إثر انقلاب "التصحيح" الجيش والأمن على أساس الولاء لـ"القائد" وليس للوطن، وبدأ بعلونة تلك المواقع بالتدرج ولكن على نحو سريع وعلاني.

ويعرف أهل التخصص السوريون، أن الأسد الأب لم يلوّن مراكز القيادة بلون علوي عام فحسب، بل كان للانتماء العشائري ضمن الطائفة العلوية، دور وأهمية، فقبيلة الأسد "الكلبية" لها الوزن والحظوة الأكبر، لتأتي قبيلة زوجته أنيسة مخلوف "الحدادين" ثانياً وهكذا، لنرى إبعاد "الحيدريين والمرشديين" تقريباً عن مواقع السلطة، إذ تقول دراسة لمركز "عمران" أصدرها العام الماضي، إنه ونتيجة الاستقصاء عن أهم 40 مركزاً في الجيش السوري، توصلت الدراسة إلى أن من يشغل هذه المراكز الحساسة هم ضباط من الطائفة العلوية، من القائد العام ووزير الدفاع مروراً بقادة الفيالق العسكرية وقادة الفرق وأجهزة الاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع، وقبيلياً أو عشائرياً ضمن الطائفة العلوية التي لا تزيد نسبتها بسوريا عن 12% كحد أقصى، يسيطر ضباط اللاذقية على 58% من المناصب القيادية، بينما يسيطر ضباط طرطوس على 17%، وضباط حمص على 15%، في حين يسيطر ضباط حماه على 10%. 

وأما سبب نكء هذا الجرح النازف للوطنية والأمل اليوم، هو ما قرأناه بالأمس عن تنقلات بمراكز كبيرة لـ 20 قيادياً بالجيش العلوي وليس السوري، فوجدنا تعيين "اللواء مفيد حسن" بمنصب قائد "الفيلق الأول"، قادما من منصب قائد "الفرقة الخامسة"، وينحدر من "بشلاما" في ريف اللاذقية، وتعيين "اللواء أيوب الحمد" رئيس أركان "الفيلق الأول"، وكان يشغل منصب قائد "الفرقة الثانية ساحلية"، وينحدر من "مصياف" وتعيين "اللواء عبد المجيد محمد" بمنصب رئيس أركان "الفيلق الثالث"، والذي كان يشغل قائد "الفرقة 18" وينحدر من "بسنديانا" قرب "جبلة"، وتعيين "اللواء سهيل أسعد" بمنصب قائد "الفرقة الخامسة"، حيث كان يشغل منصب نائب "الفرقة الخامسة"، وينحدر من قرية "شين" في ريف حمص، وتعيين "اللواء عساف نيساني" قائداً لـ"الفرقة الثامنة" ورئيس اللجنة الأمنية والعسكرية في حماة، "نيساني" كان يشغل نائب قائد "فرقة 8"، وينحدر من "مصياف" و تكليف "اللواء عدنان ابراهيم" بمهمة قيادة "الفرقة الثانية"، قادما من منصب نائب الفرقة نفسها، وتعيين "اللواء سهيل عباس"، نائب لقائد "الفرقة 18"، و"عباس" كان يشغل رئيس أركان "الفرقة الثامنة".

نهاية القول: أذكر منذ مطلع الثورة قصصاً وحكايا وحوادث لا تحصى، عن طائفية الجيش والأمن وانتمائهما للقائد وليس للوطن، ومما لا أنساه، نقاشاً جرى مع "العقيد أبو جعفر" خلال جلسة، وقت قال لي غاضباً "ليك يا أستاذ، نحن نفتح التلفزيون، الرئيس بشار موجود ساكتين..ولكن إذا صار للسيد الرئيس شي فقسماً بالله الشام تنحرقها" وكلام الرفيق أبي جعفر، تترجم علانياً وأمام كاميرات الموبايل وكان يرسل للجميع لهدف أدركناه لاحقاً، بدأ  من "مين ربك ولااا" وانتهى قبل أيام، خلال الاحتفال بنصر الأسد المؤزر بمنصب رئيس الدولة، بهتافات علانية لـ"الدولة العلوية".

مرة أخرى، ليس من الطائفية بمكان التطرق لهذا الانزياح الخطر والمافيوية العلانية، بل الجريمة بالصمت عن جر سوريا برمتها إلى المستنقع الطائفي عملياً، وإن كان التبجح بالوطنية والعلمانية على المنابر.

 ولعل بتصريح وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف منذ مارس/آذار 2012، تأكيداً على التوافق على أكثر الشعارات، عدمية ووجودية بآن، وقت رفعه جيش وأمن الأسد على الجدران والأسطح" الأسد أو نحرق البلد".

فرئيس الدبلوماسية الروسية قالها لإذاعة " كوميرسانت اف أم" الروسية: "لن نسمح بوصول حكم سني في سوريا، لإنّ الصراع يدور في المنطقة كلها، وإذا سقط النظام الحالي في سوريا، فستنبثق رغبة قوية وتُمارس ضغوط هائلة من جانب بعض بلدان المنطقة من أجل إقامة نظام سنِّي في سوريا، ولا تراودني أي شكوك بهذا الصدد. ويقلقنا في هذا الوضع مصير المسيحيين، وهناك أقليات أخرى كالأكراد والعلويين وكذلك الدروز".

كما أعلن بشار الأسد ما هو أوقح ومراراً، ابتداء من أن السوريين ليسوا هم من يمتلكون الجواز السوري، ومن ثم بالسعي للتجانس وتغيير الديموغرافيا وصولاً للذي قد نراه قريباً، من لجوء الأسد لتقسيم سوريا ليبقى على كرسي أبيه، ولو على سوريا العلوية أو ما تسمى تلطيفاً، بسوريا المفيدة.

ربما من المفيد والوطنية بآن، النظر لسوريا على أنها ديكتاتورية والسعي والكفاح لتحررها من الاستبداد، وعدم الانجرار لمستنقع الطائفية ولو بالذكر، بيد ما نراه من بيع وتجييش وقتل وتغيير ديموغرافي، يجعل من وقف "علونة الدولة" أولوية، لأن خطورتها على المستقبل والأجيال ووحدة سوريا، أكثر حتى من ديكتاتوريتها.

* من كتاب زمان الوصل
(63)    هل أعجبتك المقالة (37)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي